فهرس الكتاب

الصفحة 2896 من 11127

1847 - 1848 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ) هشام بن عبد الملك الطيالسيُّ، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) بفتح الهاء وتشديد الميم الأولى، هو ابنُ يحيى بن دينار العوذي الأزديُّ البصريُّ، قال (حَدَّثَنَا عَطَاءٌ) هو ابنُ أبي رباح المكي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى) التَّميمي أو التيمي المكي (عَنْ أَبِيهِ) يعلى بن أمية، ويقال ابن منية، وهي أمُّه أخت عتبة بن غزوان، وفي رواية أبي ذرٍّ ، زاد ابن أميَّة وأسقط لفظ عن أبيه.

وجزم الحافظ العسقلانيُّ بأنَّه تصحيفٌ، صحَّفَ عن، فصار ابن، وصحَّف أبيه، فصار أميَّة، وليست لصفوان صحبة ولا رؤية، فالصَّواب رواية غير أبي ذرٍّ .

(قَالَ كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ) وفي رواية مالك في «الموطأ» عن عطاء بن أبي رباح (( أنَّ أعرابيًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بحنين ) )الحديثَ.

وفي روايةٍ للبخاريِّ [خ¦1536] (( فبينما النَّبي صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ومعه نفرٌ من أصحابه جاء رجل ) ). وفي رواية التِّرمذي عن يعلى بن أمية قال (( رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة أعرابيًا قد أحرم وعليه جبَّة، فأمره أن يَنزعها ) )، وذلك الرَّجل لم يسمَّ في الرِّوايات.

(عَلَيْهِ جُبَّةٌ) جملة اسميَّة صفة لرجل (فِيهِ) أي في الرَّجل ويروى ؛ أي بالرجل، ويروى ؛ أي وعلى الجبة (أَثَرُ صُفْرَةٍ) وفي رواية ، وفي أخرى .

(أَوْ) قال (نَحْوُهُ) ففي رواية لمسلم (( وعليه جبة بها أثرٌ من خلوق ) )، وفي رواية له (( كيف ترى في رجل عليه جبة صوف متضمخ بطيب ) )، وفي رواية (( عليه جبة وعليها خلوق ) )، وفي رواية (( وهو متضمخ بالخلوق ) )، وفي رواية لغيره (( وعليه جبة عليها أثر الزعفران ) )، وفي رواية (( وعليه أثر الزعفران ) )، وفي رواية (( وعليه أثر الخَلوق ) )وهو بفتح الخاء المعجمة، نوعٌ من الطِّيب يجعل فيه الزعفران.

(كَانَ) أي قال يعلى كان، وفي نسخة (عُمَرُ) بن الخطاب

ج 9 ص 51

رضي الله عنه (يَقُولُ لِي تُحِبُّ) أي أتحبُّ فحذفت همزة الاستفهام (إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (الْوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ؟) بأن المصدرية في موضع نصب على أنه مفعول تحبُّ.

(فَنَزَلَ عَلَيْهِ) أي الوحي.

(ثُمَّ سُرِّيَ) بضم السين وتشديد الراء؛ أي كشف (عَنْهُ) شيئًا بعد شيء (فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم للرجل (اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ) من الطَّواف بالبيت والسَّعي بين الصفا والمروة والحلق والاحتراز عن محظورات الإحرام في الحجِّ، كلبس المخيط وغيره.

وفيه إشعارٌ بأن ذلك الرَّجل كان عالمًا بصفة الحجِّ دون العمرة، وقد زاد في باب يفعل في العمرة ما يفعل في الحج قبل قوله (( اصنع ) ) (( اخلعْ عنك الجبَّة، واغسلْ أثر الخلوق عنك، وأنقِ الصُّفرة ) ) [خ¦1789] .

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ الرَّجل كان قد أحرم بالعمرة وعليه جبَّة وكان جاهلًا بأمر الإحرام، لا يقال إنَّ المذكور في الترجمة لفظُ القميص والمذكور في الحديث لفظ الجبَّة فمن أين المطابقة؟ لأنَّه يقال لا شك أنَّ حكمهما واحد في التَّرك، وكيف لا والجبَّة قميص مع شيءٍ آخر؛ لأنَّ الجبَّة ذات طاقين.

-وأما قوله (وَعَضَّ رَجُلٌ) إلى آخره فحديث آخر، ومسألة مستقلَّةٌ بذاتها، كما يأتي في الدية إن شاء الله تعالى [خ¦6892] .

ووجه تعلُّقه بهذا الباب كونه من تتمة الحديث المذكور فهو مذكور بالتَّبعية.

(يَدَ رَجُلٍ) ولمسلم في رواية صفوان بن يعلى (( أنَّ أجيرًا ليعلى بن أمية عضَّ رجلٌ ذراعَه فجذَبَها ) )فتعيَّن أن المعضوض أجير يعلى، وأنَّ العاض يعلى، ولا ينافيه قوله في «الصحيحين» (( كان لي أجيرٌ فقاتل إنسانًا ) ) [خ¦2265] ؛ لأنَّه يجوز أن يكني عن نفسه ولا يبين للسامعين أنَّه العاض، كما قالت عائشة رضي الله عنها قبَّل النبيُّ صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه، فقال لها الراوي ومن هي إلَّا أنت؟ فضحكتْ.

(يَعْنِي فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ) قال الجوهريُّ الثنية واحدةُ الثنايا من السنِّ.

قال الأصمعيُّ في الفم أسنان الثَّنايا، والرباعيَّات، والأنياب، والضَّواحك، والطَّواحين، والأرحاء، والنَّواجذ، وهي ستة وثلاثون سنًا من فوق وأسفل، أربع ثنايا ثنيتان من أسفل، وثنيتان من فوق، ثم يلي الثنايا

ج 9 ص 52

أربع رباعيات رباعيتان من فوق، ورباعيتان من أسفل، ثم يلي الرباعيات الأنياب، وهي أربعة نابان من فوق، ونابان من أسفل، ثم يلي الأنياب الضَّواحك، وهي أربعة أضراس، ثم يلي الضَّواحك الطَّواحين والأرحاء، وهي ستة عشر في كل شقٍّ ثمانية أربعة من فوق، وأربعة من أسفل، ثم يلي الأرحاء النَّواجذ أربعة أضراس، وهي آخر الأضراس نباتًا الواحد ناجذ.

(فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي جعله هدرًا لا دية فيه؛ لأنَّه نزعها دفعًا للصَّائل.

وفي كتاب (( الديات ) )، في باب (( إذا عضَّ رجلًا فوقعت ثناياه ) )عن صفوان بن يَعلى، عن أبيه [خ¦6893] . وعن زرارة بن أوفى، عن عمران بن حصين رضي الله عنهما [خ¦6892] أنَّ رجلًا عضَّ يد رجلٍ فنزعَ يده من فمه، فوقعتْ ثنيتاه فاختصموا إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( يعضُّ أحدُكم أخاهُ، كما يعضُّ الفحل، لا ديَة لك ) ).

وفي رواية لمسلم (( فأبطلها ) )أي الدية، وفي روايةٍ له (( فأهدر ثنيته ) )، وبهذا أخذَ أبو حنيفة والشَّافعي أنَّ المعضوضَ إذا نزعَ يده فسقطتْ أسنان العاضِّ، أو فكَّ لحييه لا ضمانَ عليه، وهو قولُ الأكثرين، وقال مالك يضمنُ.

وفي الحديث أنَّ المحرم إذا لبس، أو تطيَّب ناسيًا أو جاهلًا، فلا فدية عليه. قال ابن بطَّال ووجه الدَّلالة أنَّه لو لزمته الفدية لبيَّنها صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.

هذا والشَّافعي أشدُّ موافقة للحديث؛ لأنَّ السائل في حديث الباب كان غير عارفٍ بالحكم؛ لأنَّه كان قريبَ العهد بالإسلام، وقد تمادى، ومع ذلك لم يؤمرْ بالفدية، والَّناسي في معنى الجاهل، وأمَّا ما كان من باب الإتلافات من المحظورات، كالحلق وقتل الصَّيد، فلا فرقَ بين العامد والنَّاسي والجاهل في لزوم الفدية، قاله البغوي في «شرح السنة» .

وقالت المالكيَّة فعل العمد والسَّهو والضَّرورة والجهل سواء في الفدية إلَّا في حرجٍ عام، كما لو ألقت الريح عليه الطِّيب، فإنَّه في هذا وشبهه لا فدية عليه لكن إن تراخى في إزالته لزمتْه، وأمَّا قول الكوفيين والمزني فمخالفٌ لهذا الحديث.

وأجاب ابن المنيَّر من المالكية في الحاشية عن هذا الحديث بأنَّ الوقت الذي أحرم فيه الرَّجل في الجبة كان قبل نزول الحكم قال ولهذا انتظر النبيُّ صلى الله عليه وسلم الوحي قال ولا خلاف أنَّ التَّكليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم، فلهذا لم يؤمر

ج 9 ص 53

الرجل بفديةٍ عمَّا مضى؛ بخلاف من لبس الآن جاهلًا فإنَّه جهل حكمًا استقرَّ وقصَّر في علم كان عليه أن يتعلَّمه لكونه مكلفًا به، وقد تمكَّن من تعلمه.

وقد احتجَّ بهذا الحديث عطاء والزُّهري وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين ومالك ومحمد بن الحسن على كراهة استعمال الطِّيب عند إرادة الإحرام.

وذهب محمَّد بن الحنفية، وعمر بن عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والأسود بن يزيد، وخارجة بن زيد، والقاسم بن محمد، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، وزفر، والشَّافعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنَّه لا بأس بالتَّطيب عند الإحرام، وهو مذهب الظاهريَّة أيضًا.

وأجابوا عن الحديث بأن الطِّيب الذي كان على ذلك الرَّجل إنما كان صفرة وهو خلوقٌ، فذلك مكروه للرجل لا للإحرام بل مكروه في نفسه في حال الإحلال وفي حال الإحرام، وإنَّما أبيح من الطيب عند إرادة الإحرام ما هو حلالٌ في حال الإحلال.

ويدلُّ على ذلك أنَّ حديث يعلى الذي روي بطُرق مختلفة قد بيَّن وأوضح أنَّ ذلك الطيب الذي أمره صلى الله عليه وسلم بغسله كان خلوقًا، وهو منهيٌّ عنه في كلِّ الأحوال.

وفي الحديث أيضًا صحَّة إحرام المتلبِّس بمحظورات الإحرام من اللِّباس والطِّيب.

وفيه أيضًا عدم جواز لبس المخيط كالجبَّة. وفيه أيضًا أنَّ من أحرم في قميصٍ أو جبة لا يمزِّقه إذا أراد نزعها بل له أن ينزعَ ذلك من رأسه، وإن أدَّى إلى الإحاطة برأسه من غير أن يجب عليه شيءٌ خلافًا لمن قال يمزقه ويشقه، وهو قول الشعبيِّ والنخعي. ويروى ذلك أيضًا عن الحسن وسعيد بن جبير.

نعم؛ لو كانت الجبة مفرَّجة مزرَّدة كالقباء والفرجيَّة وأراد المحرمُ نزعها فهل له نزعُها من رأسه مع إمكان حلِّ الأُزر بحيث لا تحيط بالرأس؟ محل نظر.

وقال الطحاويُّ وليس نزع القميص بمنزلة اللِّباس؛ لأنَّ المحرم لو حمل رأسه ثيابًا أو غيرها لم يكن بذلك بأس، ولم يدخلْ ذلك فيما نهي عنه من تغطيةِ الرأس بالقلانسِ وشبهها؛ لأنَّه غير لابس فكأن النَّهي إنما وقعَ في ذلك على ما يَلْبِسُه الرَّأس لا على ما يغطَّى به، والله أعلم.

ج 9 ص 54

ثمَّ هذا الحديث أخرجه المؤلِّف في فضائل القرآن [خ¦4985] والمغازي أيضًا [خ¦4417] ، وأخرجه مسلم في الحج وكذا أبو داود والتِّرمذي والنَّسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت