فهرس الكتاب

الصفحة 2844 من 11127

1816 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطَّيالسي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابنُ الحجَّاج (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبِهَانِيِّ) بفتح الهمزة وكسرها وبالباء الموحدة والفاء أربعة أوجه، هو عبد الرَّحمن بن عبد الله الأصبهاني الكوفي، وأصله من أصبهان، وقد مرَّ في الجنائز [خ¦1249] .

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلٍ) بفتح الميم وكسر القاف، بينهما مهملة ساكنة، ابن مقَرِّن، بفتح القاف وكسر الراء المشددة، التَّابعي الكوفي، ليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث وحديثٌ آخر عن عديِّ بن حاتم، وقد مرَّ في باب اتَّقوا النار ولو بشقِّ تمرة [خ¦1417] ، مات سنة ثمان وثمانين من الهجرة بتنيس كعبد الله بن مُغَفَّل، بالغين المعجمة وبالفاء، على وزن محمَّد، ويجتمعان في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما مزني، لكن يفترقان بأنَّ الرَّاوي عن كعبٍ تابعيٌّ والآخر صحابيٌّ.

وفي التَّابعين من اتَّفق مع الرَّاوي عن كعبٍ في اسمه واسم أبيه ثلاثة، أحدهم يروي عن عائشة رضي الله عنها وهو محاربي، والآخر يروي عن أنس رضي الله عنه في المسح على العمامة، وحديثه عند أبي داود، والثَّالث أصغر منهما، أخرج له ابن ماجه.

(قَالَ جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أي انتهى جلوسي إليه، وفي رواية مسلم من طريق غُنْدر، عن شعبة زيادة في قوله (( وهو في المسجد ) )، وفي رواية أحمد، عن بَهْز (( قعدتُ إلى كَعْب بن عجرة في هذا المسجد ) ). وزاد في رواية سليمان بن قرم، عن ابن الأصبهاني (( يعني مسجد الكوفة ) ). وفيه الجلوس في المسجد ومذاكرة العلم فيه، والاعتناء بسبب النُّزول؛ لما يترتَّب عليه من معرفة الحكم وتفسير القرآن.

(فَسَأَلْتُهُ عَنِ الْفِدْيَةِ) المذكورة في قوله تعالى {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ} الآية [البقرة 196] (فَقَالَ) كعب رضي الله عنه (نَزَلَتْ) هذه الآية المرخِّصة لحلق الرأس (فِيَّ) بكسر الفاء وتشديد الياء (خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً) يريد أنَّ العبرة بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب، فإنَّ العام إذا وردَ على سببٍ خاصٍّ فهو على عمومه لا يُخَصُّ بالسَّببِ، ويدلُّ أيضًا على تأكُّده في السَّبب حيث لا يسوغ إخراجه بالتَّخصيص، ولهذا قال (( نزلت فيَّ خاصَّة ) ).

(حُمِلْتُ) بضم الحاء المهملة وكسر الميم المخففة على البناء للمفعول (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي) جملة حالية (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا كُنْتُ أُرَى) بضم الهمزة؛ أي أظنُّ (الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ) وفي رواية المُسْتملي والحمُّويي (مَا أَرَى) بفتح الهمزة؛ أي أبصر بعيني (أَوْ) شكٌّ من الرَّاوي (مَا كُنْتُ أُرَى) بضم الهمزة؛ أي أظنُّ كما سبق

ج 8 ص 488

(الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى) بفتح الهمزة كسابقه، والجَهد، بفتح الجيم، المشقَّة.

وقال النَّووي ضم الجيم لغة في المشقَّة أيضًا، وكذا حكاه القاضي عياض عن ابن دريد.

وقال صاحب «العين» بالضم الطاقة وبالفتح المشقَّة، وحينئذٍ يتعيَّن الفتح هنا؛ بخلاف قوله في حديث بدء الوحي [خ¦3] (( حتَّى بلغ منِّي الجهد ) )، فإنَّه محتملٌ للمعنيين، ثمَّ قال صلى الله عليه وسلم لكعب رضي الله عنه

(تَجِدُ) أي هل تجد (شَاةً) قال كعب (فَقُلْتُ لاَ) أجد، زاد مسلم وأحمد فنزلت هذه الآية {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة 196] (فَقَالَ) بالفاء؛ أي فعند ذلك قال، وفي رواية بدون الفاء (فَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) بيان لقوله تعالى {مِنْ صِيَامٍ} (أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ) وهو بيان لقوله {أَوْ صَدَقَةٍ} (لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ) بنصب نصف، زاد مسلم (( نصف صاع ) )كرَّرها مرَّتين، والمراد نصف صاعٍ من قمحٍ، يدلُّ عليه رواية أحمد، عن بَهْز، عن شعبة (( نصف صاع طعام ) ).

وأصرح منه ما رواه بشر بن عمر، عن شعبة (( نصف صاع حنطة ) )، فهذا يدلُّ على صحَّة الفرق بين القمح وغيره، والصَّاع أربعة أمداد والمد رطل وثلث فهو موافق لرواية الفَرَق الَّذي هو ستَّة عشر رطلًا.

هذا، وللطَّبراني عن أحمد بن محمَّد الخزاعي، عن أبي الوليد شيخ البخاري فيه (( لكلِّ مسكين نصف صاع تمر ) ). ولأحمد، عن بَهز، عن شعبة (( نصف صاع طعام ) )، ولبشر بن عمر، عن شعبة (( نصف صاع حنطة ) )كما تقدَّم. ورواية الحكم عن ابن أبي ليلى تقتضي أنَّه نصف صاع من زبيب فإنَّه قال يطعم فرقًا من زبيب بين ستَّة مساكين.

قال ابن حزم لا بدَّ من ترجيح إحدى هذه الرِّوايات؛ لأنَّها قصَّة واحدة، في مقامٍ واحدٍ، في حقِّ رجلٍ واحد.

وقال الحافظ العسقلانيُّ المحفوظ عن شعبة أنَّه قال في الحديث نصفُ صاعٍ من طعام، والاختلافُ عليه في كونه تمرًا أو حنطة، لعلَّه من تصرُّف الرُّواة، وأمَّا الزَّبيب فلم أره إلَّا في رواية الحكم. وقد أخرجها أبو داود، وفي إسنادها ابن إسحاق، وهو حُجَّة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف.

وأمَّا رواية التَّمر فقد وقع الجزم بها عند مسلم من طريق أبي قلابة، ولم يختلف فيه على أبي قلابة، وعُرِفَ بذلك قوَّةُ قولِ من قال لا فرق في ذلك بين التَّمر والحنطة، وأنَّ الواجب ثلاثة آصع، لكلِّ مسكينٍ نصف صاع.

وأمَّا ما وقع في بعض

ج 8 ص 489

نسخ مسلم من رواية زكريا عن ابن الأصبهاني أو يطعم ستَّة مساكين لكلِّ مسكينٍ صاع، فهو تحريف ممَّن دون مُسْلم. والصَّواب ما وقع في النُّسخ المصحَّحة (( لكلِّ مسكينين ) )بالتثنية، وكذا أخرجه مسدَّد في «مسنده» عن أبي عوانة عن ابن الأصبهاني على الصَّواب.

واستشكل قوله تجد شاة فقلت لا فقال (( فصم ثلاثة أيَّام ) )بأنَّ الفاء للترتيب، ولفظ القرآن ورد على التَّخيير كما مرَّ، وأُجيب بأنَّ التَّخيير إنَّما هو عند وجود الشَّاة، وأمَّا عند عدمها فبين أحد الأمرين لا بين الثَّلاثة.

وقال النَّووي ليس المراد أنَّ الصَّوم لا يجزئ إلَّا لعادم الهدي، بل هو محمولٌ على أنَّه سأل عن النُّسك، فإن وَجَدَه أخبره بأنَّه مخيَّر بين الثَّلاث، وإن عَدمه فهو مخيَّر بين اثنين، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت