1871 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام المشهور (عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ) هو الأنصاري (قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحُبَاب) بضم المهملة وتخفيف الموحدة الأولى (سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ) ضدُّ اليمين، وقد مرَّ في أوَّل الزكاة [خ¦1410] .
قال الحافظُ العسقلانيُّ الإسناد كلُّهم مدنيُّون، وتعقَّبه العينيُّ بأنَّ شيخ المؤلِّف تنِّيسيٌّ، وأصله من دمشق.
وقال أبو عمر ابن عبد البر اتَّفق الرُّواة عن مالك على إسناده إلَّا إسحاق بن عيسى الطبَّاع فقال عن مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب. بدل سعيد بن يسار، وهو خطأ.
قال الحافظ العسقلانيُّ وتابعه أحمد بن عمر بن خالد السُّلمي عن مالك أخرجه الدارقطنيُّ في «غرائب مالك» ، وقال هذا وهمٌ والصَّواب عن يحيى، عن سعيد بن يسار.
(يَقُولُ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرْتُ) على البناء للمفعول؛ أي أمرني ربِّي (بِقَرْيَةٍ) أي بالهجرة إليها، والنُّزول بها إن كان قال ذلك بمكة، وإن كان قاله بالمدينة فالمعنى أمرت بسكنى قرية (تَأْكُلُ الْقُرَى) أي يغلب أهلها أهل سائر البلاد، وكنى بالأكل عن الغلبة؛ لأنَّ الأكل غالبٌ على المأكول. وقال النوويُّ معنى الأكل أنَّها مركز جيوش الإسلام في أوَّل الأمر، فمنها فتحت البلاد وغنمت أموالها، أو إنَّ أكلها يكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها.
وفي «موطَّأ ابن وهب» قلت لمالك ما تأكل القرى؟ قال تفتح القرى. وقال ابنُ المنيِّر في «الحاشية» قال السُّهيلي في التوراة يقول الله يا طابة، يا مسكينة، إني سأرفع أجاجيرك على أجاجير القُرى.
والأجاجير جمع أجَّار، بمعنى السَّطح. وهذا قريبٌ من قوله أمرت بقريةٍ تأكل القرى؛ لأنَّها إذا علت عليها علوَّ الغلبة أكلتْها. وقال ابن بطَّال معناه يفتح أهلها القرى فيأكلون أموالهم ويسبون ذراريهم، قال وهذا من فصيح الكلام، تقول العرب أكلنا بلد كذا؛ إذا أغاروا عليهم، وسبقه الخطابي إلى هذا المعنى.
وقال ابن المنيِّر في «الحاشية» يحتمل أن يكون المراد بأكلها القرى غلبة فضلها على فضل غيرها، فمعناه إنَّ الفضائل تضمحلُّ في جنبِ عظيم فضلها حتى تكاد تكون عدمًا،
ج 9 ص 110
وما تضمحلُّ له الفضائل أفضلُ وأعظمُ مما تبقى معه الفضائل، وقد سمِّيت مكَّة أم القرى، قال والمذكور للمدينة أبلغ منه؛ لأنَّ الأمومة لا يمحى بوجودها وجودُ ما هي أمٌّ له لكن يكون حق الأمِّ أظهر. انتهى.
وهذا القول منه ينزعُ إلى تفضيلِ المدينة على مكَّة. قال المهلَّب بن أبي صفرة وفيه حجَّةٌ لمن فضل المدينة على مكَّة، وذلك لأنَّ المدينة هي التي أَدْخَلت مكَّة وغيرها من القرى في الإسلام فصارَ الجميع في صحائفِ أهلها، وإليه ذهبَ مالك وأهل المدينة، وروي عن أحمد خلافًا لأبي حنيفة والشافعيُّ.
قال ابنُ حزم روى القطعَ بتفضيل مكة على المدينة عن سيِّدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم جابرٌ وأبو هريرة وابن عمر وابن الزُّبير وعبد الله بن عدي رضي الله عنهم ثلاثة مدنيُّون بأسانيد في غاية الصِّحة، وقال وهو قول جمهور الصَّحابة وجمهور العلماء.
والجواب عن هذا الحديث أنَّ أهل المدينة الَّذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة فالفضل ثابتٌ للفريقين ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين.
قال ابن حزم لو فتحت بلدة من بلدة فثبت بذلك الفضل للأولى للزم أن تكون البصرة أفضل من خراسان وسجستان وغيرِهما ممَّا فتح من جهة البصرة وليس كذلك.
وقد استنبط ابن أبي جمرة من قوله صلى الله عليه وسلم (( ليس من بلدٍ إلا سيطؤه الدَّجال إلَّا مكة والمدينة ) ) [خ¦1881] ، التَّساوي بين مكة والمدينة في الفضل.
واختار ابنُ رشد وعبد الله بن عرفة تفضيل مكَّة، واحتجَّ ابن رشد لذلك بأنَّ الله تعالى جعل بها قبلة الصَّلاة وكعبة الحج، وبأنَّه تعالى جعل لها مزية بتحريم الله إيَّاها حيث قال صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله حرَّم مكة ولم يحرِّمها الناس ) ).
وقد أجمع العلماء على وجوب الجزاء على من صاد بحرمها ولم يجمعوا على وجوب من صاد بالمدينة، وأنَّ من دخله كان آمنًا ولم يقل أحدٌ بذلك في المدينة، وكان الذَّنب في حرم مكة أغلظُ منه في حرم المدينة، وكان ذلك دليلًا على فضلها عليها.
وأمَّا احتجاج من فضَّل المدينة بقوله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها وإني حرَّمت المدينة كما حرَّمها إبراهيم عليه السلام ) ) [خ¦2129] ، وبقوله صلى الله عليه وسلم (( اللَّهم بارك لنا في تمرنا ومدِّنا ) )، وبقوله صلى الله عليه وسلم (( اللَّهمَّ اجعل بالمدينة ضعفِي ما جعلت بمكة من البركة ) ) [خ¦1885] فلا حجَّة لهم في ذلك، فإنَّما في ذلك بيان التَّحريم والدُّعاء للمدينة وليس من باب الفضل في شيء.
وأمَّا احتجاج بعضهم لذلك بأنَّ المدينة كالكيرِ تنفي شرار النَّاس، كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد [خ¦1871] ، فلا حجَّة لهم في ذلك أيضا، فإن ذلك في وقتٍ دون وقتٍ، وفي قومٍ دون قوم، وفي خاصٍّ دون عامٍّ بدليل قوله
ج 9 ص 111
تعالى {وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ} [التوبة 101] والمنافق خبيثٌ بلا شك.
وقد خرج من المدينة بعد النبيِّ صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم عليٌّ وطلحة والزبير وعمَّار وآخرون رضي الله عنهم، وهم من أطيب الخلق فدلَّ ذلك على أنَّ المرادَ بالحديث تخصيص ناسٍ دون ناسٍ، ووقتٍ دون وقت.
(يَقُولُونَ) أي بعض المنافقين للمدينة (يَثْرِبُ) يسمُّونها بهذا الاسم (وَهْيَ الْمَدِينَةُ) أي واسمها الَّذي يليق بها هي المدينة الكاملة على الإطلاق كالبيت للكعبة، والنَّجم للثُّريا، فهي اسمها الحقيق بها؛ لأنَّ التركيب يدل على التَّفخيم، كقوله
~هم القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدٍ
أي هي المستحقَّة؛ لأن تتخذ دار إقامةٍ؛ لأنَّ المدينة من مدن بهذا الموضع أقام به.
ويثرب اسم واحدٍ من العمالقة نزلها. وذكر أبو إسحاق الزَّجاج في «مختصره» وأبو عبيد البكري في «معجم من استعجم» أنَّها سمِّيت بيثرب بن مهلايل بن عيل بن عوص بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام؛ لأنَّه أول من سكنها بعد العرب، ونزل أخوه خيبور خيبر، فسمِّيت به.
قال بعض العلماء وكرهه صلى الله عليه وسلم لأنَّه إما من التَّثريب الذي هو التَّوبيخ والملامة، وإمَّا من الثَّرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبحٌ وكان صلى الله عليه وسلم يحبُّ الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح.
وأمَّا تسميتها في القرآن بيثرب فإنَّما هي حكايةٌ عن المنافقين.
وروى أحمد من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه رفعه من سمَّى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة هي طابة. وروى عمر بن شبَّة من حديث أبي أيوب رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يقال للمدينة يثرب. ولهذا قال عيسى بنُ دينار من المالكية من سمَّى المدينة يثرب كتبت عليه خطيئة. لكن في «الصحيحين» في حديث الهجرة فإذا هي يثرب [خ¦3622] ، وفي رواية (( لا أراها إلا يثرب ) ). وقد يجاب بأنَّه كان قبل النَّهي، والله أعلم.
(تَنْفِي) أي المدينة (النَّاسَ) قال أبو عمر أي شرار النَّاس ألا ترى أنَّه مثَّل ذلك وشبَّهه بما يصنع الكير في الحديد، والكير إنَّما يَنفي رديءَ الحديد وخبيثه، ولا ينفي جيِّده، قال وهذا عندي _والله أعلم_ إنَّما كان في حياته صلى الله عليه وسلم فحينئذٍ لم يكن يخرج من المدينة رغبةً عن جواره فيها إلَّا من لا خير فيه.
وأمَّا بعد وفاته
ج 9 ص 112
صلى الله عليه وسلم فقد خرج منها الخيار والفضلاء الأبرار. وقال القاضي عياض وكان هذا يختصُّ بزمنه صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه بها إلَّا من ثبت إيمانه.
وقال النوويُّ ليس هذا بظاهر؛ لأنَّ عند مسلم (( لا تقوم السَّاعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكير خبث الحديد ) )، وهذا _والله أعلم_ زمن الدَّجال. ويحتمل أن يكون المراد كلًّا من الزَّمنين، وكان الأمر في حياته صلى الله عليه وسلم كذلك للسبب المذكور.
ويؤيِّده قصة الأعرابي الآتية بعد أبوابٍ [خ¦1883] فإنَّه صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث معللًا به خروج الأعرابي وسؤاله الإقالة عن البيعة، ثم يكون ذلك أيضًا في آخر الزَّمان عندما ينزل بها الدَّجَّال فترجف بأهلها، فلا يبقى منافقٌ ولا كافر إلَّا خرج إليه، كما سيأتي بعد أبواب أيضًا [خ¦1881] ، وأمَّا بين ذلك فلا، والله أعلم.
(كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ) بكسر الكاف وسكون التحتانية. وفي «التلويح» الكير هو دار الحدَّاد والصَّائغ وليس الجلد الذي يسمِّيه العامة كيرًا، كذا قال أهل اللغة. ومنه حديث أبي أمامة وأبي ريحانة رضي الله عنهما عن النَّبي صلى الله عليه وسلم (( الحمَّى كيرٌ من جهنَّم وهو نصيبُ المؤمن من النار ) ). وقيل في الكير لغةٌ أخرى كُور _ بضم الكاف _ والمشهور بين النَّاس أنه الزقُّ الَّذي ينفخ فيه، لكن أكثر أهل اللغة على أنَّ المراد بالكير حانوت الحداد والصَّائغ.
وقال ابن التِّين وقيل الكير هو الزِّق، والحانوت هو الكُور، وفي «المحكم» الكير الزقُّ الذي ينفخ فيه الحدَّاد. ويؤيِّد الأول ما رواه عمر بن شبَّة في «أخبار المدينة» بإسناده إلى أبي مودود قال رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كير حدَّاد في السُّوق فضربه برجله حتى هدمه.
وفي «المحكم» والجمع أَكْيَار وكِيَرة، وعن ثعلب كِيران، وليس ذلك بمعروفٍ في كتب اللغة إنَّما الكِيران جمع كور، وهو الرجل. وفي «الصحاح» والمجمل عن أبي عَمرو كير الحدَّاد، هو زقٌّ أو جلدٌ غليظٌ ذو حافَّات. قال الكرمانيُّ وأمَّا المبنيُّ من الطِّين فهو الكور.
(خَبَثَ الْحَدِيدِ) بفتح المعجمة والموحدة وآخره مثلثة، هو وسخُ الحديد الَّذي تخرجه النَّار.
وقال الكرمانيُّ ويروى بضم الخاء وسكون الباء، وفيه نظر، والمعنى أنَّها لا تترك فيها من في قلبه دغل بل تميِّزه عن القلوب الصَّادقة وتخرجه كما يميِّز الحداد رديء الحديد من جيِّده، ونسب التَّمييز للكير؛ لكونه السَّبب الأعظم في إشعال النَّار التي يقع التَّمييز بها.
والحديث أخرجه مسلمٌ أيضًا في (( الحج ) )، وأخرجه النسائيُّ فيه، وفي (( التفسير ) ).
ج 9 ص 113