1852 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المِنْقَريُّ _ بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف
ج 9 ص 57
_ التَّبُوذَكي _ بفتح المثناة الفوقية وضم الموحدة وفتح المعجمة _، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكريُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة، جعفر بن إياس (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ) بضم الجيم وفتح الهاء، اسم قبيلةٍ من قضاعة، وجهينة هو ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلُم _ بضم اللام _ ابن لحاف بن قضاعة بن مالك بن حمير في اليمن.
وقال الحافظ العسقلانيُّ لم أقف على اسم تلك المرأة ولا على اسم أبيها، لكن روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني عن أبيه أنَّ غاثية أتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت إن أمِّي ماتت وعليها نذرٌ أن تمشيَ إلى الكعبة فقال اقضي عنها. أخرجه ابن منده في حرف الغين المعجمة من الصَّحابيات، وتردد هل هي بتقديم المثناة التحتية على المثلثة أو بالعكس، لكن قال الذَّهبي أرسله عطاء الخراساني.
وجزم ابن طاهر في «المبهمات» بأنَّه اسم الجُهنيَّة المذكورة في حديث الباب، وروى النَّسائي بإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن يسألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أمها ماتت ولم تحجَّ أفيجزئ عن أمِّها أن تحجَّ عنها؟ قال (( نعم، لو كان على أمِّها دينٌ فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحجَّ عن أمها ) ).
وفي رواية أحمد امرأة سنان بن عبد الله وهو أصحُّ، وهذا لا يفسَّر به المبهم في حديث الباب؛ لأن في حديث الباب أنَّ المرأة سألت بنفسها، وفي حديث النَّسائي أنَّ زوجها أو غيرَه سأل لها، ويمكن الجمع بأن يكون نسبة السؤال إليها مجازية وإنما الذي تولى لها السؤال غيرُها، ولكن في هذه الرواية لم يصرَّح بأنَّ الحجة المسؤول عنها كانت نذرًا.
وأما ما روى ابن ماجه من طريق محمد بن كريب، عن أبيه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن سنان بن عبد الله الجهني أنَّ عمَّته حدَّثته أنَّها أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت إنَّ أمِّي توفيت وعليها مشي إلى الكعبة نذرًا؟ الحديث. فإن صحَّ هذا فيحمل على واقعتين بأن تكون امرأته سألت على لسانه عن حجَّة أمها المفروضة، وبأن تكون عمته سألت بنفسها عن حجَّة أمها المنذورة.
(جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ج 9 ص 58
فَقَالَتْ) يا رسول الله؛ (إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ) كذا رواه أبو بشر عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من رواية أبي عَوانة عنه.
وسيأتي إن شاء الله تعالى في النذور من طريق شعبة عن أبي بشر بلفظ أتى رجلٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال إنَّ أختي نذرت أن تحجَّ وإنها ماتت [خ¦6699] . فإن كان محفوظًا احتمل أن يكون كلٌّ من الأخ سأل عن أخته والبنت سألتْ عن أمِّها.
وسيأتي في الصيام من طريقٍ أخرى عن سعيد بن جبير بلفظ قالت امرأة إنَّ أمِّي ماتت وعليها صوم شهر [خ¦1953] .
وزعم بعضهم أنَّ ذلك اضطراب يعلَّل به الحديث، وردَّ بأنَّه محمولٌ على أنَّ المرأة سألت عن كلٍّ من الصوم والحج. ويدلُّ عليه ما رواه مسلم عن بريدة أنَّ امرأة قالت يا رسول الله، إني تصدَّقت على أمِّي بجاريةٍ وإنَّها ماتت؟ قال (( وجب أجرك، وردها عليك الميراثُ ) )، قالت إنه كان عليها صوم شهرٍ أَفأصوم عنها؟ قال (( صومي عنها ) )قالت إنَّها لم تحجَّ أفأحجُّ عنها؟ قال (( حجي عنها ) ).
(فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى ماتَتْ أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟) الهمزة فيه للاستفهام الاستخباري؛ أي أيصحُّ منِّي أن أكون نائبةً عنها فأحج عنها؟ (قالَ) صلى الله عليه وسلم (نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا) وفي رواية أبي الوقت بإسقاط نعم، وفي رواية موسى بن سلمة (( أفيجزئ عنها أن أحج عنها؟ قال نعم ) ) (أَرَأَيْتِ) بكسر التاء؛ أي أخبريني (لَوْ كانَ عَلَى أُمِّكِّ دَيْنٌ) لمخلوق (أَكُنْتِ قاضِيَةً؟) ذلك الدَّين عنها، وفي رواية الحمويي والمستملي بضمير المفعول (اقْضُوا اللَّهَ) أي حقَّ الله (فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْوَفَاءِ) .
وفي الحديث جواز حجِّ المرأة عن أمها لأجل الحجة التي عليها بطريق النَّذر، وكذا يجوز حجُّ الرجل عن المرأة وبالعكس، ولا خلاف فيه إلا ما روي عن الحسن بن صالح من أنَّه لا يجوز، وعبارة ابن التِّين الكراهة فقط، وهذا غفلةٌ وخروجٌ عن ظاهر السنَّة، كما قال ابن المنذر؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تحجَّ عن أمِّها، وهو عمدةُ من أجاز الحجَّ عن الغير.
وقالت طائفةٌ لا يحجُّ أحدٌ عن أحدٍ روي هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما والقاسم والنَّخعي، وقال مالك واللَّيث لا يحجُّ أحدٌ عن أحدٍ إلَّا عن ميِّتٍ لم يحجَّ حجَّة الإسلام، ولا ينوبُ عن فرضه، فإن أوصى الميت بذلك فعند مالك وأبي حنيفة يخرج من ثلثه، وهو قول النخعيِّ، وعند الشَّافعي من رأس ماله.
وفي «التوضيح» وفيه أنَّ الحجَّة الواجبة من رأس المال كالدَّين وإن لم يوص، وهو قول ابن عبَّاس وأبي هريرة رضي الله عنهما، وعطاء،
ج 9 ص 59
وطاوس، وابن سيرين، ومكحول، وسعيد بن المسيب، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والشَّافعي، وأبي ثور. انتهى.
وتعقَّبه العينيُّ بأن مذهب أبي حنيفة ليس كذلك بل مذهبه أنَّ من مات وعليه حجة الإسلام لم يلزم الورثة أن يحجُّوا عنه سواء أوصى بأن يحجَّ عنه أو لا، خلافًا للشافعيِّ، فإن أوصى بأن يحجَّ عنه مطلقًا يحجُّ عنه من ثلث ماله، فإن بلغ من بلده يجب ذلك وإن لم يبلغْ أن يحجَّ من بلده فالقياس أن تبطلَ الوصيَّة، وفي الاستحسان يحجُّ عنه من حيث بلغ، وإن لم يمكن أن يحجَّ عنه بثلث ماله من مكان بطلتْ الوصية ويُورث عنه.
وفيه مشروعيَّة القياس وضرب المثل؛ ليكون أوضح وأوقع من نفس السَّامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكلَ بما اتفق عليه.
وفيه أنَّه يستحبُّ للمفتي التَّنبيه على وجه الدَّليل إذا ترتَّبت على ذلك مصلحة وهو أطيبُ لنفس المستفتي وأدعى لإذعانه. وفيه أنَّ وفاء الدَّين الماليِّ عن الميت كان معلومًا عندهم مقررًا ولهذا حسن الإلحاق به. وفيه إجزاء الحجِّ عن الميت.
وفيه اختلاف فروى سعيد بن منصور وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما بإسنادٍ صحيحٍ لا يحجُّ أحدٌ عن أحدٍ ونحوه عن مالك واللَّيث. وعن مالك أيضًا إن أوصى بذلك فليحجَّ عنه وإلَّا فلا.
وفيه ما احتجَّ به الشَّافعية على أنَّ من مات وعليه حجٌّ وجب على وليِّه أن يجهِّز من يحجَّ عنه من رأس ماله كما أنَّ عليه قضاء ديونه، وقالوا ألا يرى أنَّه صلى الله عليه وسلم شبَّه الحج بالدين وهو مقضيٌّ وإن لم يوص ولم يُشترطْ في إجازة ذلك شيء، وكذلك تشبيهه بالدين يدلُّ على أنَّ ذلك عليه من جميع ماله دون ثلثه كسائر الديون، فإنَّهم أجمعوا على أنَّ دين الآدميِّ من جميع المال، فكذلك ما يشبه به في القضاء، ويلتحق بالحجِّ كلُّ حقٍّ ثبت في ذمته من كفَّارةٍ أو نذرٍ أو زكاةٍ أو غير ذلك.
وفي قوله (( فالله أحقُّ بالوفاء ) )دليلٌ على أنَّه مقدم على دين الآدميِّ، وهو أحد أقوال الشَّافعية، وقيل بالعكس، وقيل هما سواء.
وأما الحنفيَّة فقد قالوا إنَّ الميِّت ليس له حقٌّ إلَّا في ثلث ماله، ودين العباد أقوى لأجل أنَّ له مطالبًا؛ بخلاف دين الله تعالى ولا يعتبر إلَّا من الثلث لعدم المنازع فيه.
وقال الطيبيُّ في الحديث إشعار بأنَّ المسؤول عنه
ج 9 ص 60
خلَّف مالًا فأخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن حقَّ الله مقدَّمٌ على حقِّ العباد، وأوجب عليه الحج عنه، والجامع علَّة المالية.
وقال الحافظ العسقلانيُّ ولم يتحتم في الجواب المذكور أن يكون خلَّف مالًا كما زعم؛ لأنَّ قوله (( أكنت قاضية ) )أعم من أن يكون المراد ممَّا خلَّفه، وأن يكون متبرِّعًا في ذلك، والله أعلم.
والحديث أخرجه المؤلف في (( الاعتصام ) ) [خ¦7315] و (( النذور ) )أيضًا [خ¦6699] ، وأخرجه النَّسائي في (( الحج ) ).