فهرس الكتاب

الصفحة 2822 من 11127

1803 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجَّاج (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعيِّ الكوفي (قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) هو ابنُ عازب رضي الله عنه (يَقُولُ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا الْمَدِيْنَةَ لَمْ يَدْخُلُوها مِنْ قِبَلِ) بكسر القاف وفتح الموحدة؛ أي جانب.

(أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا) قال الحافظ العسقلاني هذا ظاهرٌ في اختصاص ذلك بالأنصار، لكنْ سيأتي إن شاء الله تعالى في حديث جابر رضي الله عنه أنَّ سائر العرب كانوا كذلك إلَّا قريشًا.

هذا، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّا لا نسلِّم دعوى الاختصاص في ذلك؛ لأنَّ هذا إخبارٌ عن الأنصار أنَّهم كانوا يفعلون ذلك، ولا يلزم من ذلك نفي ذلك عن غيرهم.

وقد روى ابن خزيمة والحاكم في «صحيحيهما» من طريق عمَّار بن زريق، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر رضي الله عنه قال كانت قريش تدَّعي الحُمْس، وكانوا يدخلون من الأبواب في الإحرام، وكانت الأنصار وسائر العرب لا يدخلون من الأبواب، فبينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بستان فخرج من بابه، فخرج معه قطبة بن عامر الأنصاري فقالوا يا رسول الله إنَّ قطبة رجلٌ فاجرٌ

ج 8 ص 447

فإنَّه خرج معك من الباب فقال (( ما حملك على ذلك ) )قال رأيتك فعلته ففعلت كما فعلت قال (( إنِّي أَحْمَس ) )قال فإنَّ ديني ودينك، فأنزل الله تعالى الآية.

وهذا الإسناد وإن كان على شرط مسلم، لكن اختلف في وصله على الأعمش، عن أبي سفيان، فرواه عبد بن حميد عنه فلم يذكر جابرًا، أخرجه بقي بن مخلد وأبو الشيخ في «تفسيرهما» من طريقه.

وهذا صريحٌ في أنَّ سائر العرب كانوا يفعلون ذلك كالأنصار إلَّا قريشًا، وكذا رواه عبد بن حميد من مرسل قتادة. وكذا أخرجه الطَّبري من مرسل الرَّبيع بن أنس نحوه.

وفي «تفسير» مقاتل بن سليمان كانت الأنصار في الجاهليَّة إذا أحرم أحدهم بالحجِّ أو العمرة وهو من أهل المَدَر، وهو مقيمٌ في أهله، لم يدخل منزله من قِبَل الباب، ولكن يوضع له سلَّمٌ فيصعد عليه وينحدر منه أو يتسوَّر من الجدار، أو ينقُّب بعضَ جدره، فيدخل منه ويخرج، فلا يزال كذلك حتَّى يتوجَّه إلى مكَّة مُحْرِمًا، وإن كان من أهل القرية دَخَلَ وخَرَجَ من وراء بيته.

وأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل يومًا نخلًا لبني النَّجار، ودخل معه قُطْبَة بن عامر بن حَديدة الأنصاري السُّلمي من قِبَل الجدار وهو محرم، فلمَّا خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم من الباب وهو محرمٌ خرج معه قطبة من الباب فقال رجلٌ هذا قطبة فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما حملك أن تخرج من الباب وأنت محرم؟ ) )فقال يا نبي الله رأيتك خرجت من الباب وأنت مُحْرِمٌ فخرجتُ معك وديني دينك، فقال صلى الله عليه وسلم (( خرجتُ لأنِّي من الحُمْس ) )فقال قُطْبَة إن كنت أَحْمَس فأنا أَحْمَس، وقد رضيت بهداك فأنزل الله تعالى {وَلَيْسَ الْبِرُّ} الآية [البقرة 189] .

(فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بابهِ) قيل إنَّه هو قُطْبَة، بضم القاف وإسكان المهملة وفتح الموحدة، ابن عامر بن حَديدة، بمهملات بوزن كبيرة، الأنصاري الخزرجي، كما سمِّي في رواية جابر رضي الله عنه السَّابقة عند ابن خزيمة والحاكم في «صحيحيهما» ، وكذا سمَّاه مقاتلٌ في «تفسيره» كما مرَّ، وكذا سمَّاه الكلبي في «تفسيره» عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

وجزم البغويُّ وغيره من المفسِّرين بأنَّ هذا الرَّجل يقال له رفاعة بن تابوت، واحتجُّوا في ذلك بما رواه عبد بن حميد وابن جرير الطَّبري من طريق داود بن أبي هند، عن قيس بن جبير السُّهيلي، أنَّ النَّاس كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا حائطًا من بابه ولا دارًا من بابها، ولم يأتوا بيتًا من قِبَل بابه، ولكن مِنْ قِبَلِ ظهره وكانت الحُمْس

ج 8 ص 448

تفْعَلُه، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه دارًا، وكان رجلٌ من الأنصار يقال له رفاعة بن تابوت، فجاء فتسوَّر الحائط، ثمَّ دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا خرج من باب الدَّار خرج معه رفاعة فقالوا يا رسول الله نافق رفاعة، فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما حملك على ذلك؟ ) )قال رأيتك خرجت منه فخرجت، فقال صلى الله عليه وسلم (( إنِّي أَحْمَس ) )فقال الرَّجل إنَّ ديننا واحد، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا مرسلٌ، وحديث جابر رضي الله عنه مسندٌ، وهو أقوى.

ويجوز أن يحمل على التَّعدد في القصَّة، إلَّا أنَّ في هذا المرسل مانعًا آخر، فإن رفاعة بن تابوت معدود في المنافقين، وهو الذي هبَّت الرِّيح العظيمة لموته كما وقع في «صحيح مسلم» مبهمًا، وفي غيره مفسَّرًا من حديث جابر رضي الله عنه، فإن لم يحمل على أنَّهما رجلان توافق اسمهما واسم أبويهما، وإلا فكونه قطبة أولى.

ويؤيِّده أنَّ في مرسل الزهريِّ عند الطبريِّ (( فدخل رجلٌ من الأنصار من بني سلمة ) )وقطبة من بني سلمة بخلاف رفاعة، ويدلُّ على التعدد اختلاف القول في الإنكار على الدَّاخل، فإن في حديث جابر رضي الله عنه (( فقالوا إن قُطْبَة رجلٌ فاجر ) ).

وفي مرسل قيس بن جبير (( فقالوا يا رسول الله نافق رفاعة ) )، لكن ليس يمتنع أن يتعدَّد القائلون في القصَّة الواحدة.

(فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ) بضم العين المهملة على صيغة المجهول، من التَّعيير وهو التعييب. وقال الجوهريُّ يقال عيَّره كذا والعامِّة تقول عيره بكذا؛ أي عيَّروه بدخوله من قبل بابه، وكانوا يعدُّون إتيان البيوت من ظهورها برًا.

(فَنَزَلَتْ) أي الآية وهي قوله تعالى ( {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ} ) بر ( {مَنِ اتَّقَى} ) المحارم والشَّهوات ( {وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} [البقرة 189] ) واتركوا سنَّة الجاهلية، وحديث الباب يدلُّ على أنَّ سبب نزول هذه الآية ما ذكر فيه، وروى عبد الرَّحمن بن أبي حاتم في «تفسيره» بسنده إلى محمَّد بن كعب القرظي يقول كان الرَّجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت، فنزلت الآية.

وعن عطاء قال كان أهل يثرب إذا رجعوا من عندهم دخلوا البيوت من ظهورها، ويريدون أنَّ ذلك أدنى إلى البِرِّ فقال الله تعالى {وَلَيْسَ الْبِرُّ} الآية.

ج 8 ص 449

وعن الحسن قال كان أقوامٌ من أهل الجاهليَّة إذا أراد أحدُهم سفرًا أو خرج من بيته يريد سَفَرًا، ثمَّ بدا له من بعد خروجه أن يقيمَ ويدع سَفَره الذي خرج له لم يدخل البيت من بابه، ولكن يتسوَّره من قِبَل ظهره تسوُّرًا، فنزلت الآية.

وقال الزَّجاج كان قومٌ من قريش وجماعة معهم من العَرَب إذا خرج الرَّجل منهم في حاجته فلم يقضها ولم تتيسَّر له، رَجَعَ فَلَم يدخل من باب بيته سَنَة يفعل ذلك طِيَرةً، فأعلمهم الله تعالى أنَّ هذا ليس بِبِرٍّ.

وقال النَّسفي كانت الحُمْس وهم المشدِّدون على أنفسهم من بني خزاعة وبني كنانة في الجاهليَّة وبدء الإسلام إذا أحرموا واعتكفوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها، فإن كانت بيوتهم من الخيام رفعوا ذيولها، وإن كانت من المَدَر نقَبوا في ظهور بيوتهم فدخلوا منها أو من قِبَلِ السَّطح وقالوا لا ندخل بيوتًا من الباب حتَّى ندخل بيت الله، وكان منهم من لا يستظلُّ تحت سقفٍ بعد إحرامه، ولا يدخل بيتًا من بابه ولا من خلفه، ولكن يصعد السَّطح فيأمر بحاجته من السَّطح، وهذه الأشياء وضعوها من عند أنفسهم من غير شَرْعٍ، فعرَّفهم الله تعالى أنَّ هذا التَّشديد ليس بِبِرٍّ ولا قُرْبة.

وقال بعض أهل التَّفسير إنَّ الحُمْس، وهم قومٌ من قريش وبنو عامر بن صَعْصَعة وثقيف وخزاعة، كانوا إذا أحرموا لا يأْقِطُون الأَقْط، ولا ينتفُون الوَبَرَ ولا يسْلُون السَّمن، وإذا خرج أحدهم في الإحرام لم يدخل من باب بيته، فنزلت الآية، ولكن ما في الصَّحيح أصحُّ، والله أعلم.

واتَّفقت الرِّوايات الصَّحيحة على أنَّ نزول الآية كان في الإحرام. واتَّفقت الروايات الصَّحيحة أيضًا على أنَّ الحُمْس كانوا لا يفعلون ذلك بل غيرهم، لكن عكس ذلك مجاهد فقال كان المشركون إذا أحرم الرَّجل منهم نقب كوَّة في ظهر بيته فدخل منها، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ ومعه رجلٌ من المشركين، فدخل من الباب فتأخَّر المشرك ليدخل من الكوَّة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما شأنك؟ ) )قال إنِّي أحمس فقال (( وأنا أحمس ) )، فنزلت، أخرجه الطَّبري.

فائدة روى أبو جعفر في «تفسيره» عن السديِّ مرسلًا كان ناسٌ من العرب إذا حَجُّوا لم يدخلوا بيوتهم من أبوابها كانوا ينقُبون من أدبارها، فلمَّا حجَّ سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجَّة الوداع أقبل يمشي ومعه رجلٌ من أولئك وهو مسلمٌ، فلمَّا بلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم باب البيت

ج 8 ص 450

احتبس الرَّجل خلفه، وقال يا رسول الله، إنِّي أَحْمَس محرم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( وأنا أيضًا أَحْمَس فادْخُل ) )فدَخَلَ الرجلُ، فنزلت الآية.

ويستفاد من هذا أنَّ ذلك وَقَعَ في حجَّة الوداع، لكن قال الحافظ العسقلاني إنَّه وقع في هذه الرِّواية كانوا إذا أحرموا، وهو يتناول الحجَّ والعمرة؛ يعني فلا يتعيَّن كونه في حجَّة الوداع.

وروى ابن جرير من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ القصَّة وقعت أوَّل ما قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة. وفي إسناده ضَعْفٌ. وفي مرسل الزهريِّ أنَّه وقع في عُمْرة الحديبية، والأقرب، والله أعلم، ما قاله الزهريُّ.

وقد بيَّن الزهري السَّبب في صنيعهم ذلك فقال كان ناسٌ من الأنصار إذا أهلُّوا بالعُمرة لم يَحُلْ بينهم وبين السَّماء شيءٌ، فكان الرَّجل إذا أهلَّ فبدت له حاجةٌ في بيته لم يدخل من الباب من أجل السَّقف أن يحول بينه وبين السَّماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت