16 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) من التثنية، بلفظ المفعول هو أبو موسى العنزي _ بفتح المهملة والنون وبالزاي _ نسبة إلى عنزة بن أسد حي من ربيعة البصري، المعروف بالزَّمِن، سمع ابن عُيينة ووكيع بن الجراح وإسماعيل بن عليَّة والقطان وغيرهم. وروى عنه أبو زُرعة وأبو حاتم ومحمد بن يحيى الذُّهلي وغيرهم.
قال الخطيبُ كان ثقة ثبتًا يحتجُّ سائر الأئمة بحديثهِ وقدم بغداد وحدَّث بها، ثمَّ رجع إلى البصرة، وروى الترمذي عن رجل عنه وقال لا بأس به. وُلد هو وبُندار بالسنة التي مات فيها حماد بن سلمة سنة ست وستين ومائة، ومات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين ومائتين.
روى له الجماعة.
(قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو أبو محمد بن عبد المجيد بن
ج 1 ص 197
الصلت (الثَّقَفِي) بالمثلثة بعدها قاف، نسبة إلى ثقيف جد القبيلة البصري، سمع يحيى الأنصاري وأيُّوب السختياني وخلقًا. وروى عنه محمد بن إدريس الشَّافعي والإمام أحمد وابن معين وابن المديني، وثَّقه يحيى والعجلي.
وقال ابنُ سعد كان ثقةً وفيه ضعفٌ، وكانت غلَّته كل سنة قريبًا من خمسين ألفًا، ولا يحول الحول عليها، وكان ينفقها على أصحاب الحديث، ولد سنة ثمان ومائة، وتوفي سنة أربع وتسعين ومائة.
وقال خليفة بن خيَّاط اختلط قبل موته بثلاث سنين أو أربع سنين.
روى له الجماعة.
(قَالَ حَدَّثَنَا أَيُّوبُ) هو أبو بكر بن كَيسان، أبي تميمة السَّختياني _ بفتح المهملة _ على الصحيح، نسبة إلى بيع السَّختيان، وهو الجلد، والظاهر أنه فارسي، البصري رأى أنس بن مالك وسمع عمر بن سلمة الجَرمي وأبا عثمان النَّهدي والحسن وأبا قلابة ومجاهدًا وخلقًا كثيرًا.
وروى عنه محمد بن سيرين وعَمرو بن دينار وقتادة والأعمش ومالك والسُّفيانان والحمَّادان. وروى عنه الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أيضًا. وقال ابنُ المديني له نحو ثمانمائة حديث، وقال النسائيُّ ثقة ثبت. وقال شعبة أيُّوب سيد الفقهاء. وقال الحسن أيُّوب سيِّد شباب البصرة، وفي رواية سيد الفتيان. قال إسماعيلُ بن عليَّة ولد سنة ست وستين.
وقال البخاري عن عليِّ بن المديني مات بالبصرة سنة إحدى وثلاثين ومائ. زاد غيره وهو ابن ثلاث وستين، وفيه نظرٌ، روى له الجماعة.
(عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) بكسر القاف وبالباء الموحدة، عبد الله بن زيد بن عَمرو أبو عامر البصري، التابعي الكبير سمع ثابت بن قيس الأنصاري وأنس بن مالك وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم، وروى عنه أيوب وقتادة ويحيى بن أبي كثير، اتُّفِقَ على توثيقه.
قال أيوب كان أبو قِلابة _ والله _ من الفقهاء ذوي الألباب، أُريد على القضاء بالبصرة فهرب إلى الشام، فمات بها سنة أربع ومائة.
روى له الجماعة.
(عَنْ أَنَسٍ) بن مالك (رضي الله عنه) . ومن لطائف هذا الإسناد أنَّ فيه التحديث والعنعنة. ومنها أن رواته كلهم بصريون. ومنها أنَّ كلهم أئمة أجلاَّء على ما ذكرنا. وأخرج متنه المؤلف أيضًا بعد ثلاثة أبواب [خ¦21] وفي الأدب [خ¦6041] ، وأخرجه أيضًا مسلم والترمذي والنسائي وألفاظهم مختلفة.
(عَنِ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلم) أنه (قَالَ ثَلاَثٌ) مبتدأ، وساغ ذلك؛ لأنه في تقدير ثلاث خصال، أو لأنَّه نعت لموصوف؛ أي خصال ثلاث، كقولهم ضعيف عاز بقرملة؛ أي إنسان ضعيف التجأ إلى قرملة؛ أي شجرة ضعيفة، وخبره قوله (مَنْ كُنَّ) أي حصلن (فِيهِ وَجَدَ) أي أصاب، ولذا لم يتعدَّ إلى مفعولين (حَلاَوَةَ الإِيمَانِ) أي حسنه، أو استلذاذ الطَّاعات والعبادات، وتحمُّل المشاق في الدِّين، وإيثار ذلك على أغراض الدُّنيا عند قوة النَّفس بالإيمان، وانشراح الصَّدر له بحيث يخالط لحمه ودمه.
ويحتمل أن يكون
ج 1 ص 198
جملة (( من كنَّ ) )سواء كان (( من ) )شرطيَّة أو موصولة نعتًا لقوله (( ثلاث ) )وخبر المبتدأ، هو قوله (( أن يكون ) ). .. إلى آخره.
وفي قوله (( حلاوة الإيمان ) )استعارة مكنية وتخييليَّة، وذلك لأنَّه شبَّه الإيمان بشيء حلو نحو العسل، والجهة الجامعة هو الالتذاذُ وميلُ القلب إليه [1] ، وأثبت له لازمَ ذلك الشيء فأُضيف إليه.
وفيه تلميحٌ إلى قضيَّة المريض والصَّحيح؛ لأن المريض الصَّفراوي يجد طعم العسل مُرًَّا، ويَعافُه، والصَّحيح يجده حلوًا فيشتاقه، وكلَّما نقصت الصَّحة نقص ذوقه بقدر ذلك فكانت هذه الاستعارة من أوضحِ ما يستدلُّ به المصنِّف على زيادة الإيمان ونقصانه، وعبر عن الحالة الَّتي للإيمان بالحلاوة؛ لأنَّها أظهر اللَّذات الحسيَّة.
وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة عبَّر بالحلاوة؛ لأنَّ الله تعالى شبَّه الإيمان بالشَّجرة في قوله {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم 24] فالكلمة هي كلمة الإخلاص، والشَّجرة أصل للإيمان، وأغصانها اتِّباع الأمر، واجتناب النهي، وزَهرها ما يهمُّ به المؤمن من الخير، وثمرها عمل الطَّاعات، وحلاوة الثمر جنى الشجرة، وعامة كماله تناهي نضج الثمرة، وبه تظهر حلاوتها.
(أَنْ يَكُونَ) بدل من ثلاث، أو خبر مبتدأ محذوف؛ أي أحدها أن يكون (اللَّهُ) عزَّ وجلَّ (وَرَسُولُهُ) صلَّى الله عليه وسلم (أَحَبَّ إِلَيْهِ) ولم يطابق خبر كان اسمه؛ لأنَّه أفعل تفضيل مستعمل بمن، وهو مفردٌ مذكَّر لا غير، وأما قضية الفصل فقد تقدَّمت.
(مِمَّا سِوَاهُمَا) بضمير التَّثنية إشارة إلى أن المعتبر هو المجموع المركَّب من المحبين لا كل واحدة منها، فإنَّها وحدها لا اعتداد بها، فمن يدِّعي حب الله مثلًا، ولا يحب رسوله لا ينفعه ذلك، ويشير إليه قوله تعالى {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران 31] . بخلاف قصة الخطيب حيث قال ومن يعصِهما فقد غوى، فقال له عليه السلام (( بئس الخطيب أنت ) ).
فأمره بالإفراد؛ إشعارًا بأنَّ كل واحد من العصيانين مستقلٌّ في استلزام الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير على أنَّه يمكن أن يكون من الخصائص، فيمتنع من غيره عليه السلام، ولا يمتنع منه؛ لأن غيره إذا جمع أَوْهَمَ التسوية بخلافه عليه السلام، فإن منصبه لا يتطرَّق إليه إبهام ذلك، وقال (( ممَّا ) )ولم يقل ممَّن ليعمَّ العاقل وغيره.
قال البيضاويُّ المراد بالحب هنا الحبُّ العقلي الَّذي هو إيثار ما يقتضي العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس، كالمريض يَعاف الدواء بطبعه، فينفر عنه ويميل إليه بمقتضى عقله، فهوى تناوله لِمَا يعلم أنَّ صلاحه فيه.
فإذا تأمَّل المرء أنَّ الشارع لا يأمر ولا ينهى إلَّا بما فيه صلاحٌ عاجل أو خلاص آجل، تمرَّن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعًا له، ويلتذَّ بذلك التذاذًا عقليًا، فإن الالتذاذَ العقلي هو إدراك ما هو
ج 1 ص 199
كمال وخيرٌ من حيث هو كذلك.
وقال ابنُ بطَّال محبَّة العبد لخالقه التزام طاعته، والانتهاء عمَّا نهى عنه، ومحبَّة الرسول التزام شريعته. وقال بعضهم المحبَّة توطين القلب على ما يرضي الرَّب سبحانه، فيحبُّ ما أحب، ويكره ما يكره.
وقال القاضي عياض ومعنى حب الله الاستقامة في طاعتهِ، والتزام أوامره ونواهيهِ في كلِّ شيء، والمراد ثمراتُ المحبة فإنَّ أصل المحبَّة الميل لما يوافق المحبوب، والله سبحانه وتعالى منزَّه عن أن يميلَ أو يمال إليه، وأمَّا محبَّة الرسول فيصح فيها الميل، إذ ميل الإنسان لِمَا يوافقه إمَّا للاستحسان، كالصُّورة الجميلة والمطاعم الشَّهية، أو لِمَا يستلذُّه بعقله من المعاني والأخلاق كمحبَّة الصَّالحين والعلماء، وإن لم يكن في زمانهم أو لمن يحسن إليه ويدفع المضرَّة عنه.
وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلَّى الله عليه وسلم من كمال الظاهر وجماله وجمعه الفضائل، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إيَّاهم، وإبعادهم عن الجحيم.
(وَأَنْ يُحِبَّ) إعرابه كإعراب سابقه (الْمَرْءَ) بالنصب على المفعولية حال كونه (لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ لِلَّهِ) تعالى هذا حثٌّ على التَّحاب في الله؛ لأجل أنَّ الله تعالى جعل المؤمنين إخوة، ومن محبَّته ومحبَّة رسوله محبة أهل ملَّته، ولا تحصل تلك المحبَّة حلاوة الإيمان إلَّا أن تكون خالصةً لله تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنياويَّة، ولا الحظوظ النَّفسانية، فإن من أحب لذلك انقطعت محبته بانقطاع سببها.
وقال مالك المحبَّة في الله من واجبات الإسلام، وهو دأب أولياء الله.
وقال يحيى بن معاذ الرازي حقيقة المحبة أن لا تزيد بالبرِّ ولا تنقص بالجفاء، وكذا أن يبغض المرء لا يبغضه إلَّا لله، كما أخرج النسائي عن أنس رضي الله عنه بلفظ (( وأن يحب في الله ويبغض في الله ) ).
(وَأَنْ يَكْرَهَ) ولا يرضى بل ينفر (أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ) أي إليه، كما في قوله تعالى {أَو لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} [الأعراف 88] ؛ أي إلى ملَّتنا، أو ضمَّن معنى الاستقرار، كأنه قال أن يعود مستقرًا فيه، وهو تعسُّف، كما قال العينيُّ رحمه الله تعالى.
(كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ) بصيغة المجهول؛ أي يُرمَى (فِي النَّارِ) وأصل القذف الرَّمي بالحجارة، يقال هم بين حاذف وقاذف، فالحاذف بالعصي، والقاذف بالحجارة، وهذه نتيجة دخول نور الإيمان في القلب بحيث يختلط باللَّحم والدم، وانكشاف محاسن الإسلام وقبح الكُفر، وإنما جعلَ هذه الأمور الثلاثة عنوانًا لكمال الإيمان المحصل لتلك اللَّذة؛ لأنَّه لا يتم إيمان امرئ حتى يتمكَّن في نفسه أن المنعم بالذَّات هو الله تعالى، ولا مانح
ج 1 ص 200
سواه وما عداه وسائط ليس لها في ذاتها إضرار وإنفاع.
وأنَّ الرسول عليه السلام هو العَطوف الساعي في صلاح شأنه، إذ هو الذي يبيِّن مراد ربه، وذلك يقتضي أن يتوجه بكلِّيته نحوه، ولا يحب ما يحبه إلَّا لكونه وسطًا بينه وبينه، وأن يتيقَّن أنَّ جملةَ ما أوعد ووعد حق يقينًا يُخيَّل إليه الموعود كالواقع والاشتغال بما يَؤول إلى الشيء ملابسةً له فيحسب مجالس الذكر رياض الجنة، وأكل مال اليتيم أكل النار، والعود إلى الكفر إلقاء في النار.
هذا وفي هذا الحديث إشارة إلى التَّحلي بالفضائل وهو كون الله ورسوله أحبَّ إليه، وهذا هو التَّعظيم لأمر الله وكون محبَّته للخلق خالصة لله تعالى.
وفيه إشارة إلى الشَّفقة على خلق الله، وفيه أيضًا إشارة إلى التخلِّي عن الرَّذائل وهو كراهة الكفر وما يلزمه من سائر القبائح.
وقال النووي هذا حديث أصلٌ من أصول الإسلام. وقال محمود العيني كيف لا وفيه محبة الله ورسوله الَّتي هي أصل للإيمان بل عينه، ولا يصح محبَّة الله ورسوله حقيقة ولا الحب في الله، ولا كراهة الرُّجوع في الكفر إلَّا لمن قَوِيَ الإيمان في نفسه وانشرح له صدره وخالط دمَه ولحمَه.
فائدة قيل محبَّة الله تعالى على عبادهِ المؤمنين فرض وندب، فالفرضُ المحبَّة التي تبعث على امتثال أوامره، والانتهاء عن معاصيه، والرِّضى بما يقدِّره فمن وقع في معصية من فِعل محرَّم أو ترك واجب فلتقصيره في محبة الله تعالى حيث قدَّم هوى نفسه على رضا ربه، والتقصير يكون مع الاسترسال في المباحات والاستكثار منها فيورث الغفلة المقتضية للتَّوسع في الرَّجاء فيقدِم على المعصية، أو تستمر الغفلة فيقع فيها.
والنَّدب أن يُواظب على النَّوافل، ويتجنَّب الوقوع في الشُّبهات والمتَّصف عمومًا بذلك نادر، وكذا محبَّة الرسول على قسمين ويزاد أن لا يتلقى شيئًا من المأمورات. وكذا الأمر في المنهيَّات إلَّا من مِشكاته، ولا يسلك إلَّا طريقته، ويرضى بما شرعه حتى لا يجد في نفسه حرجًا ممَّا قضى، ويتخلَّق بأخلاقه في الجود والإيثار والحِلم والتَّواضع وغيرها، فمن جاهد نفسَه على ذلك وجد حلاوةَ الإيمان وتتفاوت مراتب المؤمنين بحسب ذلك.
[1] قوله (والجهة الجامعة هو الالتذاذ وميل القلب إليه) ليست في (خ) .