فهرس الكتاب
1829 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي الوقت بالإفراد (يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) أبو سعيد الجُعْفيُّ الكوفيُّ، نزيل مِصْر، حدث بها، وتوفِّي بها سنة ثمان أو سبع وثلاثين ومائتين (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (يُونُسُ) هو ابنُ يزيد الأيلي.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ) هو ابن الزُّبير، (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ) مبتدأ وخبر، والجملة في محل الرفع على أنَّه خبر لقوله خمس وهو مبتدأ، وقد تخصص بالصِّفة.
وقوله (يُقْتَلْنَ) على البناء للمفعول خبر بعد خبر، والضَّمير فيه راجعٌ إلى خمس وليس براجع إلى معنى كل كما قاله الحافظ العسقلاني، إذ لا حاجة إليه وإن جاز على ما قاله ابنُ هشام في «المغني» حيث قال فإن أضيفَ إلى معرفة فقالوا يجوز مراعاة لفظها معناها نحو كلهم قائم أو قائمون.
وقد روى مسلم من هذا الوجه كلُّها فواسق، وقد اجتمعا في قوله تعالى {إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحمن عَبْدًا*لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا} [مريم 93 - 94] فروعي اللَّفظ أولًا والمعنى آخرًا.
لكن قال ابن هشام والصَّواب أنَّ الضَّمير لا يعود إليها من خبرها إلَّا مفردًا مذكرًا على لفظها، وفي الآية حذف مضاف، وإضمار لما دلَّ عليه المعنى لا اللَّفظ، وفي رواية ؛ أي المرء.
(فِي الْحَرَمِ) وقد تقدَّم في رواية نافع في أوَّل الباب [خ¦1826] (( ليس على المُحْرِم في قتلهن جُنَاح ) )، وعرف بذلك أن لا إثم في قَتْلِها على المُحْرم ولا في الحَرَم، ويؤخذ منه جواز ذلك للحلال، وفي الحلِّ بطريق الأولى.
وقد وقع ذكر الحِل صريحًا عند مسلم من طريق معمر، عن الزُّهري، عن عروة بلفظ (( يُقتلْن في الحِلِّ والحَرَم ) )، ويُعْرَفُ حكم الحلال بكونه لم يقُمْ به مانع وهو الإحرامُ فهو بالجواز أولى.
ثم إنَّه ليس في نفي الجُناح وكذا الحَرَج في طريق سالم دلالة على أرجحيَّة الفعل على التَّرك، لكن ورد في رواية زيد بن جبير، عند مسلم أنَّه؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 8 ص 553
أمر أن تُقْتَلَ الفأرة، الحديث.
وفي رواية (( إنَّه كان يأمر بقتل الكلب العقور ) )، ولأبي عوانة من طريق ابن نمير، عن هشام، عن أبيه بلفظ (( ليقتل المحرم ) )، وظاهر الأمر الوجوب، ويحتمل النَّدب والإباحة.
وروى البزَّار من حديث أبي رافع قال (( بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاته إذ ضرب شيئًا، فإذا هي عقرب فقتلها وأمر بقتل الحيَّة والعقرب والفأرة والحدأة للمحرم ) )، لكن ورد هذا الأمر بعد الحظر؛ لعموم نهي المُحْرِم عن القَتْلِ فلا يكون للوجوب ولا للنَّدب.
ويؤيِّد ذلك رواية اللَّيث، عن نافع بلفظ (( أذن ) )، أخرجه مسلم والنَّسائي عن قتيبة عنه، لكن لم يسق مسلم لفظه، وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه
ج 8 ص 554
عند أبي داود وغيره (( خمسٌ قتلهنُّ حلال للمُحْرم ) ).
هذا، وفي رواية معمر التي تأتي في بدء الخلق [خ¦3314] (( خَمْسٌ فواسقُ ) ). قال النَّووي هو بإضافة خَمْس لا بتنوينه، وجوَّز ابن دقيق العيد الوجهين، وأشار إلى ترجيح الثَّاني فإنَّه قال رواية الإضافة تشعر بالتَّخصيص فيخالفها غيرها في الحكم من طريق المفهوم، ورواية التنوين تقتضي وصف الخَمْس بالفِسق من جهة المعنى فتشعر بأنَّ الحكم المرتَّب على ذلك وهو القتل مُعَلَّلٌ بما جُعِلَ وصفًا وهو الفسق، فيدخل فيه كلُّ فاسقٍ من الدَّواب.
وتلك الخمس هي (الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ) قال النَّووي وغيره تَسميةُ هذه الخمس فواسق تسميةٌ صحيحة جارية على وَفق اللُّغة، فإنَّ الفسق في أصل كلام العرب الخروج. ومنه فسقت الرُّطبة إذا خرجت من قشرها، وقوله تعالى {فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف 50] أي خرج، وسمِّي الرجل فاسقًا لخروجه عن طاعة ربِّه فهو خروجٌ مخصوص، وزعم ابن الأعرابيِّ أنَّه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق؛ يعني بالمعنى الشَّرعي.
وأمَّا المعنى في وصف الدَّواب الخمس المذكورة بالفسق فقيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في تحريم قتله، وأنَّ قتلهن للمُحْرم في الحرم مباح.
وقيل في حلِّ أكله لقوله تعالى {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام 145] وقوله تعالى {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} [الأنعام 121] وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء والإفساد وعدم الانتفاع، فالغراب ينقر ظهر البعير وينزع عينه ويختلس أطعمة النَّاس، والحِدَأة كذلك تختلس اللَّحم والفراريج، والعقرب تلدغ وتؤلم. والفأرة تسرق الأطعمة وتفسدها وتقرض الثِّياب وتأخذ الفتيلة من السِّراج، وتضرم بها البيت، وقد عمدت إلى حبال سفينة نوح عليه السَّلام فقطعتها، والكلب العقور يَجْرحُ النَّاس، ومن ثمَّة اختلف أهل الفتوى
فمن قال بالأوَّل ألحق بالخَمْس كلَّ ما جاز قتله للحَلال وفي الحِل، ومَن قال بالثَّاني أَلْحَقَ كُلَّ ما لا يؤكل إلَّا ما نُهي عن قتله، وهذا قد يجامع الأوَّل، ومن قال بالثَّالث خَصَّ الإلحاق بما يَحصل منه الإفساد.
ووقع في حديث أبي سعيد رضي الله عنه عند ابن ماجه كما تقدَّم قيل له (( لم قيل للفأرة فويسقة؟ فقال لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم استيقظ ذات ليلةٍ، وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت ) )، فهذا
ج 8 ص 555
يومئ إلى أنَّ سبب تسمية الخمس بذلك لكون فعلها يشبه فِعْلَ الفساق، وهو يرجِّح القول الأخير، والله أعلم.
تكملة قال الرَّافعي عن الإمام الشَّافعي إنَّ هذه الفواسق لا ملك فيها لأحد ولا اختصاص ولا يجب ردَّها على صاحبها، ولم يذكر مثل ذلك في غير الخَمْس مما يلتحق بها في المعنى، فليُتَأمَّل.
واستُدِلَّ به على جواز قَتْلِ من لجأ إلى الحَرَم ممَّن وجب عليه القتل؛ لأنَّ إباحة قتل هذه الأشياء مُعلَّلة بالفِسق، والقاتل فاسق فيقتل بل هو أولى؛ لأن فسق المذكورات طبيعي والمكلَّف إذا ارتكب الفسق فهو هاتك لحُرمة نَفْسِه فهو أولى بإقامة مقتضى الفسق عليه، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنَّه بحثٌ قابل للنِّزاع، وسيأتي بسط القول فيه في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى.