فهرس الكتاب

الصفحة 2853 من 11127

1821. (حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء والضاد المعجمة وباللام، أبو زيد الزَّهراني، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي، ينسب إلى دستوا من نواحي الأهواز، كان يبيع الثِّياب التي تجلب منها فنُسِبَ إليها، وأصله بَصري (عَنْ يَحْيَى) هو ابنُ أبي كثير الطَّائي اليمامي (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ) وفي رواية مسلم، عن يحيى أخبرني عبد الله بن أبي قتادة.

(قَالَ انْطَلَقَ أَبِي) أبو قتادة، الحارث بن ربعي الأنصاري (عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ) سنة ستٍّ من الهجرة، ساق عبدُ الله هذا الإسناد مرسلًا حيث قال انطلق أبي، وهكذا أخرجه مسلمٌ من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، وأخرجه أحمد، عن ابن عُليَّة، عن هِشام أيضًا.

ج 8 ص 510

وأخرجه أبو داود الطَّيالسي عن هشام، عن يحيى فقال عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه أنَّه انطلق مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مُسْنَدٌ.

وفي رواية عليِّ بن المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة أنَّ أباه حدَّثه قال انطلقنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم، على ما يأتي في الباب الَّذي يلي هذا، وكون هذه القصَّة عام الحديبية أصحُّ من رواية الواقدي من وجهٍ آخر عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال (( سلكنا في عمرة القضيَّة على الفُرْعِ، وقد أَحْرَم أصحابي غَيْري فرأيت حمارًا ) ). الحديث، وقال أبو عمر كان ذلك عام الحديبية أو بعده بعامٍ عام القضيَّة.

(فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ) أي أصحاب أبي قتادة (وَلَمْ يُحْرِمْ) أبو قتادة، وفي رواية مسلم (( أحرم أصحابي ولم أحرم ) ). قال الأثرم كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجَّبون من حديث أبي قتادة ويقولون كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات غير مُحْرِم، وما يدرون بأوجهه، حتَّى رأيته مفسَّرًا في رواية عياض بن عبد الله، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.

أقول وهو ما روى الطَّحاوي بإسناده إلى عياض بن عبد الله، عن أبي سَعيد الخدريِّ رضي الله عنه قال (( بعث النَّبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة الأنصاري رضي الله عنه على الصَّدقة، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُه وهم محرمون حتَّى نزلوا بعسفان، فإذا هم بحمار وحش قال وجاء أبو قتادة وهو حِلٌّ، فنكسوا رؤوسهم كراهة أن يحدُّوا أبصارهم فيفطن، فرآه فرَكِبَ فرسَه وأخذ الرُّمح فسقط منه فقال ناولونيه فقالوا ما نحن بمعينيك عليه بشيء فحَمَل عليه فعَقَره فجعلوا يشوون منه، ثمَّ قالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا قال وكان تقدمهم فلحقوه، فسألوه فلم يَرَ بذلك بأسًا ) ). وأخرجه البزَّار أيضًا.

وقوله على الصَّدقة؛ أي على أخذ الزَّكوات. وقال القشيريُّ في الجواب عن عدم إحرام أبي قتادة رضي الله عنه

ج 8 ص 511

يحتمل أنَّه لم يكن مريدًا للحجِّ، أو أنَّ ذلك قبل توقيت المواقيت.

وزعم المنذريُّ أنَّ أهل المدينة أرسلوه إلى سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعْلِمُونه أنَّ بعضَ العرب ينوي غزو المدينة.

قال الحافظ العسقلانيُّ وهو ضعيفٌ مخالفٌ لما ثبت في هذا الباب، وقال ابن التِّين يحتمل أنَّه لم ينو الدُّخول إلى مكَّة، وإنَّما صحب النَّبي صلى الله عليه وسلم ليكثر جمعه.

وقال أبو عمر يقال إنَّ أبا قتادة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَّهه على طريق البحر مخافة العدوِّ، فلذلك لم يكن مُحْرِمًا إذا اجتمع مع أصحابه؛ لأنَّ مخرجهم لم يكن واحدًا. انتهى.

وقال العينيُّ أحسن الأجوبة ما ذكر في حديث أبي سعيدٍ رضي الله عنه.

(وَحُدِّثَ) على البناء للمفعول (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَدُوًّا) له من المشركين (يَغْزُوهُ) أي يقصده، وبيَّن مكان التَّحديث في رواية سعيد بن منصور، عن أبي قتادة بلفظ (( خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى إذا بلغنا الرَّوحاء ) ). الحديث.

ومنها أرسل النَّبي صلى الله عليه وسلم أبا قتادة في طائفةٍ من الصَّحابة لكشف أمر العدوِّ، والرَّوحاء على أربعة وثلاثين ميلًا من ذي الحُليفة؛ ميقات إحرامهم، فهذا صريحٌ في أنَّ خبر العدوِّ أتاهم بعد مجاوزة الميقات.

ويؤيِّده قوله في حديث الباب اللَّاحق (( فأحرم أصحابه ولم أحرم، فأنبئنا بعدو بغَيْقَة فتوجَّهنا نحوهم ) ). أي بأمره صلى الله عليه وسلم فعبَّر بالفاء المقتضية لتأخير الإنباء عن الإحرام، وهذا يخالف بظاهره حديثَ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فإنَّ قوله بعث يقتضي أنَّه لم يكن خرج مع النَّبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، لكن يحتمل أنَّه صلى الله عليه وسلم بعثه من المدينة على الصَّدقة، ثمَّ إنَّه صلى الله عليه وسلم ومن معه لحقوا أبا قتادة في بعض الطَّريق قبل الرَّوحاء، فلمَّا بلغوها وأتاهم خبر العدو، وَوَجَّهه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في جماعةٍ لكشف الخبر.

وحاصل القصَّة أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا خرج في عُمْرة الحديبية فبلغ الرُّوحاء أخبروه أنَّ عدوًا من المشركين بوادي غَيْقَه يخشى منهم أن يقصدوا غزوه فجهَّز طائفةً من أصحابه فيهم أبو قتادة إلى جهتهم ليأمن شرَّهم، فلمَّا أمِنُوا ذلك لحق أبو قتادة وأصحابُه بالنَّبي صلى الله عليه وسلم، فأحرموا إلَّا هو فاستمرَّ حلالًا؛ لما ذكر من الوجوه.

(فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لمقصده الَّذي خرج له ولَحِقَه أبو قتادة وأصحابه صلى الله عليه وسلم، قال أبو قتادة (فَبَيْنَمَا) بالميم، وفي رواية الكُشْمِيهني بدون الميم (أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ) صلى الله عليه وسلم، وفي الفرع وأصله فيكون من قول ابن أبي قتادة حال كونهم.

(تَضَحَّكَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي منتهيًا أو ناظرًا إليه، وفي رواية عليِّ بن المبارك (( فبصر أصحابي بحمار وحشٍ فجعل بعضُهم يضحك إلى بعض ) )، وزاد في رواية أبي حازم (( وأحبُّوا لو أنِّي أبصرته ) ).

ووقع في رواية العذريِّ عند مسلم (( فجعل بعضهم يضحك إليَّ ) )بتشديد الياء في إليَّ، قال القاضي عياض هو خطأٌ وتصحيف، وإنَّما سقطت عنه لفظة (بعض) ، واحتجَّ لضعفها

ج 8 ص 512

بأنَّهم لو ضحكوا إليه لكان أكثر إشارة، وقد قال لهم النَّبي صلى الله عليه وسلم (( هل منكم أحد أمره أو أشار إليه؟ ) )قالوا لا، وإذا دلَّ المُحْرِمُ الحلالَ على الصَّيد لم يأكل منه اتِّفاقًا، وإنَّما اختلفوا في وجوب الجزاء. انتهى.

وتعقَّبه النَّووي بأنَّه لا يمكن ردُّ هذه الرِّواية لصحَّتها، وصحَّة الرِّواية الأخرى، وليس في واحدٍ منهما دلالة ولا إشارة، فإنَّ مجرَّد الضَّحك ليس فيه إشارةٌ منهم.

قال بعض العلماء وإنَّما ضحكوا تعجُّبًا من عروض الصَّيد، ولا قدرة لهم عليه. انتهى.

وقال الحافظ العسقلانيُّ قوله فإنَّ مجرَّد الضَّحك ليس فيه إشارةٌ صحيح، ولكن لا يكفي في ردِّ دعوى القاضي فإن قوله يضحك بعضهم إلى بعضٍ هو مجرَّد الضَّحك، وقوله يضحك بعضهم إليَّ فيه مزيد أمر على مجرَّد الضَّحك، والفرق بين الموضعين أنَّهم اشتركوا في رؤيته فاستووا في ضحك بعضهم إلى بعض، وأبو قتادة لم يكن يراه فيكون ضحك بعضهم إليه باعثًا له على التفطُّن إلى رؤيته.

ويؤيِّد ما قاله القاضي ما وقع له في رواية أبي النَّضر، عن مولى أبي قتادة، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الصَّيد [خ¦5492] (( إذ رأيت النَّاس متشوِّقين لشيء فذهبت أنظر، فإذا هو حمار وحشٍ فقلت لهم ما هذا؟ قالوا لا ندري فقلت هو حمار وحشٍ فقالوا هو ما رأيت ) ).

ووقع في حديث أبي سعيد عند البزَّار والطَّحاوي وابن حبَّان في هذه القصَّة، وقد مرَّ (( وجاء أبو قتادة وهو حلٌّ فنكسوا رؤوسهم كراهية أن يحدُّوا أبصارهم له فيفطن فيراه ) ). انتهى.

فكيف يظنُّ بهم مع ذلك أنَّهم ضحكوا إليه، فتبيَّن أنَّ الصَّواب ما قاله القاضي، وفي قول النَّوويِّ لصحَّتها نظرٌ؛ لأنَّ الاختلاف في إثبات هذه اللَّفظة وحذفها لم يقع في طريقين مختلفين.

وإنَّما وقع في إسناد سياق واحد ممَّا عند مسلم، فكان مع من أثبت لفظ بعض زيادةُ عِلْمٍ سالمةٌ من الإشكال، فهي مُقَدَّمَة.

هذا وقد بيَّن محمَّد بن جعفر في روايته عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الهبة [خ¦2570] أنَّ قصَّة صيده للحمار كانت

ج 8 ص 513

بعد أن اجتمعوا بالنَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ونزلوا في بعض المنازل، ولفظه (( كنت يومًا جالسًا مع رجال من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم في منزل في طريق مكَّة ورسول الله صلى الله عليه وسلم نازلٌ أمامنا، والقوم محرمون وأنا غير مُحْرمٍ ) ).

وبيَّن في هذه الرِّواية السَّبب الموجب لرؤيتهم إيَّاه دون أبي قتادة بقوله (( فأبصروا حمارًا وحشيًّا وأنا مشغولٌ أخصف نعلي، فلم يؤذنوني به وأحبُّوا لو أنِّي أبصرته فالتفتُّ فأبصرته ) ).

وقد وقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه المذكور أنَّ ذلك وقع وهم بعسفان، وفيه نظرٌ، والصَّحيح ما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد باب [خ¦1823] من طريق صالح بن كيسان، عن أبي محمَّد مولى أبي قتادة عنه قال (( كنَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم بالقَاحَة ومنَّا المُحْرِم وغير المُحْرِم، فرأيت أصحابي يتراءون شيئًا فنظرت، فإذا حمار وحشٍ ) ). الحديث.

والقَاحَة، بقاف وحاء مهملة خفيفة بعد الألف موضعٌ قريب من السُّقيا، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

(فَنَظَرْتُ) وفيه التفاتٌ، فإنَّ الأصل أن يقال فنظر (فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ) بالإضافة، وفي رواية محمَّد بن جعفر (( فقمت إلى الفرس فأسرجته، ثمَّ ركبت ونسيت السُّوط والرُّمح فقلت لهم ناولوني السَّوط والرمح فقالوا لا والله لا نعينك عليه بشيء فغضبتُ، فنزلت فأخذتهما ثمَّ ركبْتُ ) )، وفي رواية فضيل بن سليمان (( فركب فرسًا له يقال له الجرادة، فسألهم أن يناولوه سوطه، فأبوا فتناوله ) )، وفي رواية أبي النَّضر (( وكنت نسيت سوطي فقلت لهم ناولوني سوطي فقالوا لا نعينك عليه، فنزلت فأخذته ) )، ووقع عند النَّسائي من طريق شعبة، عن عثمان بن موهب، وعند ابن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي قتادة (( فاختلس من بعضهم سوطًا ) )، والرِّواية الأولى أقوى، ويمكن أن يُجْمَع بينهما بأنَّه رأى في سوط نفسه تقصيرًا، فأخذ سوط غيره واحتاج إلى اختلاسه؛ لأنَّه لو طلبه منه اختيارًا لامتنع.

(فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ) أي على الحِمَار الوحشيِّ (فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ) بالمثلثة ثم الموحدة؛ أي جعلته

ج 8 ص 514

ثابتًا في مكانه لا يفارقه ولا حِراك به، وفي رواية أبي حازم (( فشددت على الحمار فعقرتُه، ثمَّ جئت به وقد مات ) ).

وفي رواية أبي النَّضر (( حتَّى عقرته فأتيت إليهم فقلت لهم قوموا فاحتملوا فقالوا لا نمسُّه، فحملته حتَّى جئتهم به ) )وهذا معنى قوله (وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي) فإنَّ الرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا.

(فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ) وفي رواية فضيل، عن أبي حازم (( فأكلوا فندموا ) )، وفي رواية محمَّد بن جعفر، عن أبي حازم (( فوقعوا يأكلون منه، ثمَّ إنَّهم شكُّوا في أكلهم إيَّاه وهم حُرُم فَرُحْنا وخَبَّأتُ العَضُدَ معي ) )، وفي رواية مالك، عن أبي النَّضر (( فأكل منه بعضهم وأبى بعضهم ) )، وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه (( فجعلوا يشوون منه ) )، وفي رواية المطَّلب، عن أبي قتادة، عند سعيد بن منصور (( فظللنا نأكل منه ما شئنا طبيخًا وشواء ثمَّ تزوَّدنا منه ) ).

(وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ) على البناء للمفعول؛ أي نصير مقطوعين عن النَّبي صلى الله عليه وسلم منفصلين عنه لكونه سبقهم وتأخَّروا للرَّاحة بالقَاحَة، وهو الموضع الَّذي وقع به صيد الحمار، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1823] ، وكذا قوله بعد هذا وخشوا أن يقتطعوا دونك، وبيَّن ذلك رواية علي بن المبارك، عن يحيى، عند أبي عوانة بلفظ (( وخشينا أن يقتطعنَا العدو ) )، وفي روايةٍ للبخاريِّ (( وأنَّهم خشوا أن يَقْتطعهم العدو دونك ) ).

وقال ابن قُرْقول أي خشينا أن يحوذنا العدو عنك، ومن حَمْلتك. وقال القرطبيُّ أي خفنا أن يُحال بيننا وبينهم ونقتطع عنهم، وهذا يشعر بأنَّ سبب إسراع أبي قتادة لإدراك النَّبي صلى الله عليه وسلم خشيته على أصحابه أن ينالهم بعض أعدائهم.

وفي رواية أبي النَّضر الآتية إن شاء الله تعالى في الصَّيد [خ¦5492] (( فأبى بعضهم أن يأكل فقلت أنا أستوقف لكم النَّبي صلى الله عليه وسلم فأدركته فحدَّثته ) )الحديث، فمفهوم هذا أنَّ سبب إسراع أبي قتادة لإدراكه صلى الله عليه وسلم أنْ يَستفتيه عن قصَّة الحمار.

قال الحافظ العسقلانيُّ ويمكن الجمع بأن يكون ذلك بسبب الأمرين.

(فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرَفِّعُ) بضم الهمزة وفتح الراء وكسر الفاء المشددة، وفي بعض الأصول بفتح الهمزة وسكون الراء وفتح الفاء (فَرَسِي) أي أكلِّفه السَّير الشَّديد

ج 8 ص 515

(شَأوًا) بفتح المعجمة وسكون الهمزة وبالواو مقدار عَدْوه (وَأَسِيرُ بِسُهُولَةٍ شَأْوًا) والمعنى أركضه شديدًا تارةً وأسوقه بسهولة أخرى.

(فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ) بكسر الغين المعجمة وتخفيف الفاء، وفي آخره راء، منصرف وغير منصرف، قبيلة من قبائل العرب، قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسم ذلك الرَّجل (فِي جَوْفِ اللَّيْلِ قُلْتُ) له (أينَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ) بموحدة مكسورة حرف الجر، وتَعْهِن، بفتح المثناة الفوقية وسكون العين المهملة وكسر الهاء وبالنون غير منصرف، وفي رواية الكُشْمِيْهنيِّ بكسر المثناة الفوقية، وهي رواية الأكثر، ويُروى بفتح المثناة والهاء.

وحكى أبو ذرٍّ الهروي أنَّه سمعها من العرب بذلك المكان بفتح الهاء، ومنهم من يضم التاء ويفتح العين ويكسر الهاء، وضبطه أبو موسى المدينيُّ بضم أوله وثانيه وبتشديد الهاء، قال ومنهم من يكسر التاء، وأصحاب الحديث يسكنون العين، وفي فرع اليونينية وأصلها ضمة فوق الهاء بالحمرة تحت الفتحة. ووقع في رواية الإسماعيلي (( يدعهن ) )بالدال المهملة موضع التاء.

ويمكن أن يكون ذلك من تصرُّف اللَّفظين لقرب مخرج التاء من الدال، وهي عين ماء على ثلاثة أميال من السُّقيا.

(وَهُوَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (قَايِلٌ) بالتنوين (السُّقْيَا) الجملة حالية، والسُّقْيَا بضم السين المهملة وسكون القاف وتخفيف الياء المثناة التحتية وبالقصر، قريةٌ جامعة بين مكَّة والمدينة من أعمال الفُرْع، بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة.

وقال البكريُّ والفُرْع من أعمال المدينة الواسعة، وقايل بالمثناة التحتية من غير هَمْز، كما في الفرع وأصله وصحَّح عليه، وفي غيره بالهمز.

وقال النَّووي قائل روي بوجهين أصحهما وأشهرهما بهمزة بين الألف واللام من القيلولة؛ أي تركته في اللَّيل بتعهن، وفي عزمه أن يقيل بالسُّقيا، فمعنى قوله وهو قائلٌ سيقيل.

والوجه الثَّاني قابل بالموحدة، وهو غريبٌ وكأنَّه

ج 8 ص 516

تصحيفٌ، فإن صحَّ فمعناه أن تعهن موضع مقابل السُّقيا، فعلى الوجه الأوَّل الضمير في قوله وهو يرجع إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم، وعلى الثَّاني يرجع إلى تعهن.

وأغرب القرطبيُّ فقال في «المفهم شرح مسلم» قوله وهو قائل، اسم فاعل من القول، ومن القائلة أيضًا، والأوَّل هو المراد هنا، والسُّقيا مفعول بفعلٍ مضمر كأنَّه كان تبعهنَّ وهو يقول لأصحابه اقصدوا السُّقيا.

وقال في «المصابيح» يصحُّ كل من الوجهين؛ أي القول والقائلة كأنَّه أدركه في وقت قيلولته وهو عازمٌ على المسير إلى السُّقيا، إمَّا بقرينة حاليَّة أو مقاليَّة، ولا مانع من ذلك أصلًا. انتهى، فليُتَأمَّل فيه. فإنَّ لُقْيَّ أبي قتادة للغفاري كان في جوف اللَّيل، فالظَّاهر أن لُقْي الغفاري له صلى الله عليه وسلم إنما كان ليلًا لا نهارًا.

ووقع عند الإسماعيليِّ من طريق ابن عُليَّة، عن هشام (( وهو قائمٌ بالسُّقيا ) )، يعني من القيام، فأبدل باللام ميمًا، وزاد الباء في السُّقيا لكن قال الصَّحيح قائل باللام.

(فَقُلْتُ) في السِّياق حذف تقديره فسرت فأدركته صلى الله عليه وسلم فقلت، ويوضِّحه رواية علي بن المبارك في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى [خ¦1822] بلفظ فلحقت برسول الله صلى الله عليه وسلم حتَّى أتيته فقلت (يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَهْلَكَ) أي أصحابكَ، كما في رواية مسلم وأحمد من هذا الوجه بلفظ إنَّ أصحابك (يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ إِنَّهُمْ) بكسر الهمزة، وفي حديث الباب اللاحق [خ¦1822] (( وإنَّهم ) ) (قَدْ خَشُوا) بفتح الخاء المعجمة وضم الشين المعجمة؛ أي خافوا.

(أَنْ يُقْتَطَعُوا) على البناء للمفعول؛ أي يقتطعهم العدو (دُونَكَ فَانْتَظِرْهُمْ) بصيغة الأمر من الانتظار؛ أي انتظر أصحابك، وفي رواية مسلم من هذا الوجه بزيادة (( فانْتَظَرَهم ) )بصيغة الماضي؛ أي انتظرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية عليِّ بن المبارك (( فانْتَظِرْهم فَفَعَل ) ).

(قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَة) أي فضلة، وقال الخطَّابي أي قطعة قد فضلت منه

ج 8 ص 517

فهي فاضلة؛ أي باقية.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِلْقَوْمِ كُلُوا) أي من الفضلة (وَهُمْ مُحْرِمُونَ) وفيه المطابقة للتَّرجمة، فإنَّ الَّذي صاد الحمار كان حَلالًا، وأَهْدَى إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأباح النَّبي صلى الله عليه وسلم أكلَه لأصحابه الَّذين كانوا معه وهم محرمون، والأمرُ بالأكل للإباحة لا أمر إيجاب، قيل لأنَّها وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب فوقعت الصِّيغة على مقتضى السُّؤال.

وقال العَينيُّ الأوجه أن يقال إنَّ هذا الأمر إنَّما كان لمنفعةٍ لهم، فلو كان للوجوب لصار عليهم، فكان يعود إلى موضوعه بالنَّقض، ولم يذكر في هذه الرِّواية أنَّه صلى الله عليه وسلم أكلَ منها، لكن في الهبة [خ¦2570] (( فناولته العضد فأكلها حتَّى تعرَّقها ) )، وسيأتي بعد بابين تفصيلٌ لذلك إن شاء الله تعالى.

وحديث الباب أخرجه المؤلِّف في الحج [خ¦1822] ، والهبة [خ¦2570] ، والأطعمة [خ¦5407] ، والمغازي [خ¦4149] ، والجهاد [خ¦2914] ، والذَّبائح أيضًا [خ¦5490] ، وأخرجه مسلمٌ في الحجِّ، وكذا أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه أيضًا، وفي الحديث من الفوائد أنَّ لحم الصَّيد مباحٌ للمُحْرِم إذا لم يُعِنْ عليه.

وقال القشيريُّ اختلف النَّاس في أكل المُحْرِم لحمَ الصَّيد على مذاهب

أحدها أنَّه ممنوعٌ مطلقًا صِيْدَ لأجله، أو لا، وهذا مذكورٌ عن بعض السَّلف دليله حديث الصَّعب بن جثامة، وسيأتي إن شاء الله تعالى [خ¦1825] .

الثَّاني أنَّه ممنوعٌ إن صاده أو صِيْدَ لأجله، سواء كان بإذنه أو بغير إذنه، وهو مذهب مالكٍ والشَّافعي لحديث جابر رضي الله عنه (( لحم الصَّيد لكم في الإحرام حلالٌ ما لم تصيدوه أو يصاد لكم ) )رواه أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي.

وعبارة الشَّيخ خليل في «مختصره» وما صاده محرمٌ أو صيد له ميِّتة، قال شارحه أي فلا يأكله حلالٌ ولا حرام.

وقال المرداويُّ من الحنابلة في كتاب «الإنصاف» له ويحرم ما صيد لأجله على الصَّحيح من المذهب نقله الجماعة عن أحمد وعليه الأصحاب، وقال في «الانتصار» احتمالٌ بجوازِ أكلِ ما صِيدَ لأجله.

الثَّالث إن كان صاده أو صيد له بإذنه أو بدلالته حَرُمَ عليه، وإن كان على غير ذلك لم يَحْرُم، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال ابن العربي يأكل ما صِيْدَ وهو حلالٌ، ولا يأكل ما صِيْد بعد، وحديث أبي قتادة هذا يدلُّ على جواز أكله في الجملة.

وعزا صاحب الإمام من حديث أبي حنيفة عن هشام، عن أبيه، عن جدِّه الزُّبير قال (( كنَّا نحمل الصَّيد ونتزوَّده ونحن محرمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

ورواه الحافظ أبو عبد الله البلخي في «مسند أبي حنيفة» من هذا الوجه عن هشام من جهة إسماعيل بن يزيد، عن محمَّد بن الحسن، عن أبي حنيفة رحمه الله.

وروى أبو يعلى الموصلي في «مسنده» من حديث محمَّد بن المنكدر حدَّثنا شيخٌ لنا عن طلحة بن عبد الله أنَّ رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مُحِلِّ أصاب الصَّيد أيأكله المحرم؟ قال (( نعم ) )، وفي رواية مسلم (( أُهْدِيَ لطلحة طائرٌ وهو مُحْرِمٌ فقال أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).

ج 8 ص 518

وعند الدَّارقطني (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه حمار وحشٍ وأمره أن يفرِّقه في الرِّفاق ) )، قال ويروى عن طلحة والزُّبير وعمر وأبي هريرة رضي الله عنهم فيه رخصة.

قال صاحب «الهداية» من الحنفيَّة ولا بأس أن يأكل المُحْرِمُ لحم صيدٍ اصطاده حلالٌ وذَبَحَه إذا لم يدله المُحْرِمُ عليه ولا أمره بصيده؛ خلافًا لمالك فيما إذا اصطاده لأجل المُحْرِمُ يعني بغير أمره، له؛ أي لمالكٍ، قوله صلى الله عليه وسلم (( لا بأس أن يأكل المُحْرِمُ لحم صَيد ما لم يصُده أو يُصَاد له ) )، ولنا ما روي أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم تذاكروا لحم الصَّيد في حقِّ المُحْرم فقال صلى الله عليه وسلم (( لا بأس به ) ). واللام في ما روي لام تمليكٍ، فيحمل على أن يُهْدَى إليه الصَّيدُ دون اللَّحم أو يُصَاد بأمره.

قال المحقِّق ابن الهمام في «فتح القدير» أمَّا إذا اصطاد الحلال للمُحْرِم صيدًا بأمره فاختلف فيه عندنا، فذكر الطَّحاوي تحريمَه على المُحْرم.

وقال الجرجانيُّ لا يُحْرُم، وأمَّا الحديث الَّذي اسْتُدِلَّ به لمالكٍ فهو حديث جابر رضي الله عنه عند أبي داود والتِّرمذي والنَّسائي (( لحم الصَّيد حلالٌ لكم، وأنتم حرم ) )وقد سبق قريبًا. قال وقد عارضه المصنِّف ثمَّ أوَّله دفعًا للمعارضة بكون اللام للملك، أو المعنى أن يُصَاد بأمره، وهذا لأنَّ الغالب في عَمَلِ الإنسان لغيره أن يطلب منه فليكن محمله هذا دفعًا للمعارضة، والأولى في الاستدلال على أصل المطلوب حديث أبي قتادة رضي الله عنه على وجه المعارضة، على ما في «الصَّحيحين» فإنَّهم لمَّا سألوه صلى الله عليه وسلم عنه لم يجب بحلِّه لهم، حتَّى سألهم عن مواضع الحلِّ أكانت موجودة أم لا؟ فقال صلى الله عليه وسلم (( أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ ) )قالوا لا، قال (( فكلوا إذن ) )فلو كان من الموانع أن يصاد لهم لنظمه في سلك ما سأل عنه منها في التفحُّص عن الموانع ليجيب بالحكم عند خلوِّه عنها.

وهذا المعنى كالصَّريح في نفي كون الاصطياد للمُحْرِم مانعًا، فيعارض حديث جابر رضي الله عنه

ج 8 ص 519

ويقدَّم عليه لقوَّة ثبوته؛ إذ هو في «الصَّحيحين» وغيرهما من الكتب الستَّة، بل في حديث جابر رضي الله عنه (( لحم الصَّيد ) )إلى آخره، انقطاعٌ؛ لأنَّ المطلب لم يسمع من جابر عند غير واحدٍ، وكذا في رجاله مَن فيه لينٌ. انتهى.

ولا جزاء عليه بدلالة ولا بإعانة ولا بأكله ما صِيْد له عند الشَّافعية؛ لأنَّ الجزاء تعلَّقَ بالقتل، والدَّلالة ليست بقتل فأشبهت دَلالة الحلال حلالًا.

وقال الحنفيَّة إذا قتل المُحْرِمُ صَيدًا أو دَلَّ عليه مَن قتله فعليه الجزاء، أمَّا القتل فلقوله تعالى {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} الآية [المائدة 95] ، وأمَّا الدَّلالة فلحديث أبي قتادة رضي الله عنه.

قال المحقِّق ابن الهمام وليس في حديث أبي قتادة هل دللتم، بل قال صلى الله عليه وسلم (( هل منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليه أو أشار إليه؟ ) )قالوا لا قال (( فكلوا ما بقي ) ).

وجه الاستدلال به على هذا أنَّه علَّق الحِلَّ على عدم الإشارة، وهي تحصل بالدَّلالة بغير اللِّسان فأحرى أن لا يحلَّ إذا دلَّه باللفظ، فقال هناك صيد ونحوه قالوا الثَّابت بالحديث حرمة اللَّحم إذا دلَّ، قلنا فثبت أنَّ الدَّلالة من محظورات الإحرام بطريق الالتزام لحرمة اللَّحم.

وقال المالكيَّة إن صيدَ لأجلِ المُحْرم فعَلِمَ به وأَكَل، عليه الجزاء لا في أكلها، وقال الحنابلة إن أكلهُ فعليه الجزاء، وإن أكل بعضه ضمنه بمثله من اللَّحم.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاريُّ نفسه (شَأْوًا مَرَّةً) أشار بهذا إلى تفسير قوله شأوًا في قوله أرفع فرسي شأْوًا وأسيرُ شَأْوًا، وقد مرَّ هنا تفسيره، وليس هذا التَّفسير بموجود في كثيرٍ من النُّسخ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت