فهرس الكتاب

الصفحة 2879 من 11127

1837 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ) بضم الميم (عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ) الحمصي، مات سنة ثنتي عشرة ومائتين، قال (حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ) عبد الرَّحمن ابن عمرو قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ) بنت الحارث الهلاليَّة.

(وَهُوَ مُحْرِمٌ) بعمرة سنة تسع، وهذا هو المشهور عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وصحَّ نحوه عن عائشة رضي الله عنها. أخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» ، والبيهقي في «سننه» من رواية أبي عوانة، عن أبي الضُّحى عن مسروق، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم تزوَّج وهو محرمٌ.

وأخرجه الطَّحاوي أيضًا ولفظه تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض نسائه وهو محرمٌ، وأبو عَوانة الوضَّاح وأبو الضُّحى مسلم بن صبيح، وكذا عن أبي هريرة رضي الله عنه رواه الطَّحاوي من رواية كامل أبي العلاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونةَ وهو محرمٌ.

واحتجَّ بهذا الحديث إبراهيم النَّخعي والثَّوري وعطاء بن أبي رباح والحكم بن عتيبة وحمَّاد بن أبي سليمان وعكرمة ومسروق وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمَّد وقالوا لا بأس للمحرم أن ينكحَ، ولكنَّه لا يدخل بها حتَّى يحلَّ، وهو قول ابن عبَّاس وابن مسعود رضي الله عنهم.

وقال سعيد بن المسيِّب وسالم والقاسم وسليمان بن يسار واللَّيث والأوزاعي ومالك والشَّافعي وأحمد وإسحاق لا يجوزُ للمحرم أن يَنكِحَ ولا يُنكِحَ غيره، فإن فعل ذلك فالنِّكاح باطلٌ، وهو قول عمر وعلي رضي الله عنهما.

واحتجُّوا في ذلك بما رواه مسلم

ج 9 ص 25

حدَّثنا يحيى بن يحيى، قال قرأت على مالك عن نافع، عن نُبَيه بن وهب أنَّ عمر بن عبيد الله أراد أن يزوِّج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك وهو أمير الحاج، فقال أبان سمعت عثمان بن عفَّان رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يَنْكِح المُحْرم ولا يُنْكِح ولا يَخْطُب ) ). وأخرجه أبو داود أيضًا عن القعنبيِّ عن مالك. إلى آخره.

فقوله ولا يُنكِح _ بضم الياء وكسر الكاف _، من الإنكاح، ومعناه لا ينكح غيره؛ أي لا يعقد على غيره، ووجهه أنَّه لما كان ممنوعًا من نكاح نفسه مدَّة الإحرام كان معزولًا تلك المدَّة أن يعقدَ لغيره، وشابَهَ المرأة التي لا تعقد على نفسها وعلى غيرها، وقوله (( ولا يخطب ) )لما في الخطبة من التعرُّض للنِّكاح.

ثمَّ قالوا لأهل المقالة الأولى من يتابعكم أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونة وهو محرمٌ؟! وهذا أبو رافع وميمونة يذكران أنَّ ذلك كان منه وهو حلالٌ، فذكروا ما رواه التِّرمذي بإسناده إلى سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال تزوَّج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلالٌ، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرَّسول فيما بينهما.

وحديث مسلم بإسناده إلى يزيد بن الأصم قال حدَّثتني ميمونة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوَّجها وهو حلالٌ، وكانت خالتي وخالة ابن عبَّاس رضي الله عنهم.

وأخرجه التِّرمذي أيضًا وفي آخره وبنى بها حلالًا، وماتت بسرف ودفنها في الظلَّة التي بنى فيها.

وأجاب أهل المقالة الأولى عن ذلك بأنَّ في حديث أبي رافع مطرًا الورَّاق وهو عندهم ليس ممَّن يحتجُّ بحديثه، وقد رواه مالك وهو أضبطُ منه وأحفظ فقطعه.

وقال التِّرمذي وهذا حديثٌ حسنٌ، ولا نعلم أحدًا أسنده غير حمَّاد بن زيد عن مطر الورَّاق عن ربيعة، ورواه مالك بن أنس عن ربيعة عن سليمان بن يسار أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونة وهو حلالٌ. رواه مالك مرسلًا قال ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا.

وقال أبو عمر حديث مالك عن ربيعة في هذا الباب غير متَّصل، وقد رواه مطر الورَّاق فوصله، رواه حمَّاد بن زيد عن مطر الورَّاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، وهذا

ج 9 ص 26

عندي غلطٌ من مطر؛ لأنَّ سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة تسع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان رضي الله عنه بيسير، وكان قتل عثمان رضي الله عنه في ذي الحجَّة سنة خمس وثلاثين، فغير جائزٍ ولا ممكنٌ أن يسمعَ سليمان من أبي رافع فلا معنى لرواية مطر، وما رواه مالك أولى.

والعجب من البيهقيِّ يعرفُ هذا المقدار في هذا الحديث، ثمَّ يسكت عنه ويقول مطرُ بن طهمان الورَّاق قد احتجَّ به مسلم بن الحجَّاج، ولئن سلَّمنا ذلك فهو ليس كرواة حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما ولا قريبًا منهم، وقد قال النَّسائي مطر ليس بالقويِّ، وعن أحمد كان في حفظه سوء.

وأجابوا عن حديث ميمونة رضي الله عنها بأنَّ عمرو بن دينار قد ضعَّف يزيد بن الأصم في خطابه للزُّهري، وترك الزُّهري الإنكار عليه، وأخرجه من أهل العلم، وجعله أعرابيًّا بوَّالًا على عقبيه، وهم يضعِّفون الرَّجل بأقل من هذا الكلام، وبكلام من هو أقل من عمرو بن دينار والزُّهري، ومع هذا فالَّذين رووا أنَّه صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونة رضي الله عنها وهو محرم نحو سعيد بن جبير وعطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وجابر بن زيد أعلى وأثبت من الَّذين رووا أنَّه تزوَّجها وهو حلالٌ.

فإن قيل قد قال قوم ممن ردَّ حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما على تسليم صحَّته إن معنى تزوَّجها وهو محرم؛ أي داخلٌ في الحرم وهو حلال؛ لأنَّه يقال لمن هو في الحرم محرم وإن كان حلالًا، وهي لغةٌ شائعة معروفة. ومنه البيت المشهور

~قَتلُوا ابنَ عفَّان الخليفَةَ مُحرِمًا

فالجواب أنَّه خلاف الظَّاهر المتبادر، وقد أجمعوا على أنَّ كسرى قتل بالمدائن من بلاد فارس. وقد قال الشَّاعر

~قتلُوا كِسْرى بليلٍ مُحرمًا

أَفَتَراه كان يسكن الحرم، وأحرم بالحجِّ.

فإن قيل قال بعض الشَّافعية إنَّ هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم وهو أصحُّ الوجهين عندهم؛ فالجواب أنَّ دعوى التَّخصيص تحتاج إلى دليل.

فإن قيل يحتمل أنَّه زوَّجها حلالًا، وظهر أمر تزويجها وهو محرم.

فالجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم قدم مكَّة محرمًا لا حلالًا إجماعًا، فكيف يتصوَّر ذلك، والله أعلم.

وقال المجوِّزون أيضًا إنَّ المحرم يجوز له أن يشتريَ الجارية للوطءِ، فكما يجوز له ذلك يجوز له أن ينكح، وتعقِّب بأنَّه قياس في معارضة السنَّة فلا معتبر به، وفيه نظر؛ فإنَّه ليس بقياس صرفٍ، بل قياس مؤيَّد بالسنَّة كما عرفت فهو معتبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت