1831 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ) هو ابنُ أبي أويس (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْوَزَغ) اللام فيه بمعنى عن، ويجوز أن يكون للتعليل؛ أي لأجل الوزغ (فُوَيْسِقٌ) بالتنوين مصغَّر فاسق، تصغير تحقير مبالغة في الذَّم.
قال الكِرماني الوَزَغ دابَّة لها قوائم تعدو في أصول الحشيش، قيل إنَّها تأخذ ضرع النَّاقة وتشرب من لبنها، وقيل كانت تنفخُ في نار إبراهيم عليه السَّلام لتلتهب.
وقال الجوهريُّ الوزغةُ دويبةٌ، وقال ابن الأثير وهي الَّتي يقال لها سام أبرص.
قال العينيُّ هذا هو الصَّحيح وهي الَّتي تكون في الجدران والسُّقوف، ولها صوتٌ تصيح به. وقال ابن الأثير ومنه حديث عائشة رضي الله عنها (( لما أحرق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه ) )، واتَّفقوا على أنَّه من الحشراتِ المؤذيات.
قالت عائشة رضي الله عنها (وَلَمْ أَسْمَعْهُ) صلى الله عليه وسلم (أَمَرَ بِقَتْلِهِ) وإنَّما ذَكَّرتِ الضَّمير نظرًا إلى ظاهر اللَّفظ، وإن كان جمعًا كما قيل، وقضية تسميته فويسقًا كون قتله مباحًا، وكون عائشة رضي الله عنها لم تسمْعه لا يدلُّ على منع ذلك، فقد سمعه غيرها، ففي مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه مرفوعًا (( أمر بقتل الأوزاغ ) ).
وفي حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتله ) )، وقال أبو الحسن الباغندي في «علله» إنَّه وهمٌ، والصَّواب أنَّه مرسل.
وروى مالك عن ابن شهاب، عن سعد بن أبي وقاص
ج 8 ص 558
رضي الله عنه (( أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بقتله ) )، وفيه انقطاعٌ بين الزُّهري وسعد. وقال ابن المَوَّاز عن مالك قال (( سمعت أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلِ الوَزغ ) ).
وفي «الصَّحيحين» والنَّسائي وابن ماجه عن أمِّ شريك رضي الله عنها (( أنَّها استأمرت النَّبي صلى الله عليه وسلم في قتل الوَزَغات فأمرها بذلك ) )، وفي «الصَّحيحين» أيضًا (( أنَّه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الوزغ وسمَّاه فويسقًا ) ).
وروى مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( من قَتَلَ وزغةً في أوَّل ضربة فله كذا وكذا حسنة، ومن قتلها في الضَّربة الثانية فله كذا وكذا حسنة دون الأولى، ومن قتلها في الضَّربة الثَّالثة فله كذا وكذا حسنة دون الثَّانية ) ). وفي لفظ (( من قتل وزغًا في أوَّل ضربة كتب له مائة حسنة، وفي الثَّانية دون ذلك، وفي الثَّالثة دون ذلك ) ). وفي لفظ (( في أوَّل ضربة سبعين حسنة، وفي الثَّانية دون ذلك ) ).
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( من قتل وزغًا فله صدقة ) )، وقال ابن عمر رضي الله عنهما (( اقتلوا الوزغ فإنَّه شيطان ) ).
وعن عائشة رضي الله عنها (( أنَّها كانت تقتل الوزغ في بيت الله تعالى ) )، وعند الطَّبرانيِّ في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( اقتلوا الوزغ ولو في جوف الكعبة ) )لكن في إسناده عمر بن قيس المكِّي، وهو ضعيف.
وسأل إبراهيم بن نافع عطاء عن قتله في الحرم قال لا بأس، ونقل ابنُ عبد البر الاتِّفاق على جواز قتله في الحلِّ والحَرَم، لكن نقل ابن عبد الحكم وغيره عن مالك لا يقتل المُحْرِمُ الوَزَغَ.
وزاد ابن القاسم وإن قتله يتصدَّق؛ لأنَّه ليس من الخَمْسة المأمور بقتلها، وذكره ابن بَزِيْزة في «أحكامه» .
قال الطَّحاوي لا يَقتلُ المُحْرمُ الحيَّةَ ولا الوَزَغَ ولا شيئًا غير الحدأة والغراب والكلب العقور والفأرة والعقرب، وقد مرَّ فيما مضى أنَّه قال (( للمحرم قتل الحيَّة ) ).
وقال ابن التِّين أباح مالك قتله في الحَرم وكرهه للمُحْرِم، وروى ابن أبي شيبة أنَّ عطاء سئل عن قتل الوزغ فقال إذا آذاك فلا بأس بقتله، وهذا يفهم منه توقُّفُ قَتْلِه على أذاه.
وقال أبو عمر الوزغُ مجمعٌ على تحريم أكله، ومن غريب أمر الوزغ ما قيل إنَّه يقيم في حجره في الشِّتاء أربعة أشهر لا يطعم شيئًا، ومن طبعه أن لا يدخل بيتًا فيه رائحة زعفران.
تكملة وقال ابن حزم من طريق سويد بن غفلة، قال (( أمرنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه بقتل الزُّنْبور ونحن مُحْرِمُون ) ). وعن حبيب بن المُعَلِّم عن عطاء بن أبي رباح
ج 8 ص 559
قال (( ليس في الزنبور جزاء ) ).
قال ابن حزم وأمَّا النَّمل فلا يحلُّ قتله ولا قتل الهدهد ولا القِرد ولا النَّحْل ولا الضِّفدع، لما روينا من طريق عبد الرَّزَّاق قال لنا معمر عن الزهريِّ عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل أربعٍ من الدَّواب النَّملة، والنَّحْلة، والهُدهد، والقِرد ) ).
وعند أبي داود من حديث سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيَّب، عن عبد الرَّحمن بن عثمان (( أنَّ طبيبًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه صلى الله عليه وسلم عن قتلها ) ).
وفي «التَّوضيح» اختلف المدنيون في الزُّنبور؛ فشبَّهه بعضهم بالحيَّة والعَقرب، فإن عرض للإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن فيه شيءٌ، وكان عمر رضي الله عنه يأمر بقتله، وقال أحمد وعطاء لا جزاء فيه لأنَّه لا يعقر.
وقد وقع في رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت هنا أي البخاري إنَّما أردنا بهذا أي بحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن منى من الحَرَم، وأنَّهم لم يروا بِقَتْل الحيَّة الَّتي وثبت عليهم في الغار بأسًا، كذا وقع سياق هذا آخر الباب في الفَرع، ومحله عقيب حديث ابن مسعود رضي الله عنه كما لا يخفى، والله أعلم.
قد وقع الفراغ من تنميق هذه القطعة الثَّامنة من «شرح صحيح الإمام البخاري» على يد جامعها الفقير إلى عناية ربِّه القدير أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد الشَّهير بيوسف أفندي زاده، كتب الله لهم الحسنى وزيادة يوم الأحد الثَّالث من شهر رمضان المبارك من شهور سنة خَمْس وثلاثين ومائة وألف، وقد بُدئ في جَمْعها في اليوم الثَّامن والعشرين من شهر رجب المُرجَّب من شهور سنة أربع وثلاثين ومائة وألف، ويتلوها القطعة التَّاسعة المبتدأة بقوله باب لا يعضد شجر الحرم إن شاء الله المعين، يسَّر الله تعالى إتمامها، وما يتلوها بمنِّه وفضله وكرمه إلى آخر الكتاب اللَّهم يا منزِّل البركات، ويا مفيض الخيرات، افتح لنا بالخير، واختم لنا بالخير، وتوفَّنا مسلمين وألحقنا بالصَّالحين، وصلى الله وسَلَّم على سيِّدنا وسَنَدِنا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين [1] .
ج 8 ص 560
[1] في (خ) (( هذا آخر القطعة الثَّامنة من (( شرح صحيح الإمام البخاري ) ). كتبت عن نسخة المؤلِّف أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد الشَّهير بيوسف أفندي زاده كتب الله لهم الحسنى وزيادة. ويتلوها القطعة التَّاسعة المبتدأة بقوله باب لا يعضد شجر الحرم إن شاء الله المعين، يسَّر الله تعالى إتمامها وما يتلوها بمنِّه وفضله وكرمه إلى آخر الكتاب اللَّهم يا منزل البركات، ويا مفيض الخيرات، افتح لنا بالخير، واختم لنا بالخير، وتوفَّنا مسلمين وألحقنا بالصَّالحين، وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمَّد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وسلام على جميع الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين )) .