فهرس الكتاب

الصفحة 2884 من 11127

1840 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ) العدويِّ المدنيِّ مولى عمر رضي الله عنه (عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ) بضم الحاء وفتح النون، مولى العبَّاس بن عبد المطلب المدني وقوله عن زيد بن أسلم عن إبراهيم، كذا في جميع (( الموطآت ) ).

وأغرب يحيى بن يحيى الأندلسي فأدخل بين زيد وإبراهيم نافعًا، قال ابنُ عبد البر وذلك معدودٌ من خطئه.

وفي رواية عيينة عن زيد أخبرني إبراهيم، أخرجه أحمد وإسحاق والحميديُّ في «مسانيدهم» عنه، وفي رواية ابن جُريج عند أحمد، عن زيد بن أسلم أنَّ إبراهيم بن عبد الله بن حنين مولى ابن عبَّاس رضي الله عنهما أخبره، كذا قال مولى ابن عبَّاس.

وقد اختلف في ذلك والمشهور أنَّ حنينًا كان مولى العبَّاس وهبه له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فأولاده موالي أبيه.

(عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن حنين، المتوفى في خلافة يزيد بن عبد الملك في أوائل المائة الثانية (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ) رضي الله عنهما كذا بالألف واللام هنا (وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ) بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو وبالراء، ومخرمة بفتح الميمين بينهما خاء معجمة ساكنة، ابن نوفل القرشي له ولأبيه صحبة.

وفي رواية ابن جريج عند أبي عَوانة كنت مع ابن عبَّاس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم.

(اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ) بفتح الهمزة وسكون الموحدة، موضع قريبٌ من مكَّة؛ أي اختلفا وهما نازلان بالأبواء، والباء بمعنى (( في ) )، وفي رواية أبي عَوانة بالعَرْج، وهو بفتح العين المهملة وسكون الراء، قريةٌ جامعةٌ قريبةٌ من الأبواء.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما بإسقاط الألف واللام هنا (يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ لاَ يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ) قال عبد الله بن حنين (فَأَرْسَلَنِي ابْنُ الْعَبَّاسِ) بإثبات اللام (إِلَى أَبِي أَيُّوبَ) خالد بن زيد بن زيد بن كليب (الأَنْصَارِيِّ) رضي الله عنه، وزاد ابن جريج فقال قل له يقرئك السلام ابن أخيك عبد الله بن عبَّاس ويسألك (فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) أي بين قرني البئر، وكذا هو لبعض رواة «الموطأ» ،

ج 9 ص 37

وكذا في رواية ابن عيينة، والقرنان هما جانبا البناء الَّذي على رأس البئر يجعل عليهما خشبة تعلَّق بها البكرة.

(وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ) على البناء للمفعول (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ) بإثبات اللام (أَسْأَلُكَ) وفي رواية أبي ذر ، وفي رواية ابن جريج (( فقال قل له يقرأ عليك السلام ابن أخيك عبد الله بن عبَّاس يسألك ) ) (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟) قال ابن عبد البرِّ الظَّاهر أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان عنده في ذلك نصٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أخذه عن أبي أيُّوب رضي الله عنه أو غيره، ولهذا قال عبد الله بن حنين لأبي أيوب يسألك كيف كان يغسل رأسه؟ ولم يقل هل كان يغسل رأسه أوْ لا على حسب ما وقع فيه اختلاف ابن عبَّاس والمسور بن مخرمة رضي الله عنهم.

ويحتمل أن يكون عبد الله بن حنين تصرف في السُّؤال لفطنته كأنه لما قال له سله هل يغتسل المحرم أوْ لا؟ فجاءه فوجده يغتسل فهم من ذلك أنَّه يغتسل فأحبَّ أن لا يرجع إلَّا بفائدةٍ فسأله عن كيفيَّة الغسل، وكأنَّه خصَّ الرَّأس بالسؤال؛ لأنَّه موضع الإشكال في هذه المسألة؛ لأنَّه محلُّ الشَّعر الذي يخشى انتتافه، بخلاف بقيَّة البدن غالبًا.

(فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ) رضي الله عنه (يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ) الَّذي ستر به (فَطَأْطَأَهُ) أي خفضه وأزاله عن رأسه، وفي رواية ابن عيينة (( جمع ثيابه إلى صدره حتى نظرت إليه ) ).

(حَتَّى بَدَا لِي) بغير همز؛ أي ظهر لي (رَأْسُهُ) وفي رواية ابن جريج (( حتى رأيت رأسه ووجهه ) ) (ثُمَّ قَالَ) أي أبو أيُّوب رضي الله عنه (لإِنْسَانٍ) قال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسمه (يَصُبُّ عَلَيْهِ اصْبُبْ، فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ) بالتثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) وفيه جواز دلك المحرم شعرَهُ بيده إذا أمن تناثره (وَقَالَ) أي أبو أيوب رضي الله عنه (هَكَذَا رَأَيْتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ) وزاد ابن عيينة فرجعت إليهما فأخبرتهما، فقال المسور لابن عبَّاس رضي الله عنهم

ج 9 ص 38

لا أماريك أبدًا؛ أي لا أجادلك، وأصل المراء استخراج ما عند الآخر من الحجَّة.

ومن فوائد هذا الحديث مناظرة الصحابة في الأحكام ورجوعهم إلى النُّصوص، ومنها قبول خبر الواحد ولو كان تابعيًّا، ومنها أنَّ قول بعضهم ليس حجَّة على بعض.

قال ابن عبد البر لو كان معنى الاقتداء في قوله صلى الله عليه وسلم (( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم ) )يراد به الفتوى لما احتاج ابن عبَّاس رضي الله عنهما إلى إقامة البيِّنة على دعواه بل كان يقول للمسور أنا نجم وأنت نجم فبأينا اقتدى من بعدنا كفاه. ولكن معناه كما قال المزني وغيره من أهل النَّظر أنَّه في النقل؛ لأنَّ جميعهم عدول.

ومنها أيضًا اعترافٌ للفاضل بفضله وإنصاف الصَّحابة بعضهم بعضًا. ومنها أنَّ الصَّحابة إذا اختلفوا في قَضِيَّة لم يكن الحجة في قول أحدٍ منهم إلَّا بدليل يجب التَّسليم له من كتاب أو سنة كما أتى أبو أيوب رضي الله عنه بالسنَّة. ومنها استتار المغتسل بثوب ونحوه عند الغسل، والاستعانة في الطهارة بغيره وجواز الكلام والسَّلام حالة الطهارة، ولكن لا بدَّ من غضِّ البصر عنه، وجواز غسل المحرم وتشريبه شعره بالماء ودلكه بيده إذا أمن تناثره.

واستدلَّ به القرطبيُّ على وجوب الدلك في الغسل قال لأنَّ الغسل لو كان يتم بدونه لكان المحرم أحق بأن يجوز له تركه، وفيه نظرٌ لا يخفى. واستدلَّ به على أنَّ تحليل شعر اللِّحية في الوضوء باقٍ على استحبابه خلافًا لمن قال يكره كالمتولِّي من الشَّافعية خشية انتتاف الشعر؛ لأنَّ في الحديث، ثمَّ حرك رأسه بيديه ولا فرق بين شعر الرأس واللحية، إلَّا أن يقال إنَّ شعر الرأس أصلب، والتَّحقيق أنَّه خلاف الأولى في حقِّ بعضٍ دون بعض قاله السبكيُّ الكبير، ومنها أيضًا التَّناظر في المسائل والتَّحاكم فيها إلى الشُّيوخ العالمين بها.

تتمة قد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه فذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشَّافعي وأحمد وإسحاق إلى أنَّه لا بأس بذلك، ووردت الرُّخصة بذلك عن عمر بن الخطاب وابن عبَّاس وجابر رضي الله عنهم وعليه الجمهور وحجَّتهم حديث الباب وكان مالك يكره ذلك للمحرم، وذكر أنَّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لا يغسل رأسه إلَّا من احتلام.

والحديث أخرجهُ مسلم في الحج، وكذا النَّسائي وابن ماجه.

ج 9 ص 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت