فهرس الكتاب

الصفحة 2870 من 11127

1832 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) هو ابنُ سعيد، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد الإمام (عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) وفي رواية عبد الله بن يوسف، عن اللَّيث (( حدَّثني سعيد ) )كما تقدَّم في (( العلم ) ) [خ¦104] (عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ) بضم الشين المعجمة وفتح الراء وبالحاء المهملة، قيل اسمه خُويلد بن عَمرو، وهو المشهور، وقيل ابن صخر، وقيل هانئ بن عَمرو، وقيل عبد الرَّحمن، وقيل عَمرو بن خويلد، وقيل كعب بن عَمرو، وقيل مطر.

(العَدَوِيِّ) كذا وقع هنا، وفيه نظر؛ لأنَّه خزاعي من بني كعب بن ربيعة بن لحيٍّ بطنٌ من خزاعة، ولهذا يقال له الكعبي أيضًا. وليس هو من بني عديٍّ، لا عدي قريش ولا عدي مضر، ولعلَّه كان حليفًا لبني عديِّ بن كعب من قريش. وقيل في خزاعة بطن يقال لهم بنو عدي، أسلم قبل الفتح، وسكن المدينة، ومات بها سنة ثمان وستين، وليس له في هذا الصَّحيح سوى هذا الحديث وحديثين آخرين [خ¦6019] [خ¦6016] ، ووقع في رواية ابن أبي ذئب عن سعيد (( سمعت أبا شُريح ) )أخرجه أحمد.

(أنَّهُ قالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعيدٍ) أي ابن العاص بن سعيد بن العاص بن أميَّة المعروف بالأشدق؛ لأنَّه صعد المنبر فبالغ في شتم عليٍّ رضي الله عنه فأصابته لقوةٌ، وكان يزيد بن معاوية ولَّاه المدينة، وكان أحبَّ النَّاس إلى أهل الشَّام، وكانوا يسمعون له ويطيعونه.

قال الطَّبري وكان قدومه واليًا على المدينة من قبل يزيد في السَّنة التي ولي فيها يزيد الخلافة سنة ستِّين وفي ذي القعدة، وقيل قدمها في رمضان، وكتب إليه يزيد أن يوجِّهَ إلى عبد الله بن الزُّبير

ج 9 ص 1

رضي الله عنه جيشًا لمَّا امتنع من بيعة يزيد، وأقام بمكَّة فجهز إليه عمرو بن سعيد جيشًا، وأمَّر عليهم عمرو بن الزُّبير، وكان معاديًا لأخيه عبد الله، وكان عمرو بن سعيد قد ولَّاه شرطته، ثمَّ أرسله إلى قتال أخيه فجاء مروان إلى عَمرو بن سعيد فنهاه فامتنع، وجاءه أبو شريح فذكر القصَّة؛ أي القصَّة الَّتي ذكرها البخاري في هذا الباب، فلمَّا نزل الجيش ذا طوىً خرج إليهم جماعةٌ من أهل مكَّة فهزموهم، وأُسِرَ عَمرُو بن الزُّبير فسجنَه أخوه بسجنِ عارم، وكان عَمرو بن الزُّبير قد ضرب جماعةً من أهل المدينة ممَّن اتَّهمهم بالميل إلى أخيه فأقادهم عبد الله منه حتَّى مات عَمرو تحت الضَّرب وهو في السِّجن.

وقد وقع عند أحمد من طريق ابنِ إسحاق عن سعيد المقبري زيادةٌ في أوَّله توضح المقصود وهي لمَّا بعث عَمرو بن سعيد إلى مكَّة بعثه لغزو ابن الزُّبير أتاه أبو شُريح فكلَّمه وأخبره بما سمعَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ خرج إلى نادِي قومه فجلس فيه، فقمتُ إليه فجلستُ معه فحدَّث قومه قال قلتُ له ما هذا؟ إنَّا كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكَّة، فلمَّا كان الغد من يوم الفتح عَدَتْ خُزاعة على رجلٍ من هذيل فقتلته، وهو مشركٌ، فقام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبًا، فذكر الحديث.

وأخرج أحمد أيضًا من طريق الزُّهري عن مسلم بن يزيد اللَّيثي، عن أبي شريح الخزاعي أنَّه سمعه يقول أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتَّى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكَّة، ثمَّ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع السَّيف فلقي الغد رهطٌ منَّا رجلًا من هذيل في الحرم يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان وترهم في الجاهليَّة، فكانوا يطلبونه فقتلوه، فلمَّا بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضبًا أشدَّ منه، فلمَّا صلَّى قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال (( أمَّا بعد فإنَّ الله هو حرَّم مكَّة ) )الحديث.

تنبيه وقع في «السيرة» لابن إسحاق و «مغازي» الواقدي أنَّ المراجعة المذكورة وقعت بين أبي شريح وبين عَمرو بن الزُّبير، فإن كان محفوظًا يحتمل أن يكون أبو شريح راجع الباعث والمبعوث، والله أعلم.

(وَهْوَ يَبْعَثُ الْبعُوُثَ إلَى مَكَّةَ) جملة حاليَّة، والبعوث جمع البعث، وهو الجيش، وهو من تسمية المفعول بالمصدر، والمراد به الجيش المبعوث المجهَّز لقتال عبد الله بن الزُّبير (إئْذَنْ لِي) أصله إأذن بهمزتين فقلبت الثانية ياء لسكونها وانكسار ما قبلها (أيُّهَا الأَمِيرُ) أصله يا أيُّها الأمير، فحُذِفَ حرف النِّداء منه.

ويُستفاد منه

ج 9 ص 2

حسن التلطُّف في مخاطبة السُّلطان ليكون أدعى لقبوله النَّصيحة، وأنَّ السُّلطان لا يخاطب إلَّا بعد استئذانه، ولا سيَّما إذا كان في أمرٍ يعترض به عليه، فتركُ ذلك والتَّغليظُ عليه قد يكون سببًا لإثارة نفسه ومعاندته.

(أُحَدِّثْكَ) بالحزم جواب الأمر (قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جملة في محل النصب على أنَّها صفة لقوله قولًا، وهو نصب على المفعولية لأحدِّثك، وقوله (الغَدَ) بالنصب على الظرفية؛ أي اليوم الثَّاني (مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ) لمكة، وفي رواية بلام الجر (فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ) منه من غير واسطة؛ أي حملته عنه، وذَكَرَ الأذنين للتَّأكيد.

(وَوَعَاهُ قَلْبِي) أي حفظه وهو تحقيقٌ لفهمه وتثبُّته فيه (وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ) زيادة في تحقيق ذلك، وأنَّ سماعه منه ليس اعتمادًا على الصَّوت فقط، بل مع المشاهدة (حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ) أي بذلك القول، ففيه إشارةٌ إلى بيان حفظه له من جميع الوجوه، ويؤخذ من قوله ووعاه قلبي أنَّ العقل محلُّه القلب.

(إِنَّهُ حَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ) بيان لقوله (( تكلَّم ) )، وهمزة إن مكسورة في (( الفرع ) )، ويؤخذ منه استحباب الثَّناء بين يدي تعليم العلم، وتبين الأحكام والخطبة في الأمور المهمَّة، وقد تقدَّم من رواية ابن إسحاق أنَّه قال فيها أمَّا بعد.

(ثُمَّ قَالَ إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ) أي حكم بتحريمها وقضاه، وفيه حجَّة لمن يرى أنَّ الملتجئ إلى مكَّة ممَّن عليه دم لا يقتل فيها؛ لأنَّ معنى تحريم الله إيَّاها أن لا يقاتل أهلها، ويؤمَّن من استجار بها، ولا يتعرَّض له وهو أحد أقوال المفسِّرين في قوله تعالى {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا} [آل عمران 97] وقوله تعالى {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا} [العنكبوت 67] .

وسيأتي بعد باب في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦1834] بلفظ (( هذا بلد حرَّمه الله يوم خلق السَّماوات والأرض ) ).

(وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ) نفي لما كان يعتقده الجاهليَّة وغيرهم من أنَّهم حرَّموا وحلَّلوا من قبل أنفسهم، فإن قيل جاء في حديث أنس رضي الله عنه أنَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام حرَّم مكَّة كما سيجيء في الجهاد إن شاء الله تعالى [خ¦2889] ، وكذا عند مسلم من حديث جابر رضي الله عنه (( أنَّ إبراهيم حرَّم مكَّة، وأنا حرمتُ المدينة ) ).

فالجواب أنَّ إبراهيم عليه السَّلام حرَّم مكَّة بأمر الله لا باجتهاده، فإسناد التَّحريم إلى إبراهيم من حيث إنَّه مبلغه، فإنَّ الحاكم بالشَّرائع والأحكام كلها هو الله تعالى والأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام يبلِّغونها، ثمَّ إنَّها كما تضاف إلى الله تعالى من حيث إنَّه الحاكم بها تضاف إلى الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ لأنَّها تسمع منهم وتظهر على لسانهم،

ج 9 ص 3

فلعلَّه لمَّا رفع البيت المعمور إلى السَّماء وقت الطُّوفان اندرست حرمتها، وصارت شريعة متروكة منسيَّة إلى أن أحياها إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام، فرفع قواعد البيت ودعا النَّاس إلى حجِّه، وحد الحرم وبيَّن حرمته.

وقيل معناه أنَّ الله قضى يوم خلق السَّماوات والأرض أنَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام سيحرِّم مكَّة، وقيل إنَّ إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام أوَّل من أظهرَ تحريمها بين النَّاس، وكانت قبل ذلك عند الله حرامًا.

وقال القرطبيُّ معناه أنَّ الله حرَّم مكَّة ابتداء من غير سببٍ ينسب لأحد، ولا لأحد فيه مدخل قال ولأجل هذا أكَّد المعنى بقوله ولم يحرِّمها النَّاس، والمراد بقوله ولم يحرِّمها النَّاس أن تحريمها ثابت بالشَّرع لا مدخل فيه للعقل، وقيل المراد أنَّها من محرَّمات الله تعالى، فيجب امتثال ذلك، وليس من محرَّمات النَّاس؛ يعني في الجاهليَّة كما حرَّموا أشياء من عند أنفسهم فلا يسوغ الاجتهاد [في تركه] .

وقيل معناه أنَّ حرمتها مستمرَّة من أوَّل الخلق، وليست ممَّا اختصَّت به شريعة النَّبي صلى الله عليه وسلم.

ثمَّ إنَّه هل المراد مطلق التَّحريم فيتناول كلَّ محرماتها أو خصوص ما ذكره بعد من سفك الدَّم، وقطع الشَّجر فيه خلاف.

(فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال ابن دقيق العيد هذا الكلام من باب خطاب التَّهييج، وأنَّ مقتضاه أنَّ استحلال هذا المنهيِّ عنه لا يليق بمن يؤمن بالله واليوم الآخر بل ينافيه، فهذا هو المقتضى لذكر هذا الوصف، لا أنَّ الكفَّار ليسوا مخاطبين بفروع الشَّريعة، ولو قيل لا يحلُّ لأحدٍ مطلقًا لم يحصل منه هذا الغرض، وإن أفاد التَّحريم، وخطاب التَّهييج معلوم عند علماء البيان، ومنه قوله تعالى {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة 23] إلى غير ذلك.

وقال الحافظ العسقلانيُّ فيه تنبيهٌ على الامتثال؛ لأنَّ من آمن بالله لزمته طاعته، ومن آمن باليوم الآخر لزمه امتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه خوف الحساب عليه، وقد تعلَّق به من قال إنَّ الكفَّار غير مخاطبين بفروع الشَّريعة، والصحيح عند الأكثر خلافه، وجوابهم بأنَّ المؤمن هو الَّذي ينقاد للأحكام، وينزجر عن المحرمات فجعل الكلام معه، وليس فيه نفي ذلك عن غيره، وتمامه في الأصول.

(أَنْ يَسْفكَ) بكسر الفاء كما في القراءة ويجوز ضمها؛

ج 9 ص 4

أي يريق (بِهَا دَمًا) واستدلَّ به على تحريم القتل والقتال بمكَّة، وسيأتي البحث فيه بعد باب إن شاء الله تعالى [خ¦1834] (وَلاَ يَعْضُدَ) على صيغة المعلوم، والضَّمير فيه لامرئ؛ أي لا يقطع (بِهَا) أي في مكَّة (شَجَرَةً) قال ابن الجوزي أصحاب الحديث يقولون يعضُد _ بضم الضاد _، وقال لنا ابن الخشَّاب بكسرها، وبالكسر ورد في رواية أبي ذرٍّ.

وفي رواية معمر بن شبَّة (( ولا يخضد ) )بالخاء المعجمة بدل العين المهملة، وهو يرجع إلى معنى يعضد؛ لأنَّ أصل الخضِد الكسر، ويستعمل في القطع، وكلمة لا في (( ولا يعضد ) )زائدة لتأكيد النَّفي.

(فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ) على وزن تفعَّل من الرُّخصة، وهو من قبيل قوله تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} [التوبة 6] أي فإن ترخَّص أحد. وفي رواية ابن أبي ذئب عند أحمد (( فإن ترخَّص مترخِّص ) )وهو المتكلِّف للرُّخصة (( وقال ) )أي ذلك المترخِّص (( أُحِلَّت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنَّ الله أحلها لي ولم يُحلَّها للنَّاس ) )وفي مرسل عطاء بن يزيد، عن سعيد بن منصور (( فلا يستنَّ بي أحد فيقول قَتَل فيها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ) ).

(لِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) متعلِّق بقوله ترخَّص؛ أي لأجل قتال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها؛ يعني إن قال أحد إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل فيها وأنا أقتل أيضًا (فَقُولُوا لَهُ إِنَّ اللَّهَ) عزَّ وجلَّ (أَذِنَ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) خصوصيَّة له (وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ) الله بفتح الهمزة (لِي) بالقتال فيها، ويروى بضم الهمزة على البناء للمفعول.

(سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) قد مضى في كتاب العلم أنَّ مقدار هذه السَّاعة ما بين طلوع الشَّمس وصلاة العصر [خ¦104] ، فكانت مكَّة في حقِّه صلى الله عليه وسلم في تلك السَّاعة بمنزلة الحلِّ، ولفظ الحديث عند أحمد من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه لمَّا فتحت مكَّة قال صلى الله عليه وسلم (( كفُّوا السِّلاح إلَّا خزاعة عن بني بكر ) )فأذن له حتَّى صلَّى العصر، ثمَّ قال (( كفُّوا السِّلاح ) )، فلقي رجلٌ من خزاعة رجلًا من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله، فبلغ ذلك رسول صلى الله عليه وسلم فقام خطيبًا فقال ورأيته مسندًا ظهره إلى الكعبة، فذكر الحديث.

ويستفاد منه أنَّ من قتل ممَّن أذن النَّبي صلى الله عليه وسلم في قتلهم كابن خطل وقع

ج 9 ص 5

في الوقت الذي أبيح للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه القتال، ولا يحمل الحديث على ظاهره حتَّى يحتاج إلى الجواب عن قصَّة ابن خطل.

(وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ) المراد به الزَّمن الحاضر؛ أي عاد الحكم الَّذي في مقابلة إباحة القتال المستفادة من لفظ الإذن وهو التَّحريم (كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ) أي كما كانت بالأمس قبل يوم الفتح حرامًا، ولم يبيِّن غاية الحرمة هنا، وبيَّنها في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما الذي يأتي بعد باب بقوله (( فهو حرام بحرمة الله تعالى إلى يوم القيامة ) ) [خ¦1834] ، وفي رواية ابن أبي ذئب (( ثمَّ هي حرام إلى يوم القيامة ) ).

(وَلْيُبَلِّغِ) من التَّبليغ (الشَّاهِدُ) أي الحاضر (الغَائِبَ) نصب على المفعولية، قال ابن جرير فيه دليلٌ على جواز قبول خبر الواحد؛ لأنَّه معلوم أنَّ كلَّ من شهد الخطبة قد لزمه الإبلاغ، وأنَّه لم يأمرهم بإبلاغ الغائب عنهم إلَّا وهو لازمٌ له فرضٌ العمل بما أُبْلِغَه كالَّذي لزم السَّامع سواء، وإلَّا لم يكن للأمر بالتَّبليغ فائدة.

(فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أعرف اسم القائل، وظاهر رواية ابن إسحاق أنَّه بعض قومه من خزاعة (مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟) أي عمرو بن سعيد المذكور، فقال (قَالَ) عمرو (أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ) المذكور من أنَّ مكَّة حرَّمهما الله إلى قوله فقيل لأبي شريح (مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ) يعني أنَّك قد صحَّ سماعك، ولكنَّك لم تفهم المراد (إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ) بالذال المعجمة؛ أي لا يجير ولا يعصم (عَاصِيًا) يشير إلى عبد الله بن الزُّبير؛ لأنَّ عمرو بن سعيد كان يعتقد أنَّه عاصٍ بامتناعه عن امتثال أمر يزيد، لأنَّه كان يرى وجوب طاعته.

(وَلاَ فَارًّا) بالفاء وتشديد الراء، من الفِرار؛ أي هاربًا (بِدَمٍ) والمراد من وجب عليه حدُّ القتل، ثمَّ هرب إلى مكَّة مستجيرًا بالحرم (وَلاَ فَارًّا بِخرْبَةٍ) بضم الخاء المعجمة وفتحها وسكون الراء؛ أي بسبب خربة، ثمَّ فسَّرها بقوله (وَخُرْبَةٌ بَلِيَّةٌ) وهو تفسيرٌ من الرَّاوي على ما قيل، والظَّاهر أنَّه من المؤلِّف، ففي بعض النُّسخ أي البخاري .

وسبق في (( العلم ) ) [خ¦104] في آخره يعني السرقة. وهي أحد ما قيل في تأويلها، وأصلها سرقة الإبل، ثمَّ استعملت في كلِّ سرقة.

ج 9 ص 6

وعن الخليل الخربة الفساد في الإبل، وقيل العيب، وقيل بضم أوَّله العورة، وقيل الفساد، وبفتحه الفعلة الواحدة من الخرابة، وهي السَّرقة.

وفي «المحكم» الخَربة _ بالفتح _، والخُربة؛ يعني _ بالضم _ والخُرب والخَرب الفساد في الدِّين، والخربة الذلَّة يقال ما لفلان بخربة، قال أبو المعالي المحارب اللِّص، والخرابة اللُّصوصيَّة.

وقال الأصمعيُّ الخارب سارق البعير خاصَّة، والجمع خرَاب، وخرب فلان بإبل فلان يخرب خرابة مثل كَتَب يكْتب كِتَابة، والخربة الفعلة منه، وقال اللِّحياني خرب فلان بإبل فلان يخرب بها خَرْبًا وخُروبًا وخِرابة وخَرابة؛ أي سرقها، كذا حكاه متعدِّيًا بالياء، وقال مرَّة خرب فلان؛ أي صار لصًّا.

وأشار ابن العربيِّ إلى ضبطه _ بكسر الخاء المعجمة وسكون الزاي بدل الراء وبالياء المثناة التحتية بدل الموحدة _ من الخزي. قال الحافظ العسقلانيُّ والمعنى صحيح، لكن لا تساعده الرِّواية، وحكى الكرمانيُّ جِزْية _ بكسر الجيم وسكون الزاي _ وهو بعيدٌ غريب.

ثمَّ ذكر الدَّم والخربة بعد ذكر العصيان من التَّخصيص بعد التَّعميم، وقد وهم من عدَّ كلام عمرو بن سعيد هذا حديثًا، واحتجَّ بما تضمَّنه كلامه وهمًا فاحشًا، وعن هذا قال ابن حزم لا كرامة للطيم الشَّيطان أن يكون أعلم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأراد بلطيم الشَّيطان عمرو بن سعيد، فإنَّه كان يلقَّب به، وأراد بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا شريحٍ العدوي المذكور رضي الله عنه.

وأغرب ابن بطَّال فزعم أنَّ سكوت أبي شريح رضي الله عنه عن جواب عمرو بن سعيد يدلُّ على أنَّه رجع إليه في التَّفصيل المذكور، ويردُّه ما وقع في رواية أحمد في «مسنده» في آخر هذا الحديث قال أبو شريح فقلت لعمرو قد كنت شاهدًا وكنت غائبًا، وقد أمرنا أن يبلِّغ شاهدنا غائبنا، وقد بلَّغتك، فهذا ينادي بأعلى صوته أنَّه لم يوافقه، وإنَّما ترك المشاقَّة معه؛ لعجزه عنه لما كان فيه من قوَّة الشَّوكة.

وقال ابن بطَّال أيضًا ليس قول عمرو جوابًا لأبي شريح؛ لأنَّه لم يختلف معه في أنَّ من أصاب حدًّا في غير الحرم، ثمَّ لجأ إليه أنَّه يجوز إقامة الحدِّ عليه في الحرم، فإنَّ أبا شريح أنكر بعث عمرو الجيش إلى مكَّة، ونصب الحرب عليها، فأحسن في استدلاله بالحديث، وحاد عمرو عن جوابه وأجابه عن غير سؤاله.

واعترض عليه الطِّيبي بأنَّه لم يَحدْ في جوابه، وإنَّما أجاب بما يقتضي القول بالموجب كأنَّه

ج 9 ص 7

قال صحَّ سماعك وحفظك، لكن المعنى المراد بالحديث الَّذي ذكرتُه خلاف ما فهمتَه منه، فإنَّ ذلك الترخُّص كان بسبب الفتح وليس بسبب قتل من استحقَّ القتل خارج الحرم، ثمَّ استجار بالحرم، والَّذي أنا فيه من القبيل الثَّاني.

قال الحافظ العسقلانيُّ لكنَّها دعوى من عمرو بغير دليل؛ لأنَّ ابن الزُّبير لم يجب عليه حدٌّ فعاذ بالحرم فرارًا منه حتَّى يصحَّ جواب عمرو.

نعم؛ كان عمرو يرى وجوب طاعة يزيد الَّذي استنابه، وكان يزيد أمر ابن الزُّبير أن يبايعَ له بالخلافة ويحضر إليه في جامعه، فامتنع ابن الزُّبير وعاذ بالحرم، فكان يقال له بذلك عائذ بالله، وكان عمرو يعتقد أنَّه عاصٍ بامتناعه عن امتثال أمر يزيد، ولهذا صدَّر كلامه بقوله إنَّ الحرم لا يعيذ عاصيًا، ثمَّ ذكر بقيَّة ما ذكره استطرادًا فهذه شبهة عمرو وهي واهية.

وهذه المسألة التي وقع فيها الاختلاف بين أبي شريح وعمرو، فيها اختلاف بين العلماء أيضًا كما سيأتي بعد باب في الكلام على حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما [خ¦1833] .

ومن فوائد الحديث أنَّه لا يجوز قطع أغصان شجر مكَّة الَّتي أنشأها الله فيها ممَّا لا صنع فيه لبني آدم، وإذا لم يجزْ قطع أغصانها فقطع شجرها أولى بالنَّهي، وقام الإجماع كما قال ابنُ المنذر على تحريم قطع شجر الحرم.

واختلفوا فيما يجب على قاطعها فقال مالك لا شيء عليه غير الاستغفار، وهو مذهب عطاء، وبه قال أبو ثور. وذكر الطَّبري عن عمر رضي الله عنه مثل معناه.

وقال الشَّافعي عليه الجزاء في الجميع، المحرمُ في ذلك والحلالُ سواءٌ، في الشَّجرة الكبيرة بقرةٌ، وفي الصَّغيرة شاةٌ، وفي الخشب وما أشبهه فيه قيمته بالغة ما بلغت، واحتجَّ الطَّبري بالقياس على جزاء الصَّيد، وتعقَّبه ابن القصَّار بأنَّه كان يلزمه أن يجعل الجزاء على المحرم إذا قطع شيئًا من شجر الحلِّ، ولا قائل به.

وقال إمامنا أبو حنيفة رحمه الله الواجب في الجميع القيمة، وعنه أنَّه يؤخذ بقيمته هدي.

وقال القرطبيُّ خصَّ الفقهاء الشَّجرَ المنهيَّ عن قطعه بما ينبته الله تعالى من غير صنع آدميٍّ، فأمَّا ما ينبت بمعالجة آدمي فاختلف فيه

فالجمهور على الجواز، وقال الشَّافعي في الجميع الجزاء، ورجَّحه ابن قدامة.

وقال ابن العربي اتَّفقوا على تحريم قطع شجر الحرم إلَّا أنَّ الشَّافعي أجاز قطع السِّواك من فروع الشَّجرة، كذا نقله أبو ثور عنه، وأجاز أيضًا أخذ الورق والثَّمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها، وبهذا قال عطاء ومجاهد وغيرهما، وأجازوا قطع الشَّوك لكونه يؤذي بطبعه فأشبه الفواسق، ومنعه الجمهور بما سيأتي في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بعد باب [خ¦1834] بلفظ (( ولا يعضد شوكه ) )وصحَّحه المتولِّي من الشَّافعية.

وأجابوا بأنَّ القياس المذكور في مقابلة النصِّ فلا معتبر به حتَّى ولو لم يرد النَّص على تحريم الشَّوك لكان في تحريم قطع الشَّجر دليل على تحريم

ج 9 ص 8

قطع الشَّوك؛ لأنَّ غالب شجر الحرم كذلك، ولقيام الفارق أيضًا، فإنَّ الفواسق المذكورة تقصد بالأذى؛ بخلاف الشَّجر.

وقال ابنُ قدامة ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان، وانقطع من الشَّجر بغير صنع آدميٍّ، ولا بما يسقط من الورق، نصَّ عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا. انتهى.

وأجمع كل من يحفظ عنه العلم على إباحة أخذ كلِّ ما ينبته النَّاس في الحرم من البقول والزُّروع والرَّياحين وغيرهما.

وفي «التلويح» واختلفوا في أخذ السِّواك من شجر الحرم، فروِّينا عن مجاهد وعطاء وعمرو بن عمير أنَّهم رخَّصوا في ذلك، ومنها أنَّ الحرم لا يعيذ عاصيًا. وفيه أقوال للعلماء وحججٌ قد ذكر بعضها في كتاب (( العلم ) ) [خ¦104] .

وحكى القرطبي أنَّ ابن الجوزي حكى الإجماع فيمن جنى في الحرم أنَّه يقاد منه، وفيمن جنى خارجه ثمَّ لجأ إليه عن أبي حنيفة وأحمد لا يقام عليه الحد في الحرم، بل لا يجالس ولا يؤوى حتَّى يخرج فيقام عليه، وعن مالك والشَّافعي أنَّه يقام فيه.

ومنها جواز إخبار الرَّجل عن نفسه بما يقتضي ثقته وضبطه لما سمعه ونحو ذلك. ومنها إنكار العالم على الحاكم ما يعيِّره من أمر الدِّين والموعظة بلطف وتدريج. ومنها الاقتصار في الإنكار على اللِّسان إذا لم يستطع باليد. ومنها وقوع التَّأكيد في الكلام البليغ. ومنها جواز المجادلة في الأمور الدِّينية. ومنها جواز النَّسخ. ومنها أنَّ مسائل الاجتهاد لا يكون فيها مجتهد حجَّة على مجتهد. ومنها الخروج عن عهدة التَّبليغ والصَّبر على المكاره لمن لا يستطيع بدًا من ذلك.

وتمسَّك به من قال بأنَّ مكَّة فتحت عنوة، قال النَّووي تأوَّل من قال فتحت صلحًا، بأنَّ القتال كان جائزًا له لو فَعَلَه، لكن لم يحتجْ إليه، وتعقِّب بأنَّه خلاف الواقع. وسيأتي البحث فيه في (( المغازي ) ) [خ¦4280] إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت