فهرس الكتاب

الصفحة 2874 من 11127

1834 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عثمان بن محمَّد بن أبي شيبة، واسمه إبراهيم بن عثمان أبو الحسن العبسي الكُوفي، وهو أكبر من أخيه أبي بكر ابن أبي شيبة بثلاث سنين، مات في محرَّم سنة تسع وثلاثين ومائتين، قال (حَدَّثَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد.

(عَنْ مَنْصُوْرٍ) هو ابنُ المعتمر (عَنْ مُجَاهِدٍ) هو ابنُ جبر المفسِّر (عَنْ طَاوُسٍ) كذا رواه منصور موصولًا، وخالفه الأعمش فرواه عن مجاهد عن النَّبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا، وأخرجه سعيد بن منصور عن أبي معاوية عنه، وأخرجه أيضًا عن سفيان عن داود بن شابور عن مجاهد مرسلًا، ومنصور ثقة حافظ، فالحكم لوصله.

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ) سنة ثمان من الهجرة، ويوم منصوب ظرف لقال، ومقول قال قوله (لاَ هِجْرَةَ) من مكَّة إلى المدينة بعد الفتح؛ لأنَّها صارت دار إسلام.

وفي كتاب (( الجهاد ) )عن عليِّ بن المدينيِّ في روايته عن جرير [1] [خ¦2783] (( لا هجرة بعد الفتح ) )، وزاد فيه [2] والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة، ولم يبق هجرة من مكَّة بعد أن صارت دار الإسلام. وهذا يتضمَّن معجزةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأنَّها تبقى دار إسلامٍ لا يتصوَّر منها الهجرة بعد.

(وَلَكِنْ جِهَادٌ) أي ولكن لكم طريق إلى تحصيل الفضائل التي في معنى الهجرة وذلك بالجهاد (وَنِيَّةٌ) صالحةٌ في الخير تحصلون بها أيضًا الفضائل التي في معنى الهجرة المفروضة لمفارقة الفريق الباطل، ولإعلاء كلمة الله، وإظهار دينه من لقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وزيارته بعد رحلته، وتحصيل علوم الشَّرائع والدِّين، وصلة الرَّحم وحفظ الدِّين ونحو ذلك، وارتفاعُ (( جهاد ) )على الابتداء، وخبره محذوف مقدَّر مقدمًا عليه، كما أشرنا إليه.

ج 9 ص 13

قال أبو عبد الله الأبِّي اختُلِفَ في أصول الفقه في مثل هذا التَّركيب؛ يعني قوله (( لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونية ) )هل هو لنفي الحقيقة، أو لنفي صفة من صفاتها كالوجوب وغيره، فإن كان لنفي الوجوب فهو يدلُّ على وجوب الجهاد على الأعيان؛ لأنَّ المستدرك هو المنفي، والمنفيُّ وجوب الهجرة على الأعيان، فيكون المستدرك وجوب الجهاد على الأعيان، وإن كان المنفيُّ في هذا التَّركيب الحقيقة. فالمعنى أنَّ الهجرة بعد الفتح ليست بهجرة، وإنَّما المطلوب الجهاد الطَّلب الأعمُّ من كونه على الأعيان أو على الكفاية قال والمذهب أنَّ الجهاد اليوم فرض كفاية إلَّا أن يعيِّن الإمام طائفة فيكون عليهم فرض عين. انتهى.

وقال الطِّيبي في «شرح المشكاة» قوله (( ولكن جهادٌ ونيَّة ) )، عطف على محل مدخول لا، والمعنى أنَّ الهجرة من الأوطان إمَّا الهجرة إلى المدينة للفرار من الكفَّار، ونصرة الرَّسول صلى الله عليه وسلم، وإمَّا إلى الجهاد في سبيل الله، وإمَّا إلى غير ذلك من تحصيل الفضائل كطلب العلم، فانقطعت الأولى وبقيت الأخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما.

(وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ) بضم التاء على البناء للمفعول (فَانْفِرُوا) بهمزة وصل مع كسر الفاء؛ أي إذا دعاكم الإمام إلى الخروج إلى الغزو فاخرجوا إليه (فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ) الفاء فيه جواب شرطٍ محذوف تقديره إذا علمتم ذلك فاعلموا أنَّ هذا البلد حرام (حَرَّمَ اللَّهُ) عزَّ وجلَّ، بحذف الهاء، وفي رواية الكشميهنيِّ .

(يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) فتحريمه أمرٌ قديم، وشريعةٌ سالفةٌ مستمرَّة، وحكمه تعالى قديمٌ لا يتقيَّد بزمان فهو تمثيل في تحريمه بأقرب متصوَّر لعموم البشر إذ ليس كلهم يفهم معنى تحريمه في الأزل، وليس تحريمه ممَّا أحدث النَّاس كما سبق الكلام فيه في الباب الذي قبل الباب السَّابق [خ¦1832] .

(وَهُوَ حَرَامٌ) بواو العطف (بِحُرْمَةِ اللَّهِ) أي بتحريمه، وهذا تأكيدٌ للتَّحريم، وقيل الحرمة الحق؛ أي حرامٌ بالحقِّ المانع من تحليله (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي) بلم الجازمة في رواية الكشميهني،

ج 9 ص 14

وفي رواية غيره والأوَّل أنسب بقوله قبلي (وَلَمْ يَحِلَّ لِي) القتال فيه (إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) خصوصية لي، قيل ولا دَلالة فيه على أنَّه صلى الله عليه وسلم قاتل فيه وأخذه عنوة، فإنَّ حِلَّ الشَّيء لا يستلزم وقوعه. نعم؛ ظاهره تحريم القتال بمكة.

(فَهُوَ) أي البلد (حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي بتحريمه، والفاء فيه جزاء شرط محذوف تقديره إذا كان الله كتب في اللَّوح المحفوظ تحريمه، ثمَّ أمر خليله عليه الصَّلاة والسَّلام بتبليغه وإنهائه، فأنا أيضًا أبلِّغ ذلك وأنهيه إليكم، وأقول فهو حرامٌ بحرمة الله. وقوله (( فهو حرامٌ بحرمة الله ) )بعد ما قال (( وهو حرام بحرمة الله ) )؛ لينيط به غير ما أناط به أولًا من قوله (لاَ يُعْضَدُ) أي لا يقطع على البناء للمفعول (شَوْكُهُ) أي ولا شجره بطريق الأولى، نعم؛ قالوا لا بأس بقطع المؤذي من الشَّوك كالعوسج قياسًا على الحيوان المؤذي، وقد مرَّ البحث فيه في حديث أبي شريح رضي الله عنه [خ¦1832] .

(وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ) تقدَّم البحث فيه [خ¦1833] (وَلاَ يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ) بفتح القاف في الرِّواية، وقد سبق فيما سبق [خ¦1833] أنَّ الصَّواب هو السكون وقوله يلتقط على البناء للفاعل وفاعله قوله (إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا) أبدًا، ولا يمتلكها كما يمتلكها في غيرها من البلاد، وهذا مذهب الشَّافعية، وهو رأي متأخِّري المالكيَّة فيما ذكره صاحب «تحصيل المرام» من المالكيَّة، والصَّحيح من مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد أنَّ لا خصوصيَّة للقطتها، والظَّاهر هو الأوَّل؛ لأنَّ الكلام ورد مورد الفضائل المختصَّة بها لتحريم صيدها وقطع شجرها، وإذا سوَّى بين لقطة الحرم ولقطة غيره من البلاد بقي ذكر اللُّقطة في هذا الحديث خاليًا عن الفائدة فافهم (وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا) بالقصر.

وذكر ابن المنيِّر أنَّه وقع في رواية القابسي بالمدِّ؛ أي ولا يقطع نباتها الرَّطب. وقال الزَّمخشري في «الفائق» وحقُّ خلاها أن يكتب بالياء وتثنيته خليان انتهى. لأنَّه مِن (( خليت ) )بالياء، وأمَّا النَّبات اليابس فيسمَّى حشيشًا.

لكن حكى البطليوسيُّ عن أبي حاتم أنَّه سأل أبا عبيدة عن الحشيش فقال يكون في الرَّطب واليابس، وحكاه الأزهريُّ أيضًا، واستدلَّ به على تحريم رعيه؛ لكونه أشدُّ من الاختلاء والاحتشاش، وبه قال مالك والكوفيُّون واختاره الطَّبري.

وقال الشَّافعي لا بأس بالرَّعي لمصلحة البهائم وهو عمل النَّاس؛ بخلاف الاحتشاش

ج 9 ص 15

فإنَّه المنهيُّ عنه فلا يتعدَّى ذلك إلى غيره، وفي تخصيص التَّحريم بالرطب إشارة إلى جواز رعي اليابس واختلائه وهو أصحُّ الوجهين للشَّافعية؛ لأنَّ النبت اليابس كالصَّيد الميِّت.

وقال ابن قدامة لكن في استثناء الإذخر إشارةٌ إلى تحريم اليابس من الحشيش، ويدلُّ عليه أن في بعض طرق حديث أبي هريرة رضي الله عنه ولا يحتشُّ حشيشها، قال وأجمعوا على إباحة ما استنبته النَّاس في الحرم من بقل وزرع ومشمومٍ فلا بأس برعيه واختلائه.

(قَالَ الْعَبَّاسُ) هو ابنُ عبد المطَّلب رضي الله عنه، كما وقع كذلك في المغازي من وجهٍ آخر [خ¦4313] (يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِلاَّ الإِذْخِر) بالنصب ويجوز الرفع على البدليَّة، وسبق ما يتعلَّق به في الباب السَّابق [خ¦1833] ، والإذخر نبتٌ معروفٌ عند أهل مكَّة طيِّب الرَّائحة له أصل متدقِّق وقضبان دقاق ينبت في السَّهل والحزن، وبالمغرب صنف منه فيما قاله ابن البيطار قال والَّذي بمكَّة أجوده، وأهل مكَّة يسقفون به البيوت بين الخشب ويسدُّون به الخلل بين اللَّبنات في القبور، ويستعملونه بدلًا من الحَلْفاء في الوقود، ولهذا قال ابن عبَّاس رضي الله عنهما

(فَإِنَّهُ) أي الإذخر (لِقَيْنِهِمْ) بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها نون؛ أي لحدادهم، وقال الطَّبري القين عند العرب كلُّ ذي صناعةٍ يعالجها بنفسه، ومعناه يحتاج إليه القين في وقود النار.

(وَلِبُيُوتِهِمْ) يسقفون بيوتهم حيث يجعلونه فوق الخشب، وقال التَّيمي معناه يوقدونه في بيوتهم كالحَلْفاء، ووقع في رواية (( المغازي ) ) [خ¦4313] (( فإنَّه لابدَّ منه للقين والبيوت ) )، وفي الرِّواية التي في الباب قبله [خ¦1833] (( فإنَّه لصاغتنا وقبورنا ) )، ووقع في مرسل مجاهد عند عمر بن شبَّة الجمعُ بين الثَّلاثة، ووقع عنده أيضًا فقال العبَّاس يا رسول الله؛ إنَّ أهل مكَّة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم.

وهذا يدلُّ على أنَّ الاستثناء في حديث الباب لم يرد به أن يستثني هو، وإنَّما أراد به أن يلقِّن النَّبي صلى الله عليه وسلم الاستثناء، فلذلك استثنى صلى الله عليه وسلم و (قَالَ) صلى الله عليه سلم (إِلاَّ الإِذْخِر) وفي رواية وهو استثناء بعضٍ من كلٍّ، لدخول الإذخر في عموم ما يختلى، واستُدِلَّ به على جواز الفصل بين المستثنى والمستثنى منه، ومذهب الجمهور اشتراط الاتِّصال إمَّا لفظًا وإمَّا حكمًا كجواز الفصل بالتنفُّس مثلًا، وقد اشتهر عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما

ج 9 ص 16

الجواز مطلقًا، ويمكن أن يحتجَّ له بظاهر هذه القصَّة.

وأجاب عنه الجمهور بأنَّ هذا الاستثناء في حكم المتَّصل لاحتمال أن يكون النَّبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يقول إلَّا الإذخر فشغله العبَّاس بكلامه فوصل كلامه بكلام نفسه فقال إلَّا الإذخر، وقد قال ابن مالك يجوز الفصل مع إضمار الاستثناء متَّصلًا بالمستثنى منه، وقد تقدَّم [خ¦1833] أنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( إلا الإذخر ) )كان إمَّا بوحي أو اجتهاد، فقد اختلف فيه فقيل كان الله تعالى فرض له الحكم في هذه المسألة مطلقًا، وقيل أوحى الله إليه قبل ذلك أنَّه إن طلب أحد استثناء شيء من ذلك فأجب سؤاله، وقال الطَّبري ساغ للعبَّاس رضي الله عنه أن يستثني الإذخر؛ لأنَّه احتمل عنده أن يكون المراد بتحريم مكَّة تحريم القتال دون ما ذكر من تحريم الاختلاء، فإنَّه من تحريم الرَّسول باجتهاده، فساغ له أن يسأل استثناء الإذخر، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الرَّسول صلى الله عليه وسلم كان له أن يجتهد في الأحكام، وليس ما قاله بلازم، بل في تقريره صلى الله عليه وسلم للعبَّاس على ذلك دليلٌ على جواز تخصيص العام.

وحكى ابن بطَّال عن المهلب أنَّ الاستثناء هنا للضَّرورة كتحليل أكل الميتة عند الضَّرورة، وقد بيَّن العبَّاس رضي الله عنه ذلك بأنَّ الإذخر لا غنى لأهل مكَّة عنه.

وتعقَّبه ابن المُنيِّر بأنَّ الذي يباح للضَّرورة يشترط حصولها فيه، فلو كان الإذخر مثل الميتة لامتنع استعماله إلَّا فيمن تحقَّقت ضرورته إليه، والإجماع على أنَّه مباح مطلقًا بغير قيد الضَّرورة. انتهى. ويحتمل أن يكون مراد المهلب أنَّ أصل إباحته كانت الضَّرورة سببها، لا أنَّه يريد أنه مقيَّدٌ بها.

قال ابن المُنيِّر والحقُّ أنَّ سؤال العبَّاس رضي الله عنه كان على معنى الضَّراعة، وترخيصُ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان تبليغًا عن الله عزَّ وجلَّ، إمَّا بطريق الإلهام أو بطريق الوحي، ومن ادَّعى أنَّ نزول الوحي يحتاج إلى أمد متَّسع فقد توهَّم كما تقدَّم [خ¦1833] ، والله أعلم.

ومن فوائد الحديث جواز مراجعة العالم في المصالح الشَّرعية، والمبادرة إلى ذلك في المجامع والمشاهد، ومنها عظيم منزلة العبَّاس عند النَّبي صلى الله عليه وسلم. ومنها عنايته بأمر مكَّة لكونه كان أصله منها ومنشؤه. ومنها رفع وجوب الهجرة عن مكَّة

ج 9 ص 17

إلى المدينة، وإبقاء حكمها من بلاد الكفر إلى يوم القيامة. ومنها أنَّه يشترط الإخلاص للجهاد ولكلِّ نيَّة فيها خير. ومنها وجوب النَّفير مع الأئمَّة. قيل ومنها جواز النَّسخ قبل الفعل وليس بواضح.

ثمَّ إنَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في الجزية [خ¦3189] ، والجهاد أيضًا [خ¦2783] ، وأخرجه مسلم في الحجِّ والجهاد، وأبو داود في الحجِّ والجهاد، والتِّرمذي في السِّير، والنَّسائي فيه وفي البيعة والحج أيضًا.

تكميل قد استدلَّ بحديث الباب على تحريم القتل والقتال فيهما، فأمَّا القتل فقد سبق [خ¦1834] أنَّه نقل بعضهم الاتِّفاق على إقامة جواز حدِّ القتل على من أوقعه فيها، وخصَّ الخلاف بمن قتل في الحلِّ، ثمَّ لجأ إلى الحرم، وممَّن نقل الإجماع على ذلك ابن الجوزي، واحتجَّ بعضهم بقتل ابن خطل فيها، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّ ذلك كان في الوقت الذي أحلَّت للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كما تقدَّم في شرح هذا الحديث.

وزعم ابن حزم أنَّ مقتضى قول ابن عمر وابن عبَّاس وغيرهما رضي الله عنهم أنَّه لا يجوز القتل فيها مطلقًا، ونقل التَّفصيل عن مجاهد وعطاء. وقال أبو حنيفة لا يقتل في الحرم حتَّى يخرج إلى الحلِّ باختياره، لكن لا يجالس ولا يكلَّم، ويُوعظ ويذكَّر حتى يخرج. وقال أبو يوسف يخرج مضطرًا إلى الحلِّ، وفعله ابن الزُّبير.

وروى ابن أبي شيبة من طريق طاوس عن ابن عبَّاس رضي الله عنه قال من أصاب حدًّا ثمَّ دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع. وعن مالك والشَّافعي يجوز إقامة الحدِّ مطلقًا فيها؛ لأنَّ العاصي هتك حرمةَ نفسه، فأبطلَ ما جعل الله له من الأمن.

وأمَّا القتال فقال الماورديُّ من خصائص مكَّة أن لا يحارب أهلها، فلو بغوا على أهل العدل، فإن أمكن ردَّهم بغير قتال لم يجزْ، وإن لم يمكن إلَّا بالقتال فقال الجمهور يقاتلون؛ لأنَّ قتال البغاة من حقوق الله تعالى فلا يجوزُ إضاعتها. وقال آخرون لا يجوز قتالهم، بل يضيِّقُ عليهم إلى أن يرجعوا إلى الطَّاعة.

قال النَّووي والأوَّل نصَّ عليه الشَّافعي، وأجاب أصحابه عن الحديث بحمله على تحريمِ نصب القتال بما يعمُّ أذاه كالمنجنيق؛ بخلاف ما لو تحصَّن الكفَّار في بلد، فإنَّه يجوز قتالهم على كلِّ وجه.

وعن الشَّافعي قول آخر بالتَّحريم اختاره القفَّال، وجزم به في «شرح التَّلخيص» وقال به جماعةٌ من علماء الشَّافعية والمالكيَّة.

قال الطَّبري من أتى حدًّا في الحلِّ واستجار بالحرم فللإمام

ج 9 ص 18

إلجاؤه إلى الخروج منه، وليس للإمام أن ينصب عليه الحرب، بل يحاصره ويضيِّق عليه حتَّى يذعن للطَّاعة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( وإنَّما أحلَّت لي ساعة من نهار ) ) [خ¦1833] ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فعلم أنَّها لا تحلُّ لأحد بالمعنى الَّذي أُحِلَّت له به؛ محاربة أهلها والقتل فيها، ومال ابن العربيِّ إلى هذا.

وقال ابن المُنيِّر قد أكَّد النبيُّ التَّحريم بقوله حرَّمه الله، ثمَّ قال فهو حرامٌ بحرمة الله، ثمَّ قال ولم تحلَّ لي إلَّا ساعةً من نهار، وكان إذا أراد التَّأكيد ذكر الشَّيء ثلاثًا، قال فهذا نصٌّ لا يحتمل التَّأويل.

وقال القرطبيُّ ظاهر هذا الحديث يقتضي تخصيصَه صلى الله عليه وسلم بالقتال لاعتذاره عمَّا أبيح له من ذلك مع أنَّ أهل مكَّة كانوا إذ ذاك مستحقِّين للقتل والقتال لصدِّهم عن المسجد الحرام، وإخراجهم أهله منه وكفرهم، وهذا هو الَّذي فهمه أبو شُريح رضي الله عنه كما تقدَّم [خ¦1832] ، وقال به غير واحد من أهل العلم.

وقال ابنُ دقيق العيد يتأكَّد القول بالتَّحريم بأنَّ الحديث دلَّ على أنَّ المأذون للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيه لم يؤذن لغيره، والَّذي وقع له إنَّما هو مطلق القتال لا القتال الخاصُّ بما يعم كالمنجنيق، فكيف يسوغ التَّأويل المذكور؟ وأيضًا فسياق الحديث يدلُّ على أنَّ التحريم لإظهار حرمة البقعة بتحريم سفك الدِّماء فيها، وذلك لا يختصُّ بما يستأصل، واستدلَّ به على اشتراط الإحرام على من دخل الحرم.

قال القرطبيُّ معنى قوله حرَّمه الله؛ أي حرَّم على غير المحرم دخوله حتَّى يُحرِم، ويجري هذا مجرى قوله تعالى {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} أي وطئهنَّ {وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} [النساء 23] أي أكلها، فعرف الاستعمال يدلُّ على نفس المحذوف، قال وقد دلَّ على صحَّة هذا المعنى اعتذاره عن دخوله مكَّة غير محرم مقابلًا بقوله (( ولم تحلَّ لي إلَّا ساعة من نهار ) )الحديثَ، قال وبهذا أخذ مالك والشَّافعي في أحد قوليهما، ومن تبعهما في ذلك فقالوا لا يجوز لأحدٍ أن يدخل مكَّة إلَّا محرمًا إلَّا إن كان ممَّن يُكثِرُ التِّكرار، والله أعلم.

[1] رواية ابن المديني هنا عن يحيى بن سعيد لا عن جرير كما قال المؤلف.

[2] هذه عبارة القسطلاني، ولم تقع هذه الزيادة في نسخ الصحيح التي بين أيدينا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت