1824 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقريُّ التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليشكريُّ، قال (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ هُوَ ابْنُ مَوْهَبٍ) بفتح الميم والهاء، بينهما واو ساكنة، ونسبه إلى جدِّه لشهرته به، وأبوه عبد الله بن مَوْهَب الأعرج الطَّلْحي التَّيمي المدني التَّابعي الثِّقة، وقد روى هنا عن تابعيٍّ أكبر منه قليلًا، وقد مرَّ في أوَّل الزَّكاة [خ¦1396] ، قال الكرمانيُّ وفي بعض الرِّوايات (( غسان ) )بدل عثمان، وهو خطأ قطعًا.
وقال العينيُّ وهو سهوٌ من الكاتب، فإنَّه طمس الميم، فصار عثمان غسانًا.
(قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ) السَّلمي، بفتح السين المهملة (أَنَّ أَبَاهُ) أبا قتادة (أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ حَاجًّا) قال الإسماعيليُّ هذا غلطٌ، فإنَّ القصَّة كانت في عمرة الحديبية، كما جزم به يحيى بن أبي كثير، وهو المعتمد.
وأمَّا الخروج إلى الحجِّ فكان في خلقٍ كثير، وكانوا كلهم على الجادة لا على ساحل البحر، ولعلَّ الراوي أراد خَرَجَ
ج 8 ص 526
مُحْرِمًا فعبَّر عن الإحرام بالحجِّ غلطًا.
وقال الحافظ العسقلانيُّ لا غلط في ذلك، بل هو من المجاز الشَّائع، وأيضًا فالحجُّ في الأصل قصد البيت فكأنَّه قال خرج قاصدًا للبيت، ولذا يقال للعمرة الحجُّ الأصغر. وقد وجدت الحديث من رواية ابن أبي بكر المقدمي، عن أبي عوانة بلفظ (( خرج حاجًّا أو معْتَمِرًا ) )أخرجه البيهقيُّ، فتبيَّن أنَّ الشكَّ فيه من أبي عوانة. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ فقال لا نسلِّم أنَّه من المجاز، فإنَّ المجاز لا بدَّ له من علاقة، وما العلاقة هنا؟ وكونُ الحجِّ في الأصل قَصْدًا لا يكون علاقةً؛ لجواز ذكر الحج وإرادة العمرة، فإن كلَّ فِعْلٍ مطلقًا لا بدَّ فيه من معنى القصد، وقد شك أبو عوانة، والشَّك لا يُثْبِتُ ما ادَّعاه من المجاز، والله أعلم.
(فَخَرَجُوا مَعَهُ) صلى الله عليه وسلم حتَّى بلغوا الرَّوحاء، وهي من ذي الحليفة على أربعة وثلاثين ميلًا، فأخبروه أنَّ عدوًّا من المشركين بوادي غَيْقَه يخشى منهم أن يقصدوا غَزْوَه (فَصَرَفَ) صلى الله عليه وسلم (طَائِفَةً مِنْهُمْ) بنصب طائفة مفعول به، والطَّائفة من الشَّيء القطعة منه، قال تعالى {وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [النور 2] قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( الواحد فما فوقه ) ).
وقد استدلَّ الإمام فخر الدِّين ومَن تبعه من الأصوليين على وجوب العمل بخبر الواحد؛ لقوله تعالى {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} [التوبة 122] قالوا فإنَّ الفرقة تطلق على ثلاثةٍ، والطَّائفة إمَّا واحدٌ أو اثنان، واستشكل إطلاق الطَّائفة على الواحد لبُعده من الذِّهن.
(فِيهِمْ) أي في الَّذين صرفهم صلى الله عليه وسلم (أَبُو قَتَادَةَ) الأصل أن يقول وأنا فيهم، فهو من باب التَّجريد، وكذا قوله (إلَّا أبو قتادة) ، الأصل فيه أن يقال إلَّا أنا، لا يُقال إنَّه من قول ابن أبي قتادة؛ لأنَّه حينئذٍ يكون الحديث مرسلًا، والظَّاهر أنَّه متَّصل حيث قال إنَّ أباه أخبره أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (خُذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ) أي شاطئه. قال في «القاموس» هو مقلوبٌ؛ لأنَّ الماء سَحَلَه وكان القياس مسحولًا أو معناه ذو ساحلٍ من الماء إذا ارتفع المدُّ ثم جَزَر.
(حَتَّى نَلْتَقِيَ فَأَخَذُوا سَاحِلَ الْبَحْرِ) لاستكشاف أمر العدو (فَلَمَّا انْصَرَفُوا) من السَّاحل بعد أن أمِنُوا من العَدوِّ (أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ) من الميقات (إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ) هكذا
ج 8 ص 527
هو بالرفع، عند رواية الأكثرين على أنَّه مبتدأ خبره قوله (لَمْ يُحْرِمْ) وإلَّا بمعنى لكن، وهي من الجمل الَّتي لها محلٌّ من الإعراب، وهي المستثناة نحو قوله تعالى {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ*إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ*فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ} [الغاشية 22 - 24] .
قال ابن خروف (مَن) مبتدأ و (يعذِّبه الله) الخبر، والجملة في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، وفي رواية الكُشْمِيهني بالنصب، وكذا عند مسلم وغيره من هذا الوجه، قال ابن مالك في «التَّوضيح» حقُّ المستثنى بإلَّا من كلامٍّ تامٍّ موجب أن يُنصَب مفردًا كان أو مكملًا معناه بما بعده، فالمفرد نحو قوله تعالى {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ} [الزخرف 67] ، والمكمل نحو {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ*إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ} [الحجر 59 - 60] ، ولا يعرف أكثر المتأخِّرين من البصريين في هذا النَّوع إلَّا النصب.
وقد أغفلوا وروده مرفوعًا بالابتداء مع ثبوت الخبر ومع حَذْفِه، فمن أمثلة الثَّابتِ الخبر قول ابن أبي قتادة أحرموا كلهم إلَّا أبو قتادة لم يحرم، فإلَّا بمعنى لكن وأبو قتادة مبتدأ ولم يحرم خبره، ونظيره من كتاب الله تعالى {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ} [هود 81] فإنَّه لا يصحُّ أن يجعل امرأتك بدلًا من أحد؛ لأنَّها لم تسر معهم فيتضمَّنها ضمير المخاطبين، وتكلَّف بعضهم بأنَّه وإن لم يسر بها، لكنَّها شعرت بالعذاب فتبعهم ثمَّ التفت فهلكت. قال وهذا على تقدير صحَّته لا يوجب دخولها في المخاطبين.
ومن أمثلة المحذوفِ الخبر قوله صلى الله عليه وسلم (( كلُّ أمَّتي مُعَافَى إلَّا المجاهرون ) )أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون.
ومنه من كتاب الله تعالى {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ} [البقرة 249] أي لكن قليلٌ منهم لم يشربوا قال وللكوفيين في هذا الثَّاني مذهبٌ آخر، وهو أن يجعلوا (إلا) حرف عطف وما بعدها معطوفًا على ما قبلها. انتهى.
وقال الكِرمانيُّ وهو أي الرفع على مذهب من جوَّز أن يقال علي بن أبي طالب.
(فَبَيْنَمَا هُم) بالميم قبل الألف (يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ) بضم الحاء والميم، جمع حمار، وفي نسخة أي فاجأوا
ج 8 ص 528
رؤيتها (فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الْحُمُرِ) بضمتين أيضًا، جمع حمار (فَعَقَرَ مِنْهَا) أي قتل من الحمر المرئية (أَتَانًا) أي أنثى، وفي هذا السِّياق زيادة على جميع الرِّوايات؛ لأنَّها متَّفقة على إفراد الحمار، ولا تنافي؛ إذ يجوز أنَّهم رأوا حُمُرًا فيهم واحد أقرب من غيره لاصطياده.
فأفادت هذه الرِّواية أنَّ الَّذي اصطاده كان من جُمْلة الحُمُر، وأنَّه كان أتانًا لكن في إطلاق الحمار على الأتان في الرِّواية الأخرى تجوُّز، ويحتمل أن يطلق الحمار على الذَّكر والأنثى.
(فَنَزَلُوا) فيه إيجاز، والمعنى فاستعان منهم في حمله فأبوا أن يعينوني، فحمله فأتاهم به فنزلوا من مركوبهم فشووها (فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا) أي الأتان (وَقَالُوا) بواو العطف، وفي رواية أبي الوقت بالفاء بعد أن أكلوا من لحمها (أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ) الواو للحال، قال أبو قتادة (فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ) وفي رواية أبي حازم الآتية في باب الهبة [خ¦2570] (( فرحنا وخبأتُ العضد معي ) )، وفيه (( معكم شيءٌ فناولته العضد فأكلنا حتَّى تعرقها ) )؛ أي لم يبق منها إلَّا العظم، وللمؤلِّف أيضًا في الجهاد [خ¦2854] قال (( معنا رجله فأخذها فأكلها ) ). وفي رواية المطَّلب (( قد رفعنا لك الذِّراع فأكل منها ) ).
(فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا) وفي رواية أبي الوقت بالفاء (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا ثُمَّ قُلْنَا أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا قَالَ) بغير فاء، وفي رواية بالفاء؛ أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أَمِنْكُمْ) بهمزة الاستفهام، وفي رواية بحذفها (أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا) وفي رواية مسلم (( هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء ) ).
ولمسلم أيضًا من طريق شعبة، عن عثمان (( هل أشرتم أو أعنتم أو اصطدتم أو فعلتم ) )، وفي رواية أبي عوانة من هذا الوجه (( أشرتم أو صدتم أو قتلتم ) ).
(قَالُوا لاَ، قَالَ فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا) قد مرَّ أنَّ صيغة الأمر هنا للإباحة لا للوجوب؛ لأنَّها وقعت جوابًا عن سؤالهم عن الجواز لا عن الوجوب، فوقعت الصِّيغة على مقتضى السُّؤال، ولم يذكر في هذه الرِّواية
ج 8 ص 529
أنه صلى الله عليه وسلم أكل من لحمها، وذكره في رواية أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة كما تراه، ولم يذكر ذلك أحدٌ من الرُّواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره. ووافقه صالح بن حسَّان عند أحمد وأبي داود والطَّيالسي وأبو عوانة. ولفظه (( فقال كلوا وأطعموني ) )، وكذا لم يذكرها أحدٌ من الرَّواة عن أبي قتادة نفسه إلَّا المطلب عند سعيد بن منصور.
فإن قيل روى إسحاق وابن خزيمة والدَّارقطني من رواية مَعْمر، عن يحيى بن أبي كثير هذا الحديث وقال في آخره (( فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت إنَّما اصطدته لك، فأمر أصحابه فأكلوه ولم يأكل منه حين أخبرته أنِّي اصطدته له ) )، فهذه الرِّواية تضاد رواية أبي حازم.
فالجواب أنَّه قال ابن خزيمة وأبو بكر النِّيسابوري والدَّارقطني والجوزقي تفرَّد بهذه الرِّواية مَعْمر، قال ابن خزيمة إن كانت هذه الزِّيادة محفوظةً احتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنَّه اصطاد لأجله، فلمَّا أعلمه بذلك امتنع. انتهى.
قال الحافظ العسقلانيُّ وفيه نظرٌ؛ لأنَّه لو كان حَرامًا ما أُقِرَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم على الأكل منه إلى أن أعلمه أبو قتادة بأنَّه صاده لأجله.
ويحتمل أن يكون ذلك لبيان الجواز، وأنَّ الَّذي يحرم على المُحْرِم إنَّما هو الَّذي يعلم أنَّه صِيْدَ من أجله، وأمَّا إذا أُتِيَ بلحم لا يدري ألحم الصَّيد أو لا، فحَمَله على أصل الإباحة فأَكَلَ منه لم يكن ذلك حرامًا على الآكل.
وأجاب النَّوويُّ في «شرح المهذَّب» بأنَّه يحتمل أنَّه جرى لأبي قتادة في تلك السَّفرة قضيَّتان جَمْعًا بين الرِّوايتين.
قال الحافظ العسقلانيُّ وعندي بعد ذلك فيه وقفةٌ، فإن الرِّوايات المتقدِّمة متظاهرة في أنَّ الَّذي تأخَّر من الحمار هو العضد، وأنَّه صلى الله عليه وسلم أكلها حتَّى تعرقها ولم يبق منها إلَّا العظم.
ووقع للبخاريِّ أيضًا في الهبة [خ¦2570] (( حتَّى نفدها ) )؛ أي فرغها فأيُّ شيءٍ يَبْقَى منها حينئذٍ حتَّى يأمر أصحابه بأكله، لكن رواية أبي محمَّد الآتية في الصَّيد [خ¦5492] (( أبقي معكم شيء؟ قلت نعم، فقال كلوا فهو طعمة أطعمكموها الله ) )، فهو يشعر بأنَّه بقي منها شيءٌ غير العضد، والله أعلم.
ومن فوائد حديث أبي قتادة أنَّ تمنِّي المُحْرِمِ أن يقع من الحلالَ الصَّيدُ
ج 8 ص 530
ليأكل المُحْرِم منه لا يَقدحُ في إحرامه، وأنَّ الحلال إذا صار لنفسه جاز للمحرم الأكل من صيده، وهذا يقوِّي حمل الصَّيد في قوله تعالى {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ} [المائدة 96] على الاصطياد، ومنها الاستيهاب من الأصدقاء وقبول الهديَّة من الصَّديق.
وقال القاضي عياض عندي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم طلب من أبي قتادة ذلك تطيبًا لقلب مَن أَكَلَ منه؟ بيانًا للجواز بالقول والفعل لإزالة الشُّبهة الَّتي حصلت لهم.
ومنها إمساك نصيب الرَّفيق الغائب ممَّن يتعيَّن احترامه أو تُرْجَى بركتُه أو يُتوقَّع منه ظهور حكم تلك المسألة بخصوصها. ومنها تفريق الإمام أصحابه للمصلحة، واستعمال الطَّليعة في الغزو، وتبليغ السَّلام عن قرب وبعد، وليس فيه دلالة على جواز ترك ردِّ السَّلام ممَّن بلغه؛ لأنَّه يحتمل أن يكون وقع وليس في الخبر ما ينفيه. ومنها جواز صيد حمار الوحشي وجواز أكله.
ومنها جواز أكل المُحْرم من لحم الصَّيد الذي اصطاده الحَلالُ إذا لم يدل عليه، ولم يُشِرْ إليه، ولم يُعِنْ صائدَه، ومنها أنَّ عقرَ الصَّيد ذكاتُه، ومنها جواز الاجتهاد في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن العربي هو اجتهادٌ بالقرب من النَّبي صلى الله عليه وسلم لا في حضرته، ومنها العمل بما أدَّى إليه الاجتهاد ولو تضادَّ المجتهدان، ولا يعاب واحدٌ منهما على ذلك لقوله (( فلم يعب ذلك علينا ) )في رواية، وكأنَّ الآكلَ تمسك بأصل الإباحة والممتنع نظر إلى الأمر الطارئ.
ومنها الرُّجوع إلى النَّص عند تعارض الأدلَّة، ومنها ركض الفرس في الاصطياد، والتصيُّد في الأماكن الوعرة، والاستعانة بالفارس، وحمل الزاد في السَّفر، والرِّفق بالأصحاب، والرِّفق في السَّير، واستعمال الكناية في الفعل كما في القول، فإنَّهم استعملوا الضَّحك في موضع الإشارة لما اعتقدوه من أنَّ الإشارة الصَّريحة لا تحلُّ.
ومنها جواز سوق الفرس للحاجة والرِّفق به مع ذلك لقوله وأسير شأْوًا، ونزول المسافر وقت القائلة، ومنها ذِكْر الحُكم مع الحِكْمَة في قوله (( فهو طعمة أطعمكموها الله تعالى ) ).
تنبيه واعلم أنَّ إشارة المُحْرمِ إلى الصَّيدِ لكي يصطاده الحلالُ حَرامٌ بالاتِّفاق، لكن قيَّده أبو حنيفة رحمه الله بما إذا يمكن الاصطياد بدونها.
وأمَّا وجوب الجزاء
ج 8 ص 531
ففيه خلاف فإنَّهم اختلفوا في وجوب الجزاء على المُحْرم إذا دلَّ الحلالَ على الصَّيد بإشارةٍ أو غيرها أو أعان عليه، فقال الكوفيُّون وأحمد وإسحاق يضمن المُحْرِمُ ذلك.
وقال مالك والشَّافعي لا ضمان عليه كما لو دلَّ حلالٌ حلالًا على قتل صيد في المحرم قالوا ولا حجَّة في حديث الباب؛ لأنَّ السُّؤال عن الإعانة والإشارة إنَّما وَقَعَ لِيُبيِّن لهم هل يحلُّ لهم أكله أو لا، ولم يتعرَّض لِذِكْرِ الجزاء.
واحتجَّ الموفَّق بأنَّه قول علي وابن عبَّاس رضي الله عنهم، ولا نعلم لهما مخالفًا من الصَّحابة، وأجيب بأنَّه اختلف فيه على ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي ثبوته عن علي رضي الله عنه نظرٌ، ولأنَّ القاتل انفرد بقتله باختياره مع انفصال الدَّالِّ عنه فصار كمن دلَّ محرمًا أو صائمًا على امرأة فوطئها، فإنَّه يأثم بالدَّلالة ولا يلزمه كفَّارة ولا يفطر بذلك، كذا قال الحافظ العسقلانيُّ وفي الجواب نظرٌ لا يخفى.
تكملة لا يجوز للمُحْرِم قتل الصَّيد إلَّا إنْ صَالَ عليه فقتله دفعًا، فيجوز ولا ضمان عليه، والله أعلم.