1815 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، المفضَّل بن دكين، وقد تكرَّر ذكره [خ¦52] [خ¦112] [خ¦124] [خ¦156] ، قال (حَدَّثَنَا سَيْفٌ) بلفظ الآلة القاطعة، هو ابنُ سليمان المكِّي، وقد تقدَّم في أبواب القبلة [خ¦397] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُجَاهِدٌ) هو ابنُ جَبْر المفسِّر (قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ) رضي الله عنه.
(حَدَّثَهُ قَالَ وَقَفَ عَلَيَّ) بتشديد الياء المفتوحة (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ) بتخفيف الياء الأخيرة عند المحقِّقين كالشَّافعي وغيره، وعند غيرهم بتشديدها وهي على مرحلةٍ من مكَّة، قاله الكِرماني، والباء فيه بمعنى في (وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا) الجملة حالية وقَمْلًا تمييز؛ أي يتساقط شيئًا فشيئًا، وهو مأخوذٌ من الهفْت بسكون الفاء.
وفي «المحكم» الهَفْت تساقط الشَّيء قِطْعةً قِطْعةً كالثَّلج والرذاذ ونحوهما. وتهافتُ الفراشُ في النَّار
ج 8 ص 482
تساقطهُ، وتهافتَ القومُ تساقطوا موتًا.
وفي رواية أيُّوب عن مجاهد في المغازي [خ¦5703] (( أتى عليَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنا أُوقدُ تحت بُرمة، والقَمْل يتناثر عن رأسي ) ). وزاد في رواية ابن عون، عن مجاهد في الكفارات فقال [خ¦6708] (( ادنُ، فدَنَوتُ ) ).
ولأحمد من وجهٍ آخر في هذا الطَّريق (( وقعَ القَمْل على رأسي ولحيتي حتَّى حاجبي وشاربي، فأرسل إليَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال لقد أصابك بلاء ) ). ولأبي داود (( أصابتني هوامُّ حتَّى تخوَّفت على بصري ) ).
وفي رواية أبي وائل، عن كعبٍ عند الطبريِّ (( فحكَّ رأسي بأصبعه فانتثر منه القَمْل ) ). زاد الطبرانيُّ من طريق الحكم (( إن هذا لأذى، قلتُ شديد يا رسول الله ) ). ولابن خزيمة (( رآه وقمْلُه يسقطُ على وَجْهه ) ).
(فَقَالَ يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ) بحذف همزة الاستفهام (قُلْتُ نَعَمْ، فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، أَوْ قَالَ احْلِقْ) بحذف المفعول وهو شكٌّ من الرَّاوي؛ أي أزل شعر رأسك (قَالَ) أي كعب رضي الله عنه (فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء المفتوحة (نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ} [البقرة 196] إِلَى آخِرِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ) بفتح الفاء والراء وقد تُسَكَّن، قاله ابن فارس.
وقال الأزهريُّ كلام العرب بالفتح، والمحدِّثون قد يسكنونها، والمنقول جوازُ كلٍّ منهما، والَّذي في اليونينية الفتح وآخره قاف، مكيالٌ معروف بالمدينة وهو ستَّة عشر رطلًا.
ووقع في رواية ابن عيينة، عن ابن أبي نَجيح عند أحمد والتِّرمذي (( والفَرَق ثلاثة آصع ) ). وفي رواية مسلم من طريق أبي قلابة، عن ابن أبي ليلى (( أو أطعم ثلاثة آصعٍ من تَمْرٍ على ستَّة مساكين ) ).
وآصُع، بمد الهمزة وضم الصَّاد، جمع صاع على القلب؛ لأنَّ القياس في جمْعِه أَصْوُع بقصر الهمزة وسكون الصاد بعدها واو مضمومة.
قال الجوهريُّ وإن شئت أبدلت من الواو المضمومة همزة فقلت أَصْوُع، وحكي الوجهان كذلك في أَدْوُر وآَدُر جَمْع دَار، وذكر ابن مكِّي في كتاب «تثقيف اللِّسان» أنَّ قولهم آصعُ، بالمد، لحن من خطأ العوَّام، وأنَّ صوابه أَصْوُع.
وقال النَّووي هذا غلطٌ منه مردود وذهول، وفي الصَّاع لغتان التَّذكير والتأنيث حكاهما الجوهري وغيره. وإذا ثبت أنَّ الفَرَق ثلاثةُ آصع اقتضى أنَّ الصَّاع خمسة أرطال وثُلث
ج 8 ص 483
خلافًا لمن قال إنَّ الصَّاع ثمانية أرطال.
(بَيْنَ سِتَّةٍ) أي بين ستَّة مساكين ولا يجزئ أقلَّ من ستَّة، وهو قول الأكثر، وحُكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنَّه يجوز أن يدفع إلى مسكينٍ واحد، والواجب في أيِّ طعامٍ لكلِّ مسكينٍ نصف صاعٍ من أيِّ شيءٍ كان المخرج في الكفَّارة قَمْحًا أو شعيرًا أو تمرًا، وهو قول مالك والشَّافعي وإسحاق وأبي ثور وداود.
وحكي عن الثَّوري وأبي حنيفة تخصيص ذلك بالقمح، وأنَّ الواجب من الشَّعير والتَّمر صاعٌ لكلِّ مسكين.
وحكى ابن عبد البر عن أبي حنيفة وأصحابه كقول مالك والشَّافعي، وعند أحمد في رواية أنَّ الواجب في الإطعام لكلِّ مسكينٍ مدٌّ من قمحٍ أو مدَّان من تمرٍ أو شعير.
(أَوِ انْسُكْ) على صيغة الأمر من نَسَك إذا ذَبَح، وفي رواية بلفظ الاسم، والأوَّل هو المناسب لأخويه، اللَّهم إلَّا أن يقال المعنى أو انْسُك بنسك.
وقال الكرمانيُّ أو هو من باب عَلَفْتُه تِبْنًا وماءً باردًا.
(بِمَا) بالموحدة قبل ما، وفي رواية (تَيَسَّرَ) من أنواع الهدي، وفي حديثي البابين من الفوائد جواز الحلق للمُحْرم للحاجة مع الكفَّارة المذكورة في الآية الكريمة وفي الحديث، وهذا مُجْمَعٌ عليه. وليس فيه تعرُّضٌ لغير حَلْقِ الرَّأس من سائر شعور الجسد.
وقد أوجب العلماء الفدية بحلق سائر شعور البدن أيضًا؛ لأنَّها في معنى حلق الرأس إلَّا داود الظَّاهري، فإنَّه قال لا تجب الفدية إلَّا بحلق الرَّأس فقط.
وحكى الرَّافعي عن المَحَاملي أنَّ في روايةٍ عن مالك لا تتعلَّق الفدية بشعر البدن. ولو حلق المحرمُ شَعْرَ حلالٍ لا فديةَ على واحدٍ منهما عند مالك والشَّافعي وأحمد، وحُكي عن أبي حنيفة أنَّه قال ليس على المحرم أن يحلِقَ شَعْرَ الحَلال، فإن فعل فعليه صدقة، وإذا حلق المحرم رأسه أو لَبِسَ أو تطيَّب عامدًا من غير ضرورة، فقد حكى ابن عبد البر في «الاستذكار» عن أبي حنيفة، والشَّافعي وأصحابهما وأبي ثور أن عليه دمًا لا غير، وأنَّه لا يخيَّر إلَّا في الضَّرورة.
وقال مالك بئس ما فَعَل، وعليه الفدية، قال وهو مُخيَّر فيها.
وقال الشَّيخ زين الدِّين وما حكاه عن الشَّافعي وأصحابه ليس بجيِّد، بل المعروف عنهم وجوب الفدية كما جزم به الرَّافعي، وهذا كما أوجبوا الكفَّارة في اليمين الغموس، بل أولى بالوجوب.
ج 8 ص 484
ثمَّ إنَّه إذا حلق من غير ضرورة لا فرق بين كونه عامدًا أو ناسيًا أو عالمًا أو جاهلًا، وذهب إسحاق وداود إلى أنَّه لا شيء على النَّاسي.
ثمَّ إنَّ المستفاد من الآية والأحاديث المذكورة في هذا الباب هو التَّخيير بين الأشياء الثَّلاثة لا فضل لبعضها على بعض، وعليه مضى العلماء في كلِّ الأمصار.
ويؤيِّده ما رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن أبي سعيد الأشج حدَّثنا حفص المحاربي، عن ليثٍ، عن مجاهد، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله عزَّ وجلَّ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة 196] . قال إذا كان (أَو) ، (أَو) بأيَّة أَخَذْتَ أجزأك.
قال وروي عن مجاهد وعكرمة وعطاء وطاوس وحُميد الأعرج والنَّخعي والضَّحاك نحو ذاك، وذهب أبو حنيفة والشَّافعي وأبو ثور إلى أنَّ التَّخيير لا يكون إلَّا في الضَّرورة، فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه دم.
وفي «صحيح مسلم» رواية عبد الكريم صريحة في التَّخيير حيث قال (( أي ذلك فعلت أجزأ ) )، وكذا رواية أبي داود (( إن شِئْتَ وإن شِئت ) ).
لكن رواية عبد الله بن معقل التي تأتي بعد باب [خ¦1816] تقتضي أنَّ التَّخيير إنَّما هو بين الإطعام والصِّيام لمن لم يجد النُّسك ولفظه (( قال أتجد شاة؟ قال لا، قال فصم أو أطعم ) ).
ولأبي داود في روايةٍ أخرى (( أمعك دم؟ قال لا، قال فإن شئت فصم ) )، ونحوه للطَّبري من طريق عطاء، عن كعب، ووافقهم أبو الزُّبير، عن مجاهد عند الطَّبراني. وزاد بعد قوله ما أجد هديًا (( قال فأطعم قال ما أجد؟ قال صم ) ).
ولهذا قال أبو عوانة في «صحيحه» فيه دليلٌ على أنَّ من وجد نسكًا لا يصوم يعني ولا يطعم، لكن لا أعرف من قال بذلك من العلماء إلَّا ما رواه الطَّبري وغيره عن سعيد بن جبير قال النُّسك شاة، فإن لم تجد قوَّمت الشَّاة دراهم، والدَّراهم طعامًا فتصدَّق به أو صام لكلِّ نصف صاعٍ يومًا، أخرجه من طريق الأعمش عنه قال فذكرته لإبراهيم فقال سمعتُ علقمة مثله؛ فحينئذٍ يحتاج إلى الجمع بين الرِّوايتين. وقد جُمِعَ بينهما بأوجه
منها ما قاله ابن عبد البر إنَّ فيه الإشارة إلى ترجيح التَّرتيب لا لإيجابه.
ومنها ما قاله النَّووي ليس المراد أنَّ الصِّيام أو الإطعام لا يجزئ إلَّا لفاقد الهدي، بل المراد به أنَّه استخبره، هل معه هديٌ أو لا؟ فإن كان وَاجدَه أَعْلَمه أنَّه مخيَّر
ج 8 ص 485
بينه وبين الصِّيام والإطعام، وإن لم يجدْه أعلمه أنَّه مخيَّر بينهما.
ومحصِّله أنَّه لا يلزم من سؤاله عن وجدان الذَّبح تعينه لاحتمال أنَّه لو أعلمه أنَّه يَجِده لأخبره بالتَّخيير بينه وبين الإطعام والصَّوم. ومنها ما قيل يحتمل أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا أذن له في حلق رأسه بسبب أذى أفتاه بأن يُكَفِّر بالذَّبح على سبيل الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم أو بوحيٍّ غير متلوٍّ، فلمَّا أعلمه أنَّه لا يجد، نزلت الآية بالتَّخيير بين الذَّبح والإطعام والصِّيام، فخيَّره حينئذٍ بين الصِّيام والإطعام لعلمه بأنَّه لا ذبح معه، فصام لكونه لم يكن معه ما يطعمه.
ويوضَّح ذلك رواية مسلم في حديث عبد الله بن معقل حيث قال أتجد شاة؟ قال لا، فنزلت هذه الآية {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة 196] فقال (( صم ثلاثة أيَّام أو أَطْعِم ) ).
وفي رواية عطاء الخراساني (( قال صم ثلاثة أيَّام أو أطعم ستَّة مساكين ) )، قال وكان قد علم أنَّه ليس عندي ما أنسك به. ونحوه في رواية محمَّد بن كعب القرظي، عن كعب.
وسياق الآية يُشْعِرُ بتقديم الصِّيام على غيره، وليس ذلك لكونه أفضل في هذا المقام من غيره، بل السرُّ فيه أنَّ الصَّحابة الَّذين خوطبوا شفاها بذلك كان أكثرهم يقدر على الصِّيام أكثر ممَّا يقدر على الذَّبح والإطعام، وعرف من رواية أبي الزُّبير أنَّ كعبًا رضي الله عنه افتدى بالصِّيام.
ووقع في رواية ابن إسحاق ما يُشْعِرُ بأنَّه افتدى بالذَّبح؛ لأنَّ لفظه (( صم أو أطعم أو أنسك شاة قال فحلقت رأسي ونسكت ) ).
وروى الطَّبراني، من طريق ضعيفة، عن عطاء بن كعب في آخر هذا الحديث فقلت يا رسول الله! خر لي قال صلى الله عليه وسلم (( أطعم ستَّة مساكين ) ).
ثمَّ إنَّ من فوائد حديثي البابين أنَّ الصَّوم ثلاثة أيَّام.
وقال ابن جرير حدَّثنا ابن أبي عمران حدَّثنا عبد الله بن معاذ، عن أبيه، عن أشعث، عن الحسن في قوله ففديةٌ من صيامٍ أو صدقة
ج 8 ص 486
أو نسك قال إذا كان بالمُحْرِم أذى من رأسه حلق وافتدى بأيِّ هذه الثَّلاثة شاء، والصِّيام عشرة أيَّام، والصَّدقة على عشرةِ مساكين لكلِّ مسكين مكوكين، مكوكًا من تمر، ومكُّوكًا من برٍّ والنُّسك شاة.
وقال قتادة عن الحسن وعكرمة في قوله تعالى {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة 196] قال إطعام عشرةِ مساكين.
وقال ابن كثير في «تفسيره» وهذان القولان من سعيد بن جبير وعلقمة والحسن وعكرمة قولان غريبان فيهما نظر؛ لأنَّه قد ثبتَتْ السُّنَّة في حديث كعب بن عجرة الصيام ثلاثة أيَّام لا عشرة.
وقال أبو عمر في «الاستذكار» روي عن الحسن وعكرمة ونافع صوم عشرة أيَّام، ولم يتابعْهم أحدٌ من العلماء على ذلك.
وقد احْتَجَّ بعموم حديثي البابين مالكٌ على أنَّ الفدية يفعلُها حيث شاء سواء في ذلك الصِّيام والإطعام والكفَّارة؛ لأنَّه لم يُعيِّن له موضعًا للذَّبح أو الإطعام، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وقد اتَّفق العلماء في الصَّوم أنَّ له أن يفعلَه حيث شاء لا يختصُّ ذلك بمكَّة ولا بالحرم، وأمَّا النُّسك والإطعام فجوَّزهما مالك أيضًا حيث شاء كالصَّوم، وخصَّ الشَّافعي ذلك بمكَّة أو بالحرم.
واختلف فيه قول أبي حنيفة فقال مرَّة يختصُّ بذلك الدَّم دون الإطعام، وقال مرَّة يختصَّان جميعًا بذلك. وقال هُشَيم أخبرنا ليثٌ، عن طاوس أنَّه كان يقول ما كان من دم أو إطعام فبمكَّة، وما كان من صيام فحيث شاء، وكذا قال عطاء ومجاهد والحسن.
وقال الشَّيخ زين الدِّين يستثنى من عموم التَّخيير في كفَّارة الأذى حكم العبد إذا احتاج إلى الحَلق، فإن فرضه الصَّوم سواءٌ أحرم بغير إذن سيِّده أو بإذنه، فإنَّ الكفَّارة لا تجب على السيِّد، كما جزم به الرَّافعي، ولو ملكه السيِّد لم يملكه على القول الجديد من الشَّافعي، ويمْلِكُه على القول القديم منه، والله أعلم.