1810 - (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن موسى أبو العبَّاس يقال له مردويه السِّمسار المروزيُّ، وهو من أفراد البخاري، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك، قال (أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأَيلي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ) هو ابن عبد الله بن عمر (قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما يَقُولُ أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ) أي أليس كافيكم، ومنه قوله تعالى {حَسْبُنَا اللَّهُ} [آل عمران 173] أي كافينا، وهو مرفوعٌ على أنَّه اسم ليس، وقوله (سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟) بالنصب كما في رواية «اليونينية» خبر ليس، والجملة الشَّرطية وهي قوله (إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ) بأن منع عن الوقوف بعرفة (طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) أي إذا أمكنه ذلك، لما رواه عبد الرَّزَّاق (( إنْ حَبَسَ أحدًا منكم حابسٌ عن البيت، فإذا وصل إليه طاف ) ).
وقال القاضي عياض ضبطناه (سُنَّةَ) بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل؛ أي تمسَّكوا وشبهه. فعلى هذا، يكون خبر ليس مضمون
ج 8 ص 469
الجملة الشَّرطية.
وقال السُّهيلي من نصب سنة فهو بإضمار الأمر كأنَّه قال الزموا سنَّة نبيِّكم، وهو كما قال القاضي عياض.
(ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ) حرم عليه بسبب الإحرام (حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا) نصب على الظرفيَّة والصفة (فَيُهْدِي) أي يذبح شاة؛ إذ التحلُّل لا يحصل إلَّا بنية التحلُّل والذَّبح والحلق (أَوْ يَصُومُ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا) بعد إمداد الطَّعام الذي يحصل من قيمة الهدي، هكذا ذَكَرَه الكِرماني، ويصوم حيث شاء ويتوقَّف تَحَلُّلِه على الإطعام كتوقُّفه على الذَّبح لا على الصَّوم؛ لأنَّه يطول زمنه فتعظم المشقَّة في الصَّبر على الإحرام إلى فراغه من الصَّوم، وهذا هو مذهب الشَّافعي ومن تابعه.
وعنده أيضًا حكم المكِّي والآفاقي سواء في الإحصار فيطوف ويسعى ويحلُّ ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن عمر رضي الله عنهما. وأوجبها مالك على المُحْصَر المكِّي، وعلى مَن أنشاه من مكَّة.
وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يكون مُحْصَرًا مَن بَلَغَ مكَّة؛ لأنَّ المحصر عنده من مُنِعَ الوصول إلى مكَّة وحِيْلَ بينه وبين الطَّواف والسَّعي فيفعل ما فعل الشَّارع من الإحلال من موضعه، وأمَّا من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحجُّ يحلُّ بعمرة وعليه الحجُّ من قابل ولا هدي عليه؛ لأنَّ الهدي لجبر ما أدخله على نفسه، ومن حبس عن الحجِّ لم يدخل على نفسه نقصًا.
وقال الزُّهري إذا أُحْصِرَ المكِّيُّ فلا بدَّ له من الوقوف بعرفة وإن تعسى بعسي. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ردٌّ عليه، على أنَّ المُحْصَر لو وقف بعرفة لم يكن مُحْصَرًا، ألا ترى إلى قول ابن عمر رضي الله عنهما طاف بالبيت وبالصَّفا والمروة، ولم يذكر الوقوف بعرفة.
- (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي ابن المبارك، وهو معطوفٌ على الإسناد الأوَّل، وليس بمعلَّق كما قيل، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بفتح الميمين، بينهما عين ساكنة، والظَّاهر أنَّ ابن المبارك كان يحدِّث به تارة عن يونس وتارة عن مَعْمر كلاهما (عَنِ الزُّهْرِيِّ) ابن شهاب.
أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَالِمٌ، عَنِ) أبيه (ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (نَحْوَهُ) وقد أخرجه التِّرمذي فقال حدَّثنا أحمد بن منيع حدَّثنا عبد الله بن المبارك أخبرني معمر، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه أنَّه كان يُنْكِرُ الاشتراطَ في الحجِّ ويقول
ج 8 ص 470
(( أليس حسبكم سنَّة نبيكم صلى الله عليه وسلم ) ).
وهكذا أخرجه الدَّارقطني من طريق الحسن بن عرفة بلفظ (( أَمَا حَسْبُكم سنَّة نبيكم صلى الله عليه وسلم أنَّه لَم يَشْتَرِط. وكذا أخرجه الإسماعيليُّ من طريقه. ومن طريق أحمد بن منيع وغيرِه، كلُّهم عن ابن المبارك ) ).
وكذا أخرجه عبد الرَّزَّاق وأحمد عنه عن معمر مقْتَصِرًا على هذا القَدْر، وأخرجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخر عن عبد الرَّزَّاق بتمامه، وكذا أخرجه النَّسائي.
وأمَّا إنكار ابن عمر رضي الله عنهما الاشتراط فثابت في رواية يونس أيضًا إلَّا أنَّه حذف في رواية البخاري هذه، فأخرجه البيهقي من طريق السرَّاج عن أبي كُرَيْبٍ، عن ابن المبارك، عن يونس.
وأخرجه النَّسائي والإسماعيليُّ من طريق ابن وَهْبٍ، عن يونس، وأشار ابن عمر رضي الله عنهما بإنكار الاشتراط إلى ما كان يفتي به ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
قال البيهقيُّ لو بلغ ابن عمر رضي الله عنهما حديث ضباعة في الاشتراط لقال به. انتهى.
وحديث ضُباعة أخرجه من طريق عطاء بن أبي رباح، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لضُباعة (( حجِّي واشترطي أن مَحِلِّي حيثُ حَبَسْتَنِي ) ). ورواه الأربعة أيضًا، فرواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن عبَّاد بن العوَّام، وأخرجه النَّسائي من رواية ثابت بن يزيد الأحول، عن هلال بن حُبَابٍ.
ورواه التِّرمذي عن زياد بن أيُّوب البغدادي حدَّثنا عبَّاد بن العوَّام، عن هلال بن حُبَاب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ ضُباعة بنت الزُّبير أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله، إنِّي أريد الحجَّ أفأشترط؟ قال (( نعم ) )قالت كيف أقول؟ قال (( قولي لبيك اللَّهم لبيك، محلي من الأرض حيث تحبسني ) ).
وأخرجه أيضًا مسلم والنَّسائي وابن ماجه من رواية ابن جريج، عن أبي الزُّبير، عن طاوس وعكرمة كلاهما، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ ضباعة بنت الزُّبير بن عبد المطَّلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إنِّي امرأةٌ ثقيلة؛ أي من الضَّعف، وإنِّي أريد الحجَّ فما تأمرني؟ قال (( أهلِّي واشترطي أنَّ محلي حيث تحبسني ) ). ولمَّا رواه التِّرمذي قال وفي الباب عن جابر وأسماء بنت أبي بكر
ج 8 ص 471
وعائشة رضي الله عنهم.
أمَّا حديث جابر رضي الله عنه، فرواه البيهقيُّ من رواية هشام الدَّستوائي، عن جابرٍ أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزُّبير (( حجِّي واشترطي أنَّ محلِّي حيث حبستني ) ).
وأمَّا حديث أسماء رضي الله عنها، فرواه ابن ماجه على الشكِّ من رواية عثمان بن حكيم، عن أبي بكر بن عبد الله بن الزُّبير، عن جدَّته قال لا أدري أسماء بنت أبي بكر أو سعدى بنت عوف أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت عبد المطَّلب قال (( ما يمنعك يا عمَّتاه من الحجِّ؟ ) )فقالت أنا امرأةٌ سقيمة، وأنا أخاف الحَبْسَ قال (( فأحرمي واشترطي أن مَحِلِّك حيث حُبِسْت ) ). وهكذا أخرجه أحمد في «مسنده» والطَّبراني عن جدَّته لم يسمِّها.
وأمَّا حديث عائشة رضي الله عنها فمتَّفق عليه على ما يجيء إن شاء الله تعالى [1] .
وحديث ضباعة له طرق متعدِّدة. منها ما رواه ابن خزيمة ومن طريقه البيهقي من رواية يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، عن ضباعة بنت الزُّبير قالت قلت يا رسول الله إنِّي أريد الحج فكيف أهلُّ بالحجِّ قال قولي (( اللِّهم إنِّي أهل بالحجِّ إن أذنت لي به وأعنتني عليه ويسَّرته لي، وإن حبستني فمحلي ) ).
ومنها ما رواه الشَّافعي عن ابن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بضباعة بنت الزُّبير فقال (( أما تُرِيْدِينَ الحج؟ ) )فقالت إنِّي شاكية فقال لها (( حجِّي واشترطي أن مَحِلي حيث حَبَستني ) ). وضباعة بنت الزُّبير ابنة عمِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم.
ووقع عند ابن ماجه كما سبق آنفًا ضباعة بنت عبد المطَّلب، وذلك نسبة إلى جدِّها.
ووقع في «الوسيط» للغزالي عند ذِكْرِ هذا الحديث أنَّها ضباعة الأسلميَّة وهو غلطٌ، وإنَّما هي هاشميَّة.
ثمَّ إنَّه قد صحَّ القول بالاشتراط عن عمر وعثمان وعلي وعمَّار وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وغيرهم من الصَّحابة رضي الله عنهم، ولم يصحَّ إنكاره عن أحدٍ من الصَّحابة إلَّا عن ابن عمر رضي الله عنهما، ووافقه جماعة من التَّابعين ومن بعدهم من الحنفيَّة والمالكيَّة.
وما حكاه القاضي عياض عن الأَصيلي قال لا يثبت في الاشتراط إسنادٌ صحيح، وما قاله القاضي عياض. وقد قال النَّسائي لا أعلم أسنده عن
ج 8 ص 472
الزُّهري غير مَعْمَر، فقد تعقَّبه النَّووي بأنَّ الذي قاله غلطٌ فاحشٌ؛ لأنَّ الحديث مشهورٌ صحيحٌ من طرق متعدِّدة. وقول النَّسائي لا يلزم منه تضعيف طريق الزُّهري التي تفرَّد بها معمر فضلًا عن بقيَّة الطُّرق؛ لأنَّ مَعْمَرًا ثقة حافظ فلا يضرُّه التفرُّد كيف وقد وُجِدَتْ لما رواه شواهدُ كثيرة، والله أعلم.
وهكذا قال الشَّيخ زين الدِّين، قال وقد ثبت وصحَّ من حديث عائشة وابن عبَّاس وغيرهما وقد مرَّ. ثمَّ إنَّهم اختلفوا في مشروعيَّة الاشتراط فقيل واجبٌ لظاهر الأمر، وهو قول الظَّاهريَّة، وقيل مستحبٌّ وهو قول أحمد، وغلط من حكى الإنكار عنه، وقيل جائز وهو المشهور عند الشَّافعية، وقطع به الشَّيخ أبو حامد، والحقُّ أنَّ الشَّافعي نصَّ عليه في القديم، وعلَّق القول بصحَّته في الجديد، فصار الصَّحيح عنه القول به.
وبذلك جزم التِّرمذي عنه، فإنَّه لما روى حديث ضباعة بنت الزُّبير قال والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون الاشتراط في الحجِّ ويقولون إن اشترط فله أن يَحلَّ ويخرج من إحرامه لِما عَرَضَ له من مرضٍ أو غيره، وهو قول الشَّافعي وأحمد وإسحاق، قيل وهو قول جمهور الصَّحابة والتَّابعين ومَن بعدهم، قال به عمر بن الخطَّاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعمَّار بن ياسر، وعائشة، وأم سلمة رضي الله عنهم وجماعة من التَّابعين.
وذهب بعض التَّابعين ومالك وأبو حنيفة إلى أنَّه لا يصحَّ الاشتراط، وحملوا الحديث على أنَّه قضيَّة عين، وأنَّ ذلك مخصوصٌ بضباعة.
قال التِّرمذي ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحجِّ وقالوا إن اشترط فليس له أن يخرج من إحرامه فيرونه كمن لم يشترط. وحكى الخطَّابي والرَّوياني من الشَّافعية الخصوصَ بضباعة.
وحكى إمام الحرمين أنَّ معناه محلي حيث حبسني الموت؛ أي إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي.
وأنكره النَّووي وقال إنَّه ظاهر الفساد. وقيل إنَّ الاشتراط خاصٌّ بالتحلُّل من العمرة لا من الحجِّ، حكاه المحبُّ الطَّبري وقصَّة ضباعة تردُّه. وحديث الباب أخرجه النَّسائي أيضًا.
تكميل ثمَّ إنَّ مَنْ جوَّز الاشتراط ومنهم الشَّافعية قالوا فإذا شرطه بلا هدي لم يلزمه هدي عَمَلًا بشرطه، وكذا لو أطلق؛ لعدم الشَّرط ولظاهر حديث ضباعة، فالتحلُّل في الحجِّ والعمرة يكون بالنيَّة فقط، فإن شرطه بهدي لزمه عملًا بشرطه، ولو قال إن مرضت فأنا حلال، فمرض صار حلالًا بالمرض من غير نيَّة، وعليه حَمَلُوا حديث (( من كُسِرَ أو عَرَجَ فقد حلَّ، وعليه الحَجُّ من قابل ) )، رواه أبو داود وغيره بإسنادٍ صحيح.
وإن شرط قلب الحجِّ عمرةً بالمرض أو نحوه جاز كما لو شرط التحلُّل به، بل أولى لقول عمر رضي الله عنه لأبي أميَّة سويد بن غُفَلَة تحجُّ واشترط وقل اللَّهم الحج أردت، وله عمدت، فإن تيسَّر وإلَّا فعمرة، رواه البيهقيُّ بإسنادٍ حسن.
ولقول عائشة رضي الله عنها لعروة هل تستثني إذا حججت فقال ماذا أقول؟ فقالت قل اللَّهم الحجَّ أردتُ وله عمدتُ، فإن يسَّرته فهو الحجُّ وإن حبسني حابس فهو عمرة، رواه الشَّافعي والبيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ على شرط الشَّيخين فله في ذلك إذا وجد العذر أن يقلب حجَّه عمرةً، ويجزئه عن عمرة الإسلام، ولو شرط أن ينقلب حَجُّهُ عمرةً عند العذر فوُجِدَ العذرُ انقلب حجُّه عمرةً، وأجزأته عن عمرة الإسلام، كما صرَّح به البُلقينيُّ، بخلاف عُمْرة التحلُّل في الإحصار لا تجزئ عن عُمْرة الإسلام؛ لأنَّها في الحقيقة ليست عُمْرةً، وإنَّما هي أعمال عمرة.
[1] هذه عبارة العيني في العمدة (10/ 147) ولعله يقصد الحديث الذي على شرطهما من رواية عائشة المذكور في آخر شرح هذا الحديث.