159 -160 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأُوَيْسِيُّ) بضم الهمزة وفتح الواو، وقد مرَّ في باب الحرص على الحديث في كتاب العلم [خ¦99] (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) هو سبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وقد تقدم في باب تفاضل أهل الإيمان [خ¦23] (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمد بن مسلم الزهري (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يزيدَ) التابعي المتقدم ذكره في باب (( لا يستقبل القبلة بغائط ) ) [خ¦144] .
(أَخْبَرَهُ) أي ابن شهاب (أَنَّ) أي بأن (حُمْرَانَ) بضم المهملة وبالراء، هو ابن أَبان بفتح الهمزة والباء الموحدة المخففة (مَوْلَى عُثْمَانَ) بن عفان رضي الله عنه كان من سَبْي عَيْن النَمِر، سَبَاه خالد بن الوليد رضي الله عنه فوجده غلامًا كيِّسًا فوجهه إلى عثمان رضي الله عنه فأعتقه وكان كاتبه وحاجبه وولِّي نيسابور من الحَجَاج، ذكره البخاري في (( ضُعفَائِهِ ) )، واحتجَّ به في (( صحيحه ) )، وكذا مسلم والأربعة.
وقال ابن سعد كان كثير الحديث لم أرهم يحتجون بحديثه، مات سنة خمس وسبعين، أغرمه الحجَّاج مئة ألف؛ لأجل الولاية السابقة ثمَّ رد عليه ذلك بشفاعة عبد الملك.
(أَخْبَرَهُ) أي أن حُمران أخبر عطاء (أَنَّهُ رَأَى) أي أبصر (عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أبو عبد الله أمير المؤمنين وهو أصغر من النبي صلى الله عليه وسلم، وسُمي ذا النورين؛ لأنه تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم رقية فماتت عنده، ثمَّ أم كلثوم.
قال الحافظ الزين العراقي ولا يُعْلَم أحد أرخى سترًا على ابنتي نبي غيره،
ج 2 ص 89
روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مئة حديث وستة وأربعون حديثًا، أخرج البخاري منها أحد عشر، واستُخْلِف أول يوم من المحرم سنة أربع وعشرين، واستُشهِد يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، قتله الأسود التُّجِيْبي _ بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم وسكون الياء آخر الحروف وبالباء الموحدة _ المصري، ودُفِنَ ليلة السبت بالبقيع، وعمره اثنان وثمانون سنة، وصلى عليه حَكيم بن حِزام _ بكسر المهملة وبالزاي _، وكثُرت الأموال في خلافته حتى بِيْعَت جارية بوزنها وفرس بمئة ألف، وهو الذي سَبَّل بئر رُومَة، وجهز جيش العُسْرة، وهو ثالث العشرة المبشرة رضي الله عنهم، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض ابن شهاب وعطاء وحُمران، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصوم أيضًا [خ¦1934] ، وأخرجه مسلم، وأبو داود، والنسائي في الطهارة أيضًا.
(دَعَا بِإِنَاءٍ) أي قد دعا بظَرْفٍ فيه ماء للوضوء، وفي رواية شعيب الآتية قريبًا [خ¦164] «دعا بوَضوء» بفتح الواو، وكذا وقع في رواية مسلم وهو حالٌ بتقدير قد (فَأَفْرَغَ) أي صبَّ، يقال فرِغ الماء بالكسر إذا انصب وأفرغته أنا؛ أي صَبَبته وتفريغ الظروف إخلاؤها (عَلَى كَفَّيْهِ ثَلاَثًَا) وفي رواية (فَغَسَلَهُمَا) أي غسل كفيه قبل إدخالهما الإناء بقرينة قوله (ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ) فأخذ منه الماء فجعله في فِيهِ.
(فَمَضْمَضَ) المضمضة تحريك الماء في الفم، وقال النووي حقيقة المضمضة وكمالها أن يجعلَ الماء في فمه ثمَّ يديرَه فيه ثمَّ يَمُجَّه، وقال الزَّنْدَوِسْتِي من أصحابنا الحنفية الأولى أن يدخل إصبعيه في فمه وأنفه والمبالغة فيهما سنة، وقال الصدر الشهيد المبالغة في المضمضة الغرغرة، وقد مضى تحقيق الكلام فيها، وفي رواية بزيادة التاء (وَاسْتَنْثَرَ) وفي رواية ، قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثين الاستنثار إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق.
وقال ابن الأعرابي وابن قتيبة الاستنثار هو الاستنشاق، وقال النووي الصواب هو الأول، ويدل عليه الرواية الآتية فجمع بينهما،
ج 2 ص 90
وقيل بل الصواب ما قاله ابن الأعرابي، والرواية الآتية لا تدل على ما ادَّعاه النووي؛ لأن المراد من الاستنثار في هذه الرواية الامتخاط بعد الاستنشاق، وقال ابن سيده استنثر إذا استنشق الماء ثمَّ استخرج ذلك بنفس الأنف، والنثرة الخيشوم وما والاه، واستنشق الماء وتنشق صبَّه فيه.
وفي (( الغريبين ) )يستنشق الماء؛ أي يُبْلِغُ الماءَ خَيَاشيمه، ويقال نثر وانتثر واستنثر إذا حرك النثرة وهي طرف الأنف، هذا، وليس في طريق هذا الحديث تقييد المضمضة والاستنشاق بعددٍ غير طريق يونس، عن الزهري فيما ذكره ابن المنذر، وكذا فيما ذكره أبو داود من وجهين آخرين عن عثمان رضي الله عنه فإن في أحدهما «فتمضمض ثلاثًا واستنثر ثلاثًا» ، وفي الآخر «ثمَّ تمضمض واستنشق ثلاثًا» .
(ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) وهو ما يواجه الإنسان من قُصَاصِ الشعر إلى أسفل الذقن طولًا، ومن شحمة الأذن إلى شحمة الأذن عرضًا (ثَلاَثًا) عَطَفَ بكلمة (ثم) الدالة على الترتيب والمُهلة إشارة إلى تأخر غسل الوجه عن المضمضة والاستنشاق، وقيل حكمة ذلك اعتبار أوصاف الماء؛ لأن اللون يدرك بالبصر، والطعم يدرك بالفم، والريح يدرك بالأنف فقدم الأقوى منها وهو الطَّعم ثمَّ الريح ثمَّ اللون، وإن كان الأولان مسنونين والثالث مفروضًا احتياطًا في العبادة، وسيأتي حكمة الاستنثار في الباب الذي يليه.
(وَ) غسل (يَدَيْهِ) أي كل واحدة منهما، كما جاء هكذا مُبيَّنًا في رواية مَعْمَر، عن الزهري في كتاب الصوم [خ¦1934] ، وكذا في رواية مسلم من طريق يونس وفيهما تقديم اليمنى على اليسرى، والتعبير في كلٍّ منهما بكلمة ثم، وكذا في الرِجْلَين أيضًا (إِلَى) أي مع (الْمرْفقَيْنِ) بفتح الميم وكسر الفاء وبالعكس لُغَتان مشهورتان (ثلاثًا ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) وفي الروايتين المذكورتين بلا باء الجر، والفرق بينهما أن الأول لا يقتضي استيعاب المسح؛ بخلاف الثاني ولم يذكر عدد المسح كغيره، فاقتضى الاقتصار على مرة واحدة، وهو مذهب إمامنا الأعظم ومالك وأحمد رحمه الله؛ لأن المسح مبني على التخفيف فلا يُقَاس على الغسل المراد منه المبالغة في الإسباغ؛ بخلاف مذهب الشافعي فإنه ذهب إلى تثليث مسح الرأس كغسل سائر الأعضاء.
(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاَثَ
ج 2 ص 91
مِرَارٍ إِلَى) أي مع (الْكَعْبَيْنِ) وهما العظمان المرتفعان عند مفصل السَّاق والقَدَم (ثُمَّ قَالَ) أي عثمان رضي الله عنه (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) أي مثله كما في رواية المؤلِّف في الرِّقاق من طريق معاذ بن عبد الرحمن، عن حُمران، عن عثمان رضي الله عنه ولفظه «من توضأ مثل هذا الوضوء» [خ¦6433] ، وجاء في رواية مسلم أيضًا من طريق زَيد بن أسلَم، عن حُمران «من توضأ مثل وضوئي هذا» ، وجاء في رواية البخاري من طريق مَعْمَر «من توضأ وضوئي هذا» على ما يجيء في الصوم [خ¦1934] ، وكذا في رواية أبي داود «من توضأ وضوئي هذا» ، والتقدير مثل وضوئي وكل واحد من نحو ومثل من أدواة التشبيه، والتشبيه لا عموم له سواء قال نحو وضوئي هذا، أو مثل وضوئي فلا وجه لما قاله النووي إنما لم يَقُل مثل؛ لأن حقيقة مماثلته لا يقدر عليها غيره.
وأما قول الحافظ العسقلاني فالتعبير بنحو من تصرف الرواة؛ لأنها تطلق على المثلية مجازًا، فقال محمود العيني هو ليس بشيء؛ لأنه ثبت في اللغة مجيء نحو بمعنى مثل؛ يقال هذا نحو ذاك؛ أي مثله.
(ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ) حال كونه (لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ) قال القاضي عِيَاض يُريد بحديث النَّفس المُجْتَلَبُ والمُكْتَسب، وأما ما يقع في الخاطر غالبًا فليس هو المُراد، وفي لفظ يُحدِّث به نفسه إشارة إلى ذلك لإضافته إليه، وقيل هذا الذي يكون من غير قصد يرجى أن تُقبل معه الصلاة، ويكون دون صلاة من لم يُحدِّث نفسه بشيء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما ضَمِنَ الغفران لمُرَاعي ذلك، وقلَّ من تسلَمُ صلاته من حديث النفس، وإنما حصلت له هذه المرتبة بمجاهدة نفسه من خطرات الشيطان ونفيها عنه، ومحافظته عليها حتى لا يشتغل عنها طرفة عين، ويَسْلَم من الشيطان باجتهاده وتفريغه قلبه، ولا ريب أن المتجردين عن شواغل الدنيا الذين غلب ذكر الله على قلوبهم يحصل لهم ذلك، وقد روي عن سعد رضي الله عنه أنه قال «ما قُمْتُ في صلاة فحدَّثتُ نفسي فيها بغيرها» .
قال الزهري رحم الله سعدًا إن كان لمأمونًا على هذا، ما ظننت أن يكون هذا إلا في نبي، قيل ويحتمل أن يكون المراد به إخلاص العمل لله تعالى، ولا يكون لطلب الجاه وأن يراد ترك العُجْبِ، وأن لا يرى لنفسه منزلة رفيعة بأدائها، بل ينبغي أن يحقِّر نفسه كي لا تغتر فتتكبر، ويقال إن كان المراد به أن لا يخطر بباله شيء من أمور الدنيا فذلك صعب، وإن كان المراد به أنه بعد خطوره لا يستمر عليه فهو عمل المُخْلِصين،
ج 2 ص 92
قيل والتحقيق فيه أن حديث النفس قسمان ما يهجم عليها ويتعذر دفعه، وما يسترسل معها ويمكن قطعه، فيُحمَل الحديث عليه دون الأول لعُسْرِ اعتباره.
وقوله (يُحدِّث) من باب التفعيل وهو يقتضي التكسب من أحاديث النفس ودفع هذا ممكن، وأما ما يهجم من الخطرات والوساوس فإنه يتعذر دفعه فيُعفَى عنه، ونقل القاضي عياض عن بعضهم أن المراد مَن لم يحصل له حديث النفس أصلًا ورأسًا، وردَّه النَّووي فقال الصواب حصول هذه الفضيلة مع طريان الخواطر العارضة الغير المستقرة، نعم من اتفق أن يحصل له عدم حديث النفس أصلًا أعلى درجة بلا ريب.
ثمَّ إن تلك الخواطر [1] تَعُمُّ الخواطر الدنيوية والأُخروية، والحديث محمول على الخواطر الدنيوية فقط، وقد جاء في رواية للحكيم الترمذي في هذا الحديث في كتاب الصلاة «لا يحدث فيهما نفسه بشيء من الدنيا ثمَّ دعا الله إلا استجيب له» ، وأما إذا حدَّث نفسه بما يتعلق بأمور الآخرة كالفكر في معاني ما يتلوه من القرآن العزيز والمذكور من الدعوات والأذكار، أو في أمر محمود أو مندوب إليه لا يضر ذلك، وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال «لأُجَهِّز جيشي وأنا في الصلاة» .
(غُفِرَ لَهُ) بصيغة المبني للمفعول (مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) وفي رواية ، وظاهر الحديث وإن كان يَعُمُّ الصغائر والكبائر، لكن العلماء خصُّوه بالصغائر لِورُوده مقيدًا باستثناء الكبائر من غير هذه الرواية، ولأن الكبائر إنما تُكفَّر بالتوبة وكذلك مظالم العِبَاد.
فإن قيل حديث عثمان رضي الله عنه الآخر الذي فيه «خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره» مُرتَّب على الوضوء وَحْدَه، فلو لم يكن المراد بما تقدم من ذنبه في هذا الحديث العموم لكان الشيء مع غيره كالشيء لا مع غيره، فإن فيه الوضوء والصلاة، وفي الأول الوضوء وحده وذلك لا يجوز.
فالجواب أن قوله خرجت خطاياه لا يدل على خروج جميع ما تقدم له من الخطايا بل يجوز أن يكون بالنسبة إلى يومه، أو إلى وقت دون وقت، وأما قوله «ما تقدم من ذنبه» فهو عام وليس له بعضٌ مُتيَقن كالثلاثة في الجمع أعني الخطايا فيُحمل
ج 2 ص 93
على العموم في الصغائر، وقال الحافظ العسقلاني وهو في حق من له كبائر وصغائر، وأما من ليس له إلا صغائر كُفِّرت عنه، ومن ليس له إلا كبائر خُفِّفَ عنه منها بمقدار ما لصاحب الصغائر، ومن ليس له صغائر ولا كبائر يزاد في حسناته بنظير ذلك، وتعقبه محمود العيني بما لا يحصل له، فافهم.
وفي الحديث بيان كمية الوضوء وكيفيتها، وسيأتي [خ¦201] لذلك تفصيل في آخر الباب إن شاء الله تعالى، وفيه التعليم بالفعل لكونه أبلغ وأضبط للمتعلم، وفيه أيضًا جواز الاستعانة في إحضار الماء، وهو بالإجماع من غير كراهة، وفيه استحباب الركعتين بعد الوضوء ويفعل ذلك في كل وقت إلا في الأوقات المنهية، وقيل حتى وقت النهي وليس بذاك، وفيه أن الثواب الموعود مرتب على أمرين
الأول الوضوء على النحو المذكور.
والثاني الصلاة المذكورة. والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فعلى هذا يصح إدخال هذا الحديث في فضل الوضوء فقط، فحصول مطلق الثواب لا الثواب [2] المخصوص المترتب على المجموع.
وفيه الترتيب بين المسنون والمفروض وهما المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه، وبعضهم رأى الترتيب في المفروض دون المسنون، وهو مذهب مالك، واختلف أصحابنا في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال الوجوب والندب وهو المشهور، والاستحباب، ومذهب الشافعية وجوبه، وخالفهم المزني فقال لا يجب، وحكاه البغوي عن أكثر المشايخ، وفيه إثبات حديث النفس كما هو مذهب أهل الحق، وفيه الترغيب في الإخلاص وتحذيرُ من لَهَى في صلاته بالتفكر في أمور الدنيا من عَدَم القَبُول، ولا سيما إن كان في العزم على معصية فإنه يحضر المرء في حال صلاته ما هو مشغوف به أكثر من خارجها.
ووقع في رواية المصنف في (( الرِّقاق ) )في آخر الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تغتروا» [خ¦6433] ، أي تستكثروا من الأعمال السيئة بناء
ج 2 ص 94
على أن الصلاة تكفرها، فإن الصلاة التي تُكَفَّرُ بها الخطايا هي التي يقبلها الله وأنى للعبد بالاطلاع على ذلك، والله أعلم.
(وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن سعد السابق في أول الباب [خ¦159] وهو معطوف على قوله «حدثني إبراهيم بن سعد» ، قال الحافظ العسقلاني وزعم مُغُلْطاي وغيره أنه مُعَلَّق وليس كذلك، فقد أخرجه مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه بالإسنادين معًا، وإذا كانا جميعًا عند يعقوب فلا مانع أن يكونا عند الأُوَيسي أيضًا، ثمَّ وجدت الحديث الثاني عند أبي عَوانة في (( صحيحه ) )من حديث الأويسي المذكور، فصحَّ ما قلته بحمد الله.
وتعقَّبه محمود العيني بأنه لا يلزم من إخراج مسلم والإسماعيلي من طريق يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه إبراهيم بن سعد موصولًا أن يكون كذلك عند البخاري، وكذا لا يلزم من كونه عند أبي عوانة من حديث الأويسي موصولًا أن يكون كذلك عند البخاري؛ لاحتمال عدم السماع، وبمجرد الاحتمال لا يتعين نفي كونه معلقًا مع أن صورته صورة التعليق.
(قَالَ قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ) بفتح الكاف، وقد مر ذكره في آخر قصة هِرَقل [خ¦7] (قَالَ ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (وَلَكِنْ عُرْوَةُ) بن الزبير بن العوَّام، وقد تقدَّم ذكره في أول الوحي [خ¦2] (يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانَ) هذا استدراك من ابن شهاب، وأشار به إلى أن شيخيه وهما عطاء بن يزيد وعروة بن الزبير اختلفا في روايتهما لهذا الحديث عن حمران، عن عثمان رضي الله عنه، فحدث به عطاء على وجه، وعروة على وجه، وليس ذلك باختلاف وإنما هما حديثان متغايران، وقد رواهما معًا عن حمران معاذ بن عبد الرحمن، فأخرج البخاري من طريقه نحو سياق عطاء، ومسلم من طريقه نحو سياق عروة، وأخرجه أيضًا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، فأما صفة تحديث عطاء فقد تقدمت، وأما صفة تحديث عروة عنه فأشار إليها بقوله
(فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ) وفي نسخة وهو عطف على محذوف تقديره عن حمران أنه رأى عثمان رضي الله عنه دعا بإناء فأفرغ على كفَّيه إلى أن قال ثمَّ غسل رجليه إلى الكعبين، فلما توضأ (قَالَ أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ) وفي رواية أي والله لأحدثنكم (حَدِيثًا) مفعول ثان للتحديث (لَوْلاَ) لربط امتناع الثانية بوجود الأولى.
ج 2 ص 95
(آيَةٌ) مبتدأ خبره محذوف، وحذفُه هنا واجب كما عُلِم في موضعه، والتقدير لولا آية ثابتة في القرآن، وفي رواية مسلم «لولا آية في كتاب الله» ، ولأجل هذه الزيادة صحَّف بعض الرواة آية فجعلها أنَّه بالنون المشددة وبضمير الشأن، وقال معناه لولا أن معنى ما أحدثكم به في كتاب الله.
(مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ) جواب لولا، واللام محذوفة منه، والمعنى لولا أن الله تعالى أوجب على من عَلِم علمًا إبلاغه لَمَا كنت حريصًا على تحديثكم به ولَمَا كنت متكثِّرًا بتحديثكم (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لاَ يَتَوَضَّأُ) وفي رواية بالنون المؤكدة.
(رَجُلٌ يُحْسِنُ) وفي رواية بالفاء بمعنى «ثمَّ» التي لبيان المرتبة والشرف دلالة على أن الإحسان في الوضوء والإجادة فيه من محافظة [على] السنن ومراعاة الأدب أفضلُ وأكمل من أداء ما وجب مطلقًا، ولا شك أن الوضوء المُحْسَن فيه أعلى رتبة من غير المُحْسَن فيه، لا بمعنى التعقيب إذ إحسان الوضوء ليس متأخرًا عنه حتى يعطف عليه بالتاء التعقيبية.
(وُضُوءَهُ) بأن يأتي به كاملًا تامًا بآدابه وسننه (وَيُصَلِّي الصَّلاَةَ) أي المكتوبة، وفي رواية مسلم «فيصلي هذه الصلوات الخمس» (إِلاَّ) أي لا يفعل ذلك في حال من الأحوال إلا (غُفِرَ لَهُ) بصيغة المجهول (مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ) أي التي تليها كما صرح به مسلم في رواية هشام بن عروة؛ أي من الصغائر كما تقدم.
(حَتَّى يُصَلِّيَهَا) أي حتى يفرغ منها فحتى غاية لحصل المقدر في الظرف إذ الغفران لا غاية له، وقال الحافظ العسقلاني معناه حتى يشرع في الصلاة الثانية، وتعقبه محمود العيني بما حاصله أنه حينئذٍ يلغو ذكر قوله «حتى يصليها» لأنه يغني عنه قوله «وبين الصلاة» ، فافهم.
(قَالَ عُرْوَةُ الآيَةُ) قوله تعالى ( {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا} [البقرة 159] ) وفي رواية < {مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ} >، وفي أخرى < {مَا أَنْزَلْنَا} الآية> أراد الآية التي في سورة البقرة إلى قوله تعالى {وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} كما في مسلم.
وقد روى مالك هذا الحديث في (( الموطأ ) )عن هشام بن عروة، ولم يقع في روايته تعيين الآية فقال من نفسه أراه يريد {أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود 114] ، وما ذكره عروة راوي الحديث بالجزم أولى على ما لا يخفى، ورجال إسناد هذا الحديث كلهم مدنيون، وفيه أربعة تابعيين وهم صالح، وابن شهاب، وعروة، وحُمران، وفيه رواية الأكابر عن الأصاغر، فإن صالحًا أكبر سِنًَّا من الزُهري، وفيه يروي إبراهيم عن ابن شهاب بالواسطة وهو صالح، وروى عنه في الأول بلا واسطة.
وفي الحديث أن الفرض على العالم تبليغ ما عنده من العلم؛ لأن الله تعالى قد توعَّد الذين يكتمون ما أنزل الله باللعنة،
ج 2 ص 96
والآية وإن [3] نَزَلَت في أهل الكتاب ولكن العِبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فدخل فيها كلُّ من عَلِمَ علمًا يَعْبدُ اللهَ به العبادُ، ولزمه من تبليغه ما لزم أهل الكتاب منه، وفيه أن الإخلاص لله تعالى في العبادة وترك الشغل بأسباب الدنيا يوجب الله عليه الغفران ويتقبله من عبده، ثمَّ المراد بهذا الحديث وأمثاله غفران الصغائر كما مر.
وقد جاء في (( صحيح مسلم ) ) «ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤتِ كبيرةً» ، وفي الحديث الآخر «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذ اجتنبت الكبائر» ، ثمَّ إن ظاهر هذا الحديث وأمثاله يقتضي أن المغفرة لا تحصل إلا بالوضوء المذكور وإحسانه والصلاة، وفي (( الصحيح ) )من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «إذا توضأ العبد المسلم خرجت خطاياه» الحديث.
وفيه أن الخطايا تخرج مع آخر الوضوء حتى يفرغ من الوضوء نقيًا من الذنوب، وليس فيه ذكر الصلاة، فيحتمل أن يُحمَل حديث أبي هريرة عليها، لكن يبعده أن في رواية لمسلم من حديث عثمان رضي الله عنه «وكانت صلاته ومَشْيُه إلى المسجد نافلة» ، ويحتمل أن يكون ذلك باختلاف الأشخاص فشخص يحصل له ذلك عند الوضوء، فربَّ متوضئ يحضره من الخشوع ما يستقل وضوءه بالتكفير وآخر عند تمام الصلاة.
فإن قيل إذا كفر الوضوء فماذا تكفر الصلاة؟ وإذا كفَّرت الصلاة فماذا تكفر الجمعات ورمضان وكذا صيام عرفة يكفر سنتين، ويوم عاشوراء يكفر سنة، وإذا وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه؟
فالجواب أن المراد أن كل واحد من هذه المذكورات صالح للتكفير، فإن وجد ما يكفره من الصغائر كفَّره، وإن لم يصادف صغيرة كتبت له حسنات ورفعت له درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة يرجى أن يخفف منها كما قال النووي، والله أعلم.
[1] الخواطر ليس في (خ) .
[2] (( لا الثواب ) )ليست في (خ) .
[3] في (خ) زيادة (( كانت ) ).