1825 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
ج 8 ص 532
بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ)بتصغير الابن وتكبير الأب، وعُتْبة بضم العين وسكون المثناة الفوقية (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما.
(عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ) بفتح الصاد وسكون العين المهملتين، آخره موحدة، وجَثَّامة بفتح الجيم وتشديد المثلثة وبعد الألف ميم، هو ابن قيس بن ربيعة (اللَّيْثِيِّ) من بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الحجازي، أخو مُحَلِّم بن جَثَّامة، وكان حليف قريشٍ، وأمه أخت أبي سفيان بن حرب، واسمها فاختة، وقيل زينب.
ويقال مات في خلافة أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه، ويقال في آخر خلافة عمر رضي الله عنه، ويقال مات في خلافة عثمان رضي الله عنه. وقال يعقوب بن سفيان أخطأ مَن قال إنَّ الصَّعب بن جثامة مات في خلافة أبي بكر رضي الله عنه خطأً بيِّنًا، فقد روى ابن إسحاق، عن عمر بن عبد الله أنَّه حدَّثه عن عروة قال لمَّا رَكِبَ أهل العراق في الوليد بن عقبة كانوا خمسة، منهم الصَّعب بن جثامة، وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين عوف بن مالك رضي الله عنهما، وكان الصَّعب رضي الله عنه ينزل أرض ودَّان بأرض الحجاز.
واعلم أنَّه لم يُخْتَلف على مالك في سياقه معنعنًا، وأنَّه من مسند الصَّعب بن جثامة رضي الله عنه، إلَّا أنَّه وقع في «موطَّأ ابن وهب» عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّ الصَّعب بن جثامة أهدى ) )فجعله من مسند ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وكذا أخرجه مسلم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( أهدى الصَّعب ) )، وكذا رواه مجاهد عند ابن أبي شيبة.
وعند مسلم أيضًا من حديث طاوس قال قدم زيد بن أرقم فقال له ابن عبَّاس رضي الله عنهما يستذكره كيف أخبرتني عن لحم صيدٍ أهدي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حرامٌ قال أهدي له عضد من لحم صيد فردَّه وقال (( إنَّا حُرُم ) )فجعله من مسند طاوس، عن زيد.
قال الحافظ العسقلانيُّ والمحفوظ في حديث مالك هو الأوَّل يعني أنَّه من مسند الصَّعب بن جَثَّامة. وسيأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الهبة [خ¦2596] للمؤلِّف من طريق شعيب، عن الزهريِّ قال أخبرني عبيد الله أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 8 ص 533
أخبره أنَّه سمع الصَّعب، وكان من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم يخبر (أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الأصل في أهدى أن يتعدى بإلى، وقد يتعدى باللام ويكون بمعناه، قيل ويحتمل أن تكون اللام بمعنى أجل وهو ضعيف (حِمَارًا وَحْشِيًّا) وليس في الحديث حيًا كما في التَّرجمة، وكأنَّه فهمه من قوله حمارًا.
واعلم أنَّه لم يختلف الرَّواة عن مالك في قوله (حمارًا) ، وتابعه عامَّة الرُّواة عن الزهريِّ منهم معمر وابن جريج وعبد الرَّحمن بن الحارث، وصالح بن كيسان، واللَّيث، وابن أبي ذئب، وشعيب بن أبي حمزة، ويونس، ومحمَّد بن عمرو بن علقمة، كلهم قال فيه (( أُهدِيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمار وحش ) )كما قال مالك.
وخالفهم ابن عيينة وابن إسحاق فقالا (( أُهْدِيَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحمُ حمار وحشٍ ) ).
قال الطَّحاويّ هذا الحديث مضطربٌ؛ فقد رواه قوم على ما ذكرنا وهو قوله حدَّثنا يونس قال حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن الزُّهري، عن عبيد الله، عن عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما، عن الصَّعب بن جثَّامة قال مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بالأبواء أو بودَّان فأهديت لحمَ حمارِ وحشٍ فردَّه عليَّ، فلمَّا رأى الكراهة في وجهي قال ليس بنا ردٌّ عليك ولكنَّا حُرُم.
قال ورواه آخرون فقالوا أَهْدَى إليه حمارًا وحشيًّا، ثمَّ رواه بسنده أنَّ الحمار كان مذبوحًا، وروي أيضًا أنَّه كان عجز حمار وحش أو فخذ حمار.
وروي أيضًا (( عَجُزَ حِمارِ وَحْشٍ وهو بقُدَيد يقطرَ دمًا فردَّه ) )ثمَّ قال فقد اتَّفقت الرِّوايات عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في حديث الصَّعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ردِّه الهدية عليه، وأنَّها كانت لحم صيدٍ غير حيٍّ، فذلك حجَّة لمن كره للمحرم أكل لحم الصيد، وإن كان الذي تولِّى صيده وذبحه حلالًا.
هذا، وأخرج البيهقيُّ من طريق عمرو بن أميَّة (( أنَّ الصَّعب أهدى للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عَجُزَ حِمار وَحشٍ وهو بالجُحفة فأكل منه وأَكَلَ القوم ) ).
قال البيهقيُّ إن كان هذا محفوظًا فلعلَّه ردَّ الحي وقبل اللحم. انتهى.
وفيه نظرٌ بيِّن؛ لأنَّ الردَّ قد ثبت في إهداء اللَّحم أيضًا، كما مرَّ من طريق الحديث،
ج 8 ص 534
فإن كانت الطُّرق كلُّها محفوظةً فلعلَّه ردَّه حيًّا لكونه صِيْدَ لأجله، وردَّ اللحم تارةً لذلك، وقبله تارة أخرى حيث عَلِمَ أنَّه لم يُصَدْ لأجله.
وقد قال الشَّافعي في «الأم» إن كان الصَّعب أَهْدَى حمارًا حيًّا فليس للمُحْرم أن يَذبح حِمار وحشٍ حيًا، وإن كان أَهدَى له لحمًا فقد يحتمل أن يكون عَلِمَ أنَّه صِيْدَ له.
ونقل التِّرمذي عن الشَّافعي أنَّه ردَّه لظنِّه أنَّه صِيْدَ لأجله فتركه على وجه التنزُّه، ويحتمل أن يحمل القبول المذكور في حديث عمرو بن أميَّة على وقتٍ آخر، وهو حال رجوعه صلى الله عليه وسلم من مكَّة. ويؤيِّده أنَّه جازم فيه بوقوع ذلك بالجحفة، وفي غيرها من الرِّوايات بالأبواء أو بودان.
وقال ابن بطال اختلاف الرِّوايات في حديث الصَّعب رضي الله عنه يدلُّ على أنَّها لم تكن قضيَّة واحدة، وإنَّما كانت قضايا؛ فمرَّة أَهْدَى إليه الحمارَ كله ومرةً عجزه، ومرة رِجْلَه؛ لأنَّ مثل هذا لا يذهب على الرُّواة ضبطُه حتَّى يقع فيه التضادُّ في النَّقل، والقضيَّة واحدة.
وقال القرطبيُّ بوَّب البخاريُّ على هذا الحديث، وفهم منه الحياة، والرِّوايات الأخر تدلُّ على أنَّه كان ميِّتًا، وأنَّه أتاه بعضوٍ منه.
قال فيحتمل أن يكون الصَّعب أحضر الحمار مذبوحًا، ثمَّ قطع منه عضوًا بحضرة النَّبي صلى الله عليه وسلم فقدَّمه له، فمن قال أَهْدَى حمارًا أراد بتمامه مذبوحًا لا حيًّا ومن قال لَحْمَ حِمار أراد ما قدمه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فصَدَقَ اللَّفظان.
ويحتمل أن يكون مَن قال حمارًا أطلق وأراد بعضَه مجازًا من إطلاق اسم الكلِّ على البعض، وهذا توسُّع شائعٌ ومجاز سائغٌ، ويحتمل أنَّه أهداه له حيًّا، فلمَّا ردَّه عليه ذَكَّاه، ثمَّ أتاه بعضو منه. ولعلَّ الصَّعب ظنَّ أنَّه إنما ردَّه عليه لمعنى يختصُّ بجملته، فلمَّا جاءه بجزءٍ منه أَعْلَمه بامتناعه أنَّ حُكْمَ الجزء حكم الكلِّ في أنَّه لا يَحِلُّ للمُحْرم قبولُه ولا تملُّكه.
قال والجمع مهما أمكن أولى من توهيم بعض الرِّوايات.
هذا، وإنَّما اعتبر التَّجوُّز باعتبار إطلاق اسم الكلِّ على الجزء دون العكس إذ في الرِّوايات وقع الرِّجل والعَجُز ونحوهما، وإطلاق الرِّجل على كلِّ الحيوان غير معهودٍ لما عرف في محله من أنَّ شرط إطلاق اسم البعض على الكل التَّلازم كالرَّقبة على الإنسان. وكذا الرَّأس فإنَّه لا إنسان بدونهما بخلاف نحو الرجل والظفر،
ج 8 ص 535
وأمَّا إطلاق العين على الرقيب فليس من حيث هو إنسانٌ بل من حيث هو رقيب، وهو من هذه الحيثية لا يتحقَّق بلا عين، أو هو أحد معاني المشترك اللَّفظي كما عدَّه الأكثر منها.
هذا، وقال النَّووي ترجم البخاري بكون الحمار حيًّا وليس في سياق الحديث تصريح بذلك، وكذا نقلو هذا التَّأويل عن مالكٍ وهو باطلٌ؛ لأنَّ الرِّوايات الَّتي ذكرها مسلمٌ صريحة في أنَّه مذبوحٌ. انتهى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وإذا تأمَّلت ما تقدَّم؛ يعني به ذكره آنفًا من وجوه الجمع، لم يحسن إطلاقه بطلان التَّأويل المذكور، ولا سيَّما في رواية الزُّهري الَّتي هي عمدة هذا الباب.
وقد قال الشَّافعي في «الأم» حديث مالك أنَّ الصَّعب أهدى حمارًا أثبت من حديث من روى أنَّه أهدى لحم حمار.
وقال التِّرمذي روى بعض أصحاب الزُّهري في حديث الصَّعب لحم حمار وحش، وهو غير محفوظٍ. انتهى.
ثمَّ إنَّه لا معارضة بين الرِّوايات الواردة بالرِّجل والعَجُز وشِقِّه، إذ يندفع بإرادة رِجلٍ معها الفخذ وبعض جانب الذَّبيحة، فافهم.
(وَهْوَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (بِالأَبْوَاءِ) جملة وقعت حالًا، والأَبْواء بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالمد، جبلٌ من عمل الفُرْع، بضم الفاء وسكون الراء، بينه وبين الجحفة ممَّا يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، وسمِّي بذلك لما فيه من الوباء، قاله في «المطالع» .
ولو كان كما قيل لقيل الأوباء أو يكون مقلوبًا منه، وقيل سمِّي به؛ لأنَّ السُّيول تتبوؤه؛ أي تحلُّه وبه تُوفِّيت أم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(أَوْ بِوَدَّانَ) بفتح الواو وتشديد الدال المهملة وفي آخره نون، موضعٌ بقرب الجُحْفة، أو هو قريةٌ جامعةٌ من ناحية الفُرْع. ووَدَّان أقرب إلى الجُحْفة من الأبواء، فإنَّ من الأبواء إلى الجحفة كما مرَّ ثلاثة وعشرون ميلًا للآتي من المدينة، ومن ودَّان إلى الجحفة ثمانية أميال، يُنْسَبُ إليه الصَّعبُ بن جثَّامة اللَّيثي الودَّاني، والشَّك من الرَّاوي، وبالشَّك روى أكثر الرُّواة، وجزم ابن إسحاق وصالح بن كيسان، عن الزُّهري بودان، وجزم معمر وعبد الرَّحمن بن إسحاق ومحمَّد بن عمرو بالأبواء.
قال الحافظ العسقلاني والَّذي يظهر لي أنَّ الشكَّ فيه
ج 8 ص 536
من ابن عبَّاس رضي الله عنهما؛ لأنَّ الطَّبراني أخرج الحديث من طريق عطاء عنه على الشَّكِّ أيضًا.
(فَرَدَّهُ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي الوقت بحذف ضمير المفعول؛ أي ردَّ صلى الله عليه وسلم الحِمَار على الصَّعب، وقد مرَّ الكلام على هذا الرَّد آنفًا (فَلَمَّا رَأَى) صلى الله عليه وسلم (مَا فِي وَجْهِهِ) أي في وجه الصَّعب من الكراهة لما حصل له من الكسر في ردِّ هديَّته، وفي رواية شعيب (( فلمَّا عرف في وجهي ردَّ هديتي ) ). وفي رواية اللَّيث، عن الزُّهري عند التِّرمذي (( فلمَّا رأى ما في وجهه من الكراهة ) )، وكذا لابن خزيمة من طريق ابن جريج.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم تطييبًا لقلبه (إِنَّا) بكسر الهمزة لوقوعها في الابتداء (لَمْ نَرُدَّهُ) قال القاضي عياض ضبطناه في الرِّوايات لم نردَّه، بفتح الدال، وكذا في اليونينية، وذكره ثعلب في «الفصيح» ، وردَّه المحقِّقون من أهل العربيَّة وقالوا لم نردُّه _ بضم الدال _، وكذا وجد بخط بعض شيوخ المحدِّثين، وهو الصَّواب على مذهب سيبويه في مثل هذا؛ أي في كلِّ مضاعفٍ مجزوم اتَّصل به ضمير المذكر مراعاة للواو الَّتي يوجبها ضمة الهاء بعدها لخفاء الهاء، فكان ما قبلها ولي الواو، ولا يكون ما قبل الواو إلَّا مضمومًا كما فتحوها مع هاء المؤنَّث نحو نردُّها مراعاة للألف.
ولم يُجَوِّزْ سيبويه غيرَ الضمِّ كما أفاده السَّمين، وصرَّح جماعةٌ منهم ابن الحاجب بأنَّه مذهب البصريين، وجوَّز الكسرَ أيضًا وهو أضعفها، فصار فيها ثلاثة أوجه، وفي مثل هذه الصِّيغة قبل دخول الهاء عليها أربعة أوجه
الفتح لأنَّه أخفُّ الحركات، والضم اتباعًا لضمة عين الفعل، والكسر؛ لأنَّه الأصل في تحريك السَّاكن، والفكِّ. وأمَّا بعد دخول الهاء فيجوز فيه غير الكسر، وأمَّا الكسر فضعيف وإن جوَّزه بعضهم، وقد روى الحمُّويي والكُشْمِيْهَنيُّ هنا بفكِّ الإدغام، وفي رواية شعيب وابن جريج .
(عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ) بفتح الهمزة وضم الحاء والراء، وقال أبو الفتح القشيريُّ (إنا) مكسور الهمزة؛ لأنَّها ابتدائيَّة.
وقال الكِرمانيُّ لام التَّعليل محذوفة، والمستثنى منه مُقَدَّر؛ أي لم نردَّه لعلَّة من العلل إلَّا لأنَّا حُرُم؛ أي مُحْرِمُون، وفي رواية عبد الرَّحمن بن إسحاق، عن الزُّهري عند الطَّبراني إنَّا لم نردَّه عليك كراهية له،
ج 8 ص 537
ولكنَّا حُرُم، وزاد صالح بن كيسان عند النَّسائي (( لا نأكل الصَّيد ) ).
وفي رواية شعبة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لولا أنَّا محرمون لقلبناه منك ) ).
واستدلَّ بهذا الحديث الشَّعبي وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد والثَّوري واللَّيث بن سعد، ومالك في رواية، وإسحاق في رواية، على أنَّ المُحْرِمَ لا يحلُّ له أكلُ الصَّيد مطلقًا، قيل لأنَّه اقتصر في التَّعليل على كونه مُحْرِمًا فدلَّ على أنَّه سبب الامتناع خاصَّة، وهو قول عليٍّ وابن عبَّاس وابن عمر رضي الله عنهم.
وقال عطاء في رواية وسعيد بن جبير وأبو حنيفة وصاحباه، وأحمد في رواية الصِّيد الَّذي اصطاده الحَلال لا يَحْرمُ على المُحْرِم. واحتجُّوا بما رواه مسلم حدَّثني زهير بن حرب، قال حدَّثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج قال أخبرني محمَّد بن المنكدر، عن معاذ بن عبد الرَّحمن بن عثمان، عن أبيه قال (( كنَّا مع طلحة بن عبد الله ونحن حُرُمٌ، فأُهْدِيَ له طيرٌ وطلحةُ راقدٌ، فمِنَّا مَن أكل، ومنَّا من تَورَّع، فلمَّا استيقظ طلحة وَفَّقَ مَن أَكَلَه وقال أكلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ).
وقوله وَفَّقَ مَن أَكَلَه أي دعا له بالتَّوفيق وقال له وُفِّقتَ؛ أي أصبتَ الحقَّ.
وبما رواه النَّسائي حدَّثنا محمَّد بن سلمة، بسنده إلى عمير بن سلمة، عن البَهْزِيِّ (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكَّة، وهو مُحْرِمٌ حتَّى إذا كان بالرَّوحاء إذا حمار وحشٍ عقير، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعوه فإنَّه يوشك أن يأتي صاحبه، فجاء البَهْزِيُّ وهو صاحبه فقال يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه أن يقسمه بين الرِّفاق، ثمَّ مضى حتَّى إذا كان بالأُثَابة بين الرُّويْثَة، والعَرْج، إذا ظبيٌ حاقفٌ في ظلٍّ وفيه سهم، فَزَعَمَ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أمر رجلًا يقف عنده لا يريبه أحدٌ من النَّاس حتَّى يجاوزوه ) )، ثمَّ قال تابعه يزيد بن هارون عن يحيى به، وأخرجه ابن خزيمة أيضًا وغيره وصحَّحوه.
وأخرجه الطُّوسي أيضًا محسنًا وفيه (( لم يلبثْ أن جاء رجلٌ من طيٍّ فقال يا رسول الله هذه رميتي فشأنك بها ) ).
وأخرجه الطَّحاوي أيضًا ولفظه (( فإذا هو بحمار وحشٍ عقير فيه سهمٌ قد مات ) )،
ج 8 ص 538
ولفظه أيضًا إذا هو بظبي مستظلٍّ في حقف جبلٍ فيه سهمٌ وهو حيٌّ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجلٍ (( قف هاهنا لا يريبه أحد حتَّى يمضي الرِّفاق ) ). هذا وعمير بن سلمة له صحبة.
والبَهْزِي _ بفتح الموحدة وسكون الهاء، بعدها زاي _ نسبة إلى بَهْز هو تيم بن امرئ القيس.
وقال أبو عمر اسمه يزيد بن كَعْب السُّلمي ثم البَهْزيُّ، والرَّوحاء موضع بينه وبين المدينة مِيْل، وفي حديث جابر رضي الله عنه (( إذا أذَّن المؤذِّن هَرَبَ الشَّيطان حتَّى يكون بالرَّوحاء ) )رواه أحمد.
وقال أبو علي القالي في كتاب «الممدود والمقصور» الرَّوحاء موضعٌ على ليلتين من المدينة.
وفي «المطالع» الرَّوحاء من عمل الفُرْع على نحوٍ من أربعين ميلًا، وفي مسلم (( على ستَّة وثلاثين ميلًا ) ).
وفي كتاب ابن شيبة (( على ثلاثين ) )، والأَثَايَة، بفتح الهمزة وبالثاء المثلثة وبعد الألف ياء مثناة تحتية مفتوحة موضعٌ بطريق الجُحْفة بينه وبين المدينة سبعة وسبعون مِيْلًا. رواه بعضهم بكسر الهمزة، وبعضهم يقول الأَثَاثَة بثائين، وبعضهم الأثانة بالنون بعد الألف، والصواب بالفتح.
والرُّوَيْثَة، بضم الراء وفتح الواو وسكون المثناة التحتية وفتح المثلثة وفي آخره هاء منزلٌ بين مكَّة والمدينة.
والعَرْج، بفتح العين وسكون الراء وبالجيم قريةٌ جامعة من عَمَل الفُرْع على نحو من ثمانية وسبعين مِيْلًا من المدينة وهو أوَّل تهامة.
وقوله حُاقِفٌ؛ أي نائمٌ قد انحنى من نومه، والحِقْف _ بكسر الحاء المهملة وسكون القاف _ ما اعوجَّ من الرَّمل واستطال، ويجمع على أحقاف.
وقوله لا يريبه أحدٌ؛ أي لا يتعرَّض له أحد ويزعجه، وأصله من رابني الشَّيء وأرابني إذا شككني. وأجابوا عن حديث الباب بما ذُكِرَ عن الطَّحاوي عن قريب وحاصله أنَّه مضطرب، وقال عطاء في رواية، ومالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور الصَّيد الذي صِيْدَ لأجل المُحْرِم حرَامٌ على المُحْرِم لم يجز أكله، وما لم يصد من أجله جاز له أكله، وروي هذا القول عن عثمان رضي الله عنه.
واحتجُّوا في ذلك بما رواه أبو داود بسنده إلى المطَّلب، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه
ج 8 ص 539
قال سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( صَيْدُ البرِّ حلالٌ لكم ما لم تُصيدوه أو يُصَدْ لكم ) ).
وأخرجه التِّرمذي عنه أيضًا، ولكن في روايته (( حلال لكم وأنتم حُرُم ) )، وأخرجه النَّسائي وابن خزيمة أيضًا. قال التِّرمذي المطَّلب لا يعرف له سَمَاعٌ من جابر، وعنه أنَّه لم يسمع من جابر رضي الله عنه، وكذا قال أبو حاتم الرَّازي.
وقال ابن سعد كان كثير الحديث، وليس يحتجُّ بحديثه، وقال مالك ما ذبحه المُحْرِمُ فهو ميِّتة لا يَحل للمُحْرم ولا للحَلال، وقد اختلف قولُه في ما صيد لمُحْرِمٍ بعينه كالأمير وشبهه، هل لغير ذلك الَّذي صيد لأجله أن يأكله؟ والمشهور في مذهبه عند أصحابه أنَّ المُحْرِمَ لا يأكل ما صيد لمُحْرِمٍ مُعيَّن أو غيرِ مُعيَّن.
وفي الحديث أيضًا جواز ردِّ الهدية لأجله، وفيه الاعتذار عن ردِّ الهدية تطييبًا لِقَلْبِ المُهدي، وفيه أنَّ الهدية لا تدخل في الملك إلَّا بالقبول، والحديث أخرجهُ المؤلِّف في الهبة أيضًا [خ¦2596] ، وأخرجه مسلمٌ في الحج، وكذا التِّرمذي والنَّسائي وابن ماجه.