1833 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) الزَّمِن، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) الثَّقفي، قال (حَدَّثَنَا خَالِدٌ) الحذَّاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ) يوم خلق السَّموات والأرض (فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي) وفي رواية الكشمهينيِّ
ج 9 ص 9
وفي الباب الذي بعده (( وإنَّه لم يحل القتال فيه لأحد بعدي ) ) [خ¦1834] (وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي) قال ابن بطَّال المراد بقوله (( ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي ) )الإخبار عن الحكم في ذلك لا الإخبار بما سيقع لوقوع خلاف ذلك في الشَّاهد كما وقع من الحجاج وغيره. انتهى.
ومحصَّله أنَّه خبر بمعنى النَّهي بخلاف قوله (( فلم تحل لأحدٍ قبلي ) )، فإنَّه خبرٌ محضٌ، أو معنى قوله (( ولا تحلُّ لأحدٍ بعدي ) )أنَّه لا يحلها الله بعدي؛ لأنَّ النَّسخ ينقطع بعده لكونه خاتم النَّبيين.
(وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي) بضم الهمزة على البناء للمفعول؛ أي أُحِلَّ لي أن أقاتل فيها (سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) من وقت طلوع الشَّمس إلى وقت العصر من يوم الفتح (لاَ يُخْتَلَى) بضم الياء وسكون الخاء، على البناء للمفعول؛ أي لا يُجَزُّ ولا يؤخذ (خَلاَهَا) بفتح المعجمة مقصور، الكلأ الرطب؛ أي لا يقطع كلأها الرَّطب، وكذا لا يقلع يابسه، ويجوز قطعه فلو قلعه لزمه الضمان؛ لأنَّه لو لم يقلعْه لنبت ثانيًا.
وعند مالك لا شيء عليه سوى الاستغفار كما مرَّ [خ¦1832] ، ويجوز رعي حشيشِ الحرم بل وشجرهِ، كما نصَّ عليه في «الأم» بالبهائم؛ لأنَّ الهدايا كانت تساق في عصره صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وما كانت تُسَد أفواهها بالحرم.
وروى الشَّيخان من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أقبلت راكبًا على أتانٍ، فوجدت النَّبي صلى الله عليه وسلم يصلِّي بالنَّاس بمنىً إلى غير جدارٍ، فدخلت في الصفِّ وأرسلت الأتان ترتعُ ومنىً من الحرم، وكذا يجوز قطعه للبهائم والتَّداوي كالحنظلِ، ولا يقطع لذلك إلَّا بقدر الحاجة، كما قاله ابن كجٍّ.
ولا يجوز قطعه للبيع ممَّن يعلف به كما في «المجموع» ؛ لأنَّه كالطَّعام الَّذي أبيح أكله لا يجوز بيعه، وهذا هو مذهب الشَّافعية. وقال مالك والكوفيُّون لا يجوز الرَّعي؛ لأنَّه أشدُّ من الاختلاء والاحتشاش.
(وَلاَ يُعْضَدُ) على البناء للمفعول؛ أي لا يقطع (شَجَرُهَا) وقد تقدَّم حكم قطع الشجر في الباب السابق [خ¦1832] (وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا) على البناء للمفعول أيضًا؛ أي لا يجوز لمحرم ولا حلال فلو نفَّر من الحرم صيدًا فهو في ضمانه وإن لم يقصد تنفيره كأن عثر فهلك بتعثُّره، أو أخذه سبع، أو انصدم بشجرةٍ، أو جبل، ويمتد ضمانه حتى يسكن على عادته، لا إن هلك قبل سكونه بآفة سماويَّة؛ لأنَّه لم يتلفْ في يده ولا بسببه، ولا إن هلك بعده مطلقًا (وَلاَ يُلْتَقَطُ) على البناء للمفعول (لُقَطَتُهَا) بفتح القاف في الفرع، وهو الذي يقوله المحدثون.
ج 9 ص 10
قال القرطبيُّ وهو غلطٌ عند أهل اللِّسان؛ لأنَّه بالسكون ما يلتقط، وبالفتح الأخذ. وقال في «القاموس» واللَّقَط _ محركة _ وكحُزْمَة وهُمَزَة وثُمَامة ما التُقِط. وقال النَّووي اللُّغة المشهورة فتحها، والمعنى لا يحلُّ التقاطها.
(إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ) قال الكرمانيُّ فإن قلت حكم جميع البلاد هذا وهو أنَّه لا يلتقط إلَّا للتَّعريف، وأجاب بأنَّ هذا لمجرَّد التَّعريف؛ أي يعرفها، ثمَّ يحفظها ولا يتملَّكها بعد التَّعريف كسائر اللَّقطات في غيرها من البلاد، بل عليه أن يعرفها أبدًا. وسيجيء مذهب أبي حنيفة فيه في الباب الآتي [خ¦1834] .
قال العينيُّ ويجوز أن يكون (( لا يلتقط ) )على البناء للفاعل، فتكون اللام حينئذٍ في قوله (( لمعرف ) )، زائدة.
(وَقَالَ الْعَبَّاسُ) بن عبد المطَّلب (يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلاَّ الإِذْخِر) بكسر الهمزة والخاء المعجمة بينهما ذال ساكنة، نبتٌ معروفٌ طيِّبُ الرَّائحة، وهو حَلفاء مكَّة، فإنَّه (لِصَاغَتِنَا) جمع صائغ (وَقُبُورِنَا) نمهدها به ونسدُّ به فرج اللَّحد المتخلِّلة بين اللبنات، والمستثنى منه هو قوله (( لا يختلى خلاها ) )؛ أي ليكن هذا استثناء من كلامك يا رسول الله، ومثله يسمَّى الاستثناء التَّلقيني، كما يسمَّى العطف في قوله تعالى {قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي} [البقرة 124] العطفَ التَّلقيني، فيتعلَّق به من يرى انتظام الكلام من متكلِّمين، لكن التَّحقيق في المسألة أنَّ كلًّا من المتكلِّمَين إذا كان ناويًا لما يلفظ به الآخر كان كلٌّ متكلِّمًا بكلام تامٍّ، ولذا لم يكتف صلى الله عليه وسلم بقول العبَّاس إلَّا الإذخر، بل قال هو أيضًا ذلك.
(فَقَالَ إِلاَّ الإِذْخِرَ) قال ذلك إمَّا بوحي بواسطة جبريل نزل بذلك في طرفة عين، واعتقاد أنَّ نزول جبريل عليه السَّلام يحتاج إلى أمدٍ متَّسع وهمٌ وزلل، ويحتمل أنَّ الله تعالى نفث في روعه، وبهذا يندفع ما قاله المهلَّب أنَّ ما ذكر في الحديث من تحريمه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لو كان تحريم من الله ما استبيح منه إذخر، ولا ريب أنَّ كلَّ تحريم وتحليلٍ فإلى الله حقيقة، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، فلا فرق بين إضافة التَّحريم إلى الله تعالى، وإضافته إلى رسوله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه المبلغ، فالتَّحريم إلى الله حكمًا وإلى الرَّسول بلاغًا.
ثمَّ قوله (( إلَّا الإذخر ) )بالنصب على الاستثناء، ويجوز الرفع على البدل لكونه واقعًا بعد النفي لكن المختار كما قاله ابن مالك النصبُ، إمَّا لكون الاستثناء متراخيًا عن المستثنى منه، فتفوت المشاكلة بالبدليَّة، وإمَّا لكون المستثنى عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودًا أولًا.
(وَعَنْ خَالِدٍ) هو عطف على قوله
ج 9 ص 11
حَدَّثنا خالد، عن عكرمة، داخل في الإسناد السَّابق (عَنْ عِكْرِمَةَ) أنَّه (قَالَ) لخالد (هَلْ تَدْرِي مَا لاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟) يعني هل تدري ما الشَّيء الَّذي ينفِّر صيدَها، وما الغرض منه؟ فكلمة ما استفهامية يستفهم بها عن مضمون الجملة التي بعدها (هُوَ) أي التَّنفير، دل عليه قوله (( ينفر ) )من قبيل قوله تعالى {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة 8] .
(أَنْ يُنَحِّيَهُ) من التَّنحية، وهي الإبعادُ، وهي على صيغة الغائب، والضَّمير للمنفِّر الَّذي يدل عليه لفظ ينفَّر (مِنَ الظِّلِّ يَنْزِلُ) على صيغة الغائب أيضًا (مَكَانَهُ) أي مكان الصَّيد، وفي رواية أبي الوقت بالخطاب فيهما، وقوله (( ينزل ) )، بالوجهين جملة وقعت حالًا، قيل نبَّه عكرمة بذلك على المنع من الإتلاف وسائر أنواع الأذى، وهو تنبيهٌ بالأدنى على الأعلى، كما في قوله تعالى {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء 23] ، فإذا كان الشَّخص ممنوعًا عن القول بأفٍّ لوالديه فمنعه عن سبِّهما وضربهما بطريق الأولى.
وقد خالف في ذلك عطاء ومجاهد عكرمة فإنَّهما قالا لا بأس بطرده ما لم يفض إلى قتله، رواه ابن أبي شيبة. وروى أيضًا من طريق الحكم عن شيخ من أهل مكَّة أنَّ حمامًا كان على البيت فذرق على يد عمر رضي الله عنه، فأشار عمر رضي الله عنه بيده فطار، ووقع على بعض بيوت مكَّة فجاءت حيَّة فأكلته، فحكم عمر رضي الله عنه على نفسه بشاة، وروي من طريق أخرى عن عثمان رضي الله عنه نحوه.
وقد مرَّ ما يتعلَّق بالصيد في الحرم في باب (( جزاء الصَّيد ) )مفصلًا [خ¦1821] .