فهرس الكتاب

الصفحة 287 من 11127

161 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو _ بفتح المهملة وسكون الموحدة وبالدال المهملة _، لَقَبُ عبد الله بن عثمان المروزي (قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن المبارك (قَالَ أَخْبَرَنَا يُونُسُ) هو ابن يزيد الأَيلي بفتح الهمزة (عَنِ) ابن شهاب (الزُّهْرِيِّ) وقد تقدم ذكرهم بهذا الترتيب في الوحي [خ¦6] أنه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (أَبُو إِدْرِيسَ) هو عائذ الله _ بالهمز وبالذال المعجمة _، ابن عبد الله الخولاني _ بالمعجمة _ التابعي الجليلُ القَدْرِ الكبير الشأن، كان قاضيًا بدمشق لمعاوية، مات سنة ثمانين، وقد مر في كتاب الإيمان [خ¦18] .

(أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه، ورجال هذا الإسناد ما بين مروزي وأيلي ومدني وشامي، وفيه

ج 2 ص 98

رواية تابعي عن تابعي الزهري عن أبي إدريس، وقد أخرج متنه مسلم أيضًا في الطهارة، وأخرجه النسائي وابن ماجه أيضًا.

(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي يروي [1] عنه صلى الله عليه وسلم أنه (قَالَ) وفي رواية (مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ) أي فليُخرِج الماء من الأنف بعد الاستنشاق مع ما فيه من مُخَاط وغُبَار وشبهه، قيل ذلك لما فيه من المعاونة على القراءة، وتنقية مجرى النَّفَس الذي به التلاوة، وبإزالة ما فيه من الثفل تصح مجاري الحروف، ويقال الحكمة فيه التنظيف وطرد الشيطان إذ في رواية عيسى بن طلحة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وقد أخرجها المؤلِّف في بدء الخلق [خ¦3295] «إذا استيقظ أحدكم من مَنَامه فتوضأ فليستنثر ثلاثًا فإن الشيطان يَبِيت على خَيْشُومه» والخَيْشُوم أعلى الأنف [2] .

ولم يذكر في حديث الباب عدد، وقد ذكر في رواية عيسى بن طلحة كما مر آنفًا، ويمكن أن تكون هذه الرواية مُبَيِّنة لرواية حديث الباب فتكون السُنَّة فيه التثليث كالاستنشاق، وقد ورد أيضًا في رواية الحُمَيدي في (( مسنده ) )عن سفيان عن أبي الزناد «إذا استنثر فليستنثر وترًا» .

وقوله «وترًا» يشمل الواحد والثلاث وما فوقهما من الأوتار، ثمَّ المستحب أن يستنثر بيده اليسرى، وقد بوَّب عليه النسائي، ويكره أن يكون بغير يده، حُكِيَ ذلك عن مالك أيضًا، لكونه يشبه فعل الدَّابة، وقيل لا يكره، ثمَّ إن ظاهر الأمر فيه للوجوب فيلزم من قال بوجوب الاستنشاق لورود الأمر به كأحمد، وإسحاق، وأبي عبيدة، وأبي ثور، وابن المنذر أن يقول به في الاستنثار.

وظاهر كلام صاحب (( المغني ) )من الحنابلة يقتضي أنهم يقولون بذلك، وأن مشروعية الاستنشاق لا تحصل إلا بالاستنثار، وقد صرح ابن بطال بأن بعض العلماء قالوا بوجوب الاستنثار، وبه يُرَدُ قول من نَقَل الإجماع على عدم وجوبه كالعيني [3] ، والجمهور على أن الأمر فيه للندب، واستدلوا بما رواه الترمذي مُحسِّنًا والحاكم مُصحِّحًا من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي «توضأ كما أمرك الله» فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق.

وقال الحافظ العسقلاني يحتمل أن يراد بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء، فقد أمر الله باتباع نبيه ولم يحكِ أحد ممن

ج 2 ص 99

وصف وضوءه صلى الله عليه وسلم على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق، بل ولا المضمضة، وهذا يَرُد على من لم يوجب المضمضة أيضًا، وقد ثبت الأمر بها أيضًا في (( سنن أبي داود ) )بإسناد صحيح. انتهى.

وقال محمود العيني والقرينة الحالية والمقالية ناطقة [نطقًا] [4] صريحًا بأن المراد من قوله (كما أمرك الله) ، الأمر المذكور في آية الوضوء، وليس فيها ما يدل على وجوب الاستنشاق ولا على المضمضة، فإن استدل هذا القائل على وجوبهما بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما من غير ترك فإنه يَلْزَمه أن يقول بوجوب التسمية أيضًا؛ لأنه لم يُنْقل أنه ترك التسمية فيه، ومع هذا فهي سنة أو مستحبة عند إمام هذا القائل.

هذا، وقد ذكر ابن المنذر أن الشافعي رحمه الله لم يحتج على عدم وجوب الاستنشاق مع صحة الأمر به إلا لكونه لا يَعْلَم خلافًا في أن تاركه لا يُعيد، وهذا دليل فقهي؛ فإنه لا يُحفَظ ذلك عن أحدٍ من الصحابة ولا التابعين إلا عن عطاء، وقد ثبت عنه أنه رجع عن إيجاب الإعادة.

(وَمَنِ اسْتَجْمَرَ) أي مسح محل البول والغائط بالجِمَار وهي الأحجار الصِّغار، ويقال الاستِطَابة والاستِجْمَار والاستِنْجاء لتطهير محل الغائط والبول، والاستجمار مختصٌ بالمسح بالحجارة، وأما الاستطابة والاستنجاء فيكونان بالماء والأحجار.

وقال ابن حبيب وكان ابن عمر رضي الله عنهما يتأوَّل الاستجمار هنا على إجمار الثياب بالمجمر، يقال في هذا تَجمَّر واستَجْمَر، فيأخذ ثلاث قطع من الطيب أو يتطيب ثلاث مرات أو أكثر، وكذا حكاه ابن عبد البر عن مالك أيضًا، هذا، وفيه أنه لا يصح عن ابن عمر رضي الله عنهما، وقد روى ابن خزيمة في (( صحيحه ) )عن مالك خِلَافه.

(فَلْيُوتِرْ) أي فليجعل الحجارة التي يستنجي بها وترًا إما واحدة أو ثلاثًا أو خمسًا، وقال الكِرماني المراد بالإيتار أن يكون عدد المسحات ثلاثًا أو خمسًا أو فوق ذلك من الأوتار، وقال أيضًا مذهبنا أن استيفاء الثلاث واجب، فإن حصل الإنقاء به فلا زيادة وإلا وجبت الزيادة، ثمَّ إن حصل بوتر فلا زيادة، وإن حصل بشفع استُحب الإيتار. انتهى.

ج 2 ص 100

أقول فلمَّا كان مذهبه ذلك لم يذكر الواحد مع أنه يطلق عليه الوتر أيضًا لئلا يكون الحديث حجة على مذهبه، وقال الخطابي فيه دليل على وجوب عدد الثلاث إذ معلومٌ أنه لم يُرِدْ به الوترَ الذي هو واحد فرد؛ لأنه زيادة صفة على الاسم، والاسم لا يَحْصُل بأقل من واحد فعُلِمَ منه أنه إنما قصد به ما زاد على الواحد وأدناه الثلاث. انتهى.

وظاهر الحديث حجة لإمامنا الأعظم أبي حنيفة رحمه الله وأصحابه فيما ذهبوا إليه؛ لأن الاستنجاء ليس فيه عَدَدٌ مَسْنُون، والإيتار يقع على الواحد كما يقع على الثلاث، والحديث دال على الإيتار فقط، لا يقال يتعين الثلاث من نهيه صلى الله عليه وسلم عن أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار؛ لأنه لما دلَّ حديث أبي هريرة رضي الله عنه «من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» على عدم اشتراط التعيين حُمِلَ هذا على أن النهي فيه كان لأجل الاحتياط؛ لأن التطهير غالبًا إنما يحصل بالثلاث، ونحن أيضًا نقول إذا تحقق شخص أنه لا يطهر إلا بالثلاث تعيَّن عليه الثلاث، والتعيُّن ليس لأجل التَّحديد فيه وإنما هو للإنقاء الحاصل فيه، حتى إذا احتاج إلى رابع أو خامس وهَلُمَّ جَرَّا يتعين عليه ذلك، والله أعلم.

[1] في (خ) (( روى ) ).

[2] في هامش الأصل ونوم الشيطان عليه حقيقة أو هو على الاستعارة؛ لأن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم نداوة توافق الشيطان فهو على عادة العرب من نسبتهم المستخبث والمستبشع إلى الشيطان، أو ذلك عبارة عن تكسله عن القيام إلى الصلاة ولا مانع من حمله على الحقيقة وهل مبيته لعموم النائمين، أو مخصوص بمن يغفل عما يحترس به منه في منامه كقراءة آية الكرسي. منه.

[3] قوله (( وبه يرد قول من نقل الإجماع على عدم وجوبه كالعيني ) )ليس في (خ) .

[4] ما بين معقوفين زيادة لتقويم النص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت