فهرس الكتاب

الصفحة 2846 من 11127

1817 - 1818 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) هو ابن إبراهيم، المعروف بابن راهويه، كما جزم به أبو نعيم. وقال الكرماني هو ابن منصور الكَوْسج، والأوَّل أصح، قال (حَدَّثَنَا رَوْحٌ) هو ابنُ عبادة، قال (حَدَّثَنَا شِبْلٌ) بكسر الشين المعجمة وسكون الموحدة، هو ابن عبَّاد المكِّي.

(عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) هو عبد الله بن أبي نجيح المكِّي (عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ) أي كعبَ بن عجرة رضي الله عنه (وَأَنَّهُ) الواو للحال، والضمير يرجع إلى القَمْل، والسِّياق يدلُّ عليه، وثبت كذلك في بعض الرِّوايات.

وفي رواية ابن خزيمة عن محمَّد بن معمر، عن روح بلفظ (( رآه وقَمْلُه يسقط على وجهه ) )، وللإسماعيليِّ من طريق أبي حذيفة عن شِبْل (( رأى قَمْلَه يتساقط على وَجْهه ) ).

وقال الكِرماني والضَّمير إمَّا راجعٌ إلى القَمْلِ بدلالة السِّياق عليه، وإمَّا إلى كَعب، كأنَّ نفسَه

ج 8 ص 491

تسْقط مبالغةً في كثرة القمل أو كثرة الأذى.

(يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية ابن السَّكَن وأبي ذرٍّ بزيادة لام التَّأكيد (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ. قَالَ نَعَمْ، فَأَمَرَهُ) صلى الله عليه وسلم (أَنْ يَحْلِقَ) رأسه (وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ) أي لم يظهر لمن كانوا في الحديبية مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت بعد (أَنَّهُم يَحِلُّونَ) من إحرامهم.

(بِهَا) أي بالحديبية (وَهُمْ) أي الرَّسول صلى الله عليه وسلم ومن معه، وفي رواية أي الرَّسول صلى الله عليه وسلم (عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ) قال الحافظ العسقلانيُّ هذه الزِّيادة التي ذكرها الرَّاوي لبيان أنَّ الحَلْق كان استباحة محظور بسبب الأذى لا لقصد التَّحلل بالحَصْر.

وقال ابن المنذر يؤخذ منه أنَّ مَن كان على رجاءٍ من الوصول إلى البيت أنَّ عليه أن يقيم حتَّى ييأس من الوصول إليه فيحلُّ، واتَّفقوا على أن من يئس من الوصول وجاز له أن يحلَّ فتمادى على إحرامه، ثمَّ أمكنه أن يصل أنَّ عليه أن يمضي إلى البيت ليتمَّ نُسُكَه.

وقال المهلَّب وغيره ما معناه يستفاد من قوله ولم يتبيَّن لهم أنَّهم يحلون أنَّ المرأة التي تَعْرِفُ أوان حيضها، والمريض الَّذي يعرف أوان حُمَّاه بالعادة فيهما إذا أفطرا في رمضان مثلًا في أوَّل النَّهار، ثمَّ ينكشف الأمر بالحيض والحمَّى في ذلك النَّهار أنَّ عليهما قضاء ذلك اليوم والكفَّارة؛ لأنَّ الَّذي كان في علم الله تعالى أنَّهم يحلون بالحديبية لم يسقط عن كعب الكفَّارة الَّتي وجبت عليه بالحلق قبل أن ينكشف الأمر، وذلك لأنَّه يجوز أن يتخلَّف ما عرفناه بالعادة فيجب القضاء والكفَّارة عليهما كذلك، وهذا على مذهب مالك، وأمَّا على مذهبنا فليس عليهما إلَّا القضاء.

(فَأَنْزَلَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (الْفِدْيَةَ) المتعلِّقة بالحَلْق للأذى. قال القاضي عياض ظاهره أنَّ النزول بعد الحُكْم، وفي رواية عبد الله بن مَعْقِل أنَّ النزول قبل الحكم قال فيحمل على أنَّه حَكَمَ عليه بالكفَّارة بوحيٍّ غير متلوٍّ، ثمَّ نزل القرآن ببيان ذلك، والله أعلم.

(فَأَمَرَهُ) أي كعبًا رضي الله عنه (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطْعِمَ) من الإطعام (فَرَقًا) وقد مرَّ ضبطه وتفسيره عن قريب [خ¦1815] (بَيْنَ سِتَّةٍ) من المساكين

ج 8 ص 492

(أَوْ يُهْدِيَ شَاةً) بضم أوله، من الإهداء وهو منصوب عطفًا على أن يطعم (أَوْ يَصُومَ) بالنصب أيضًا عطفًا على سابقه (ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) .

- (وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ) الفريابيِّ، وهو عطف على قوله حدَّثنا رَوح، فيكون إسحاق رواه عن رَوح بإسناده، ورواه أيضًا عن محمَّد بن يوسف الفريابي، وكذا هو في تفسير إسحاق، قال (حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ) هو ابنُ عمر بن كُلَيْب أبو بشر اليشكري، ويقال الشَّيباني، أصله من خوارزم، ويقال من الكوفة نزل المدينة، وقد مرَّ في الوضوء [خ¦143] ، وأصله تأنيث الأورق (عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ) عبد الله.

(عَنْ مُجَاهِدٍ) قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية من التَّحديث بالإفراد (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ مِثْلَهُ) بالنصب؛ أي مثل الحديث المذكور، والواو في قوله وقمله للحال.

وفي حديث كعب هذا من الفوائد غير ما تقدَّم أن قوله حلق يحتمل النَّدب والإباحة.

قال ابن التِّين وهذا يدلُّ على أنَّ إزالة القَمْل من الرَّأس ممنوعٌ، ويجب به الفِدْية، وكذلك الجسد عند مالك ثمَّ قال والشَّافعي قال أَخْذُ القَمْلَة من الجسد مباحٌ، وفي أخذها من الرَّأس الفِدْية لأجل ترفُّهه لا لأجل القملة.

وقال صاحب «التَّوضيح» وهذا غريبٌ؛ فإنَّ الشَّافعي قال من قتل قملةً تصدَّق بلقمة، وهو على وجه الاستحباب. وأمَّا عند الحنفيَّة فيجب بقتله قملة واحدة على بدنه أو ثوبه لا على الأرض صدقة وإنْ قَلَّتْ، ككسرة خُبْزٍ أو تمرةٍ، والقتل أعمُّ من الحقيقيِّ والحكميِّ فيشمل الإلقاء في الشَّمس، والأمر بالقتل والإشارة كقتلها، ولو غسل ثيابه فمات القمل لم يجب عليه شيء، ولو قتل قملتين أو ثلاثة يجب قبضة طعام ولو أكثر فنصف صاع، كما في «المحيط» .

ومن فوائد الحديث أنَّ النسك شاة، فلو تبرَّع بأكثر من هذا جاز، فإنَّ من زاد زاده الله تعالى، ومنها أنَّ الصِّيام ثلاثة أيَّام ولا يجوز في أيَّام التَّشريق، وبه قال عطاء في رواية وسعيد بن جبير وطاوس وإبراهيم النَّخعي والثَّوري واللَّيث بن سعد وأبو حنيفة وصاحباه

ج 8 ص 493

وأحمد في رواية، وهو قول عمر بن الخطَّاب وعبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهم.

وقال أبو بكر الجصَّاص في «أحكام القرآن» اختلف السَّلف فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيَّام الثَّلاثة قبل يوم النَّحر. فقال عمر وابن عبَّاس رضي الله عنهم وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس لا يجزئه إلَّا الهدي، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمَّد.

وقال ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم (( يصوم أيَّام منى ) )، وهو قول مالك. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه (( يصوم بعد أيَّام التَّشريق ) )، وبه قال الشَّافعي، ومنها أنَّ السنَّة مبيِّنة لمُجْمَل الكتاب؛ لإطلاق الفِدْية في القرآن وتقييدها في السنَّة، ومنها تلطُّف الكبير بأصحابه وعنايته بأحوالهم وتفقُّده لهم، وإذا رأى ببعض أصحابه ضررًا سأل عنه وأرشده إلى المَخْرَجِ منه.

واستنبط منه بعض المالكيَّة إيجاب الفدية على من تعمَّد حَلْق رأسِه بغير عُذْرٍ، فإنَّ إيجابها على المعذور من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لكن لا يلزم من ذلك التَّسوية بين المعذور وغيره.

ومن ثمَّة قال الشَّافعي وجمهورُ العلماء على أنَّه لا يتخيَّر العامد بل يلزمه الدَّم، وخالف في ذلك أكثر المالكيَّة، واحتجَّ لهم القرطبيُّ بقوله في حديث كعب (( أو أذبح نسكًا ) )قال فهذا يدلُّ على أنَّه ليس بهدي قال فعلى هذا يجوز أن يذبحها حيث شاء.

وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه لا دلالة فيه؛ إذ لا يلزم من تسميتها نسكًا أو نسيكة أن لا يُسمَّى هَدْيًا أو لا يُعطي حُكْمَ الهدي، وقد وقع تسميتها هديًا في هذا الباب حيث قال (( أو يهدي شاة ) ). وفي رواية لمسلم (( واهد هديًا ) )، وفي رواية للطَّبراني (( هل لك هدي؟ قلت لا أجد ) )وهذا يدلُّ على أنَّ ذلك من تصرُّف الرُّواة، ويؤيِّده قوله في رواية مسلم (( أو أذبح شاة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت