1895 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المدينيُّ، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قال (حَدَّثَنَا جَامِعٌ) هو ابنُ أبي راشد الصيرفيُّ الكوفيُّ (عَنْ أَبِي وَائِلٍ) بالهمز، هو شقيق بن سلمة (عَنْ حُذَيْفَةَ) بن اليمان، أنَّه (قَالَ قَالَ عُمَرُ) أي ابنُ الخطاب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْفِتْنَةِ) أي المخصوصة، كما سنقف عليه.
(قَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ) بأن يأتي من أجلهم وسببهم بما لا يحلُّ له من القول والفعل ما لم يبلغ كبيرة، قاله ابن بطَّال. وقال المهلَّب معناه ما يعرض له معهم من شرٍّ أو حزن ونحوه.
(وَمَالِهِ) بأن يأخذ من غير مأخذه، ويصرفه في غير مصرفهِ، وبأن يفرِّط بما يلزمه من حقوق المال، فيكثر عليه المحاسبة، وزاد في باب الصلاة كفارة [خ¦525] وَوَلَدِهِ وهي فرط محبَّته لهم، وشغله بهم عن كثيرٍ من الخير، أو التوغُّل في الاكتساب لأجلهم من غير اكتراثٍ بأن يكون من حلالٍ أو حرام، أو تفريطه فيما يلزم من القيام بحقوقهم وتأديبهم، فإنَّه راعٍ ومسؤول عن رعيَّته، وذلك المعنى يتصوَّر في الأهل أيضًا.
(وَجَارِهِ) بأن يتمنى أن يكون حاله مثل حاله إن كان متسعًا مع الزوال عنه، قال الله تعالى {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً} [الفرقان 20] ، فهذه كلها فتن تقتضِي المحاسبة، ومنها ذنوب يرجى تكفيرها بالحسنات، ولهذا قال (تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ) وقد قال تعالى
ج 9 ص 173
{إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود 114] .
وهذا هو موضعُ الترجمة، وقد تقدَّم طرف من الكلام على الحديث في باب الصلاة كفارة [خ¦525] ، ويأتي في علامات النُّبوة إن شاء الله تعالى [خ¦3586] .
قال الحافظ العسقلانيُّ قيل هذا لا يعارض الحديث السَّابق في الباب قبله، وهو ما أخرجه أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه (( كلُّ العمل كفَّارة إلَّا الصَّوم، الصَّوم لي وأنا أجزي به ) ) [خ¦1894] لأنَّه يحمل في الإثبات على كفَّارة شيءٍ مخصوص، وفي النَّفي على كفَّارةِ شيءٍ آخر. وقد حمله المصنِّف في موضع آخر على تكفير مطلق الخطيئة فقال في (( الزكاة ) )باب الصدقة تكفر الخطيئة، ثمَّ أورد هذا الحديث بعينه [خ¦1435] .
ويؤيِّد الإطلاق ما ثبتَ عند مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا مرفوعًا (( الصَّلوات الخمس، ورمضان إلى رمضان مكفِّرات ما بينهنَّ ما اجتنبتِ الكبائر ) )وقد تقدَّم البحث فيه في (( الصلاة ) ) [خ¦528] .
ولابن حبَّان في «صحيحه» من حديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعًا (( من صامَ رمضان، وعرف حدودهُ كفر ما قبله ) ).
ولمسلم من حديث أبي قتادة رضي الله عنه (( إنَّ صيام عرفة يكفِّر سنتين، وصيام عاشوراء يكفِّر سنة ) ).
وعلى هذا فقوله (( كلُّ العمل كفَّارة إلا الصِّيام ) )يحتمل أن يكون المراد إلا الصِّيام، فإنه كفَّارة وزيادة ثواب على الكفَّارة، ويكون المراد بالصيام الذي هذا شأنه ما وقع خالصًا سالمًا من الرياء والشَّوائب، كما تقدم، والله أعلم.
(قَالَ) أي عمر لحذيفة رضي الله عنهما (لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ) بكسر الذال المعجمة وكسر الهاء في الفرع وأصله، وفي غيرهما بسكون الهاء، وهي هاء السَّكت، ويجوز فيها الاختلاس والسُّكون والإشباع، وهي من أسماء الإشارة للمفرد المؤنث، واسم ليس ضمير الشَّأن. وفي الصلاة (( ليس هذا أريد ) ) [خ¦525] .
(إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ) الفتنة الكبرى (الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ الْبَحْرُ) أي تضطربُ ويدفع بعضها بعضًا؛ لشدَّة عظمها، وكثرة شيوعهَا كموج البحر واضطرابه، والمراد ما يقعُ بين الناس من القتال الشَّديد.
(قَالَ) أي حذيفة رضي الله عنه، زاد في الصلاة (( ليس عليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين ) ) [خ¦525] (وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ) وفي رواية ابن عساكر (بَابًا مُغْلَقًا)
ج 9 ص 174
بالنصب صفة لـ (( بابًا ) )؛ أي لا يخرج شيءٌ من الفتن في حياتك.
(قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (فَيُفْتَحُ) ذلك الباب (أَوْ يُكْسَرُ؟) على البناء للمفعول فيهما (قَالَ) حذيفة رضي الله عنه (يُكْسَرُ) يعني أنَّ ذلك الباب يقتل (قَالَ) عمر رضي الله عنه (ذَاكَ) أي الكسر (أَجْدَرُ) أي أولى من الفتح، وفي نسخة (أَنْ لاَ يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) أي إذا وقعت الفتنة، فالظاهر أنَّها لا تسكن إلى يوم القيامة؛ لأنَّ المكسور لا يُعاد، بخلاف المفتوح، والكسر لا يكون غالبًا إلَّا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة.
وقال ابن بطَّال لأنَّ الإغلاق إنَّما يكون في الصَّحيح، وأمَّا الكسر فهو هتك لا يجبر، ولذلك انخرقَ عليهم بقتل عثمان رضي الله عنه بعده من الفتن ما لا يغلقُ إلى يوم القيامة.
قال شقيق (فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (سَلْهُ) أي حذيفة رضي الله عنه (أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ الْبَابُ؟ فَسَأَلَهُ) أي سأل مسروق حذيفة رضي الله عنه عن ذلك (فَقَالَ نَعَمْ) يعلمه (كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ) أي كعلمه أنَّ اللَّيلة أقرب من الغد وقبله، وفي رواية أبي ذرٍّ عن المستملي .
قيل وإنَّما كان يعلمه عمر رضي الله عنه؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم فقال (( إنما عليك نبي وصديق وشهيدان ) ) [خ¦3675] . وفي باب الصلاة كفارة (( قال شقيق فهبنا _ أي خفنا _ أن نسأل حذيفة رضي الله عنه مَن الباب، وأمرنا مسروقًا أن يسأله، فسأله فقال حذيفة رضي الله عنه الباب هو عمر رضي الله عنه ) ).