فهرس الكتاب

الصفحة 297 من 11127

166 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ سَعِيدٍ) هو ابن أبي سعيد المَقْبُري (عَنْ عُبَيْدِ بْنِ جُرَيْجٍ) بالجيمين وبالتصغير فيهما، ومكبَّر جريجِ

ج 2 ص 113

وِعاء يُشبه الخُرْج، وهو التيمي المدني الثقة، مولى بني تميم، وليس بينه وبين عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج نسب، وقد يُظن أن هذا عمه وليس كذلك، روى له الجماعة، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وفيه رواية الأقران؛ لأن عُبيدًا وسعيدًا تابعيَّان من طبقة واحدة، وقد أخرج متنه المؤلِّف في اللباس أيضًا [خ¦5851] ، وأخرجه مسلم وأبو داود في الحج، وأخرجه الترمذي في (( شمائله ) )، وأخرجه النسائي في الطهارة، وابن ماجه في اللباس.

(أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! رَأَيْتُكَ تَصْنَعُ أَرْبَعًا) أي أربع خصال (لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِكَ) وفي بعض النسخ والمُؤدى واحد؛ أي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (يَصْنَعُهَا) والظاهر من السياق انفراد ابن عمر رضي الله عنهما بما ذُكِر دون غيره ممن رآهم عبيد، وقال المَازَري يحتمل أن يكون مراده لا يصنعها غيرك مجتمعة وإن كان يصنع بعضها.

(قَالَ وَمَا هِيَ يَا ابْنَ جُرَيْجٍ؟ قَالَ رَأَيْتُكَ) أي أبصرتك حال كونك (لاَ تَمَسُّ) بفتح الميم من مَسِسْت أمَسُّ بكسر الميم في الماضي وفتحها في المستقبل على ما اختاره ثعلب في الفصيح (مِنَ الأَرْكَانِ) أي أركان الكعبة الأربعة اليمانيين والشاميين (إِلاَّ) الركنين (الْيَمَانِيَيْنِ) هو تثنية يمان بتخفيف الياء، نسبة إلى اليمن أبدلوا من إحدى يائي النسبة ألفًا، فلو قيل اليمانيِّ بتشديد الياء، لزم الجمع بين البدل والمبدل منه، هذا هو الفصيح الذي اختاره ثعلب ولم يذكر ابن فارس غيره، وبعضهم يقول يمانيِّ بالتشديد قال أمية بن خلف

~يَمانيًّا يَظَلُّ يَشُدُّ كِيرًا وينفُخُ دائِبًا لَهَبَ الشُّواظِ

والذي شدَّدها قال هذه الألف زائدة، وقد تزاد في النسب كزيادة النون في صنعاني والزاي في رازي، وقوم يمانِيَة ويَمَانُون مثل ثمانِيَة وثمانون.

وفي كتاب (( التيجان ) )لابن هشام سُمِّيت اليمن يمنًا بيعرب إذ اسمه يمن بن قحطان بن عابر، وهو هود عليه السلام؛ فلذلك قيل أرض يمن، وهو أول من قال الشعر ووَزَنه.

وفي (( معجم ) )ابن عبيد سمي اليمن قبل أن تُعرف الكعبة المُشرَّفة؛ لأنه عن يمين الشمس، وقال أبو عبيد قال بعضهم سميت بذلك؛ لأنها عن يمين الكعبة، وقيل سميت بيمن بن قحطان، وفي كتاب (( الرّشَاطي ) )سمي اليمن ليُمْنِه وهو يُعْزَى لقُطْرُب.

ج 2 ص 114

وفي (( الزَّاهر ) )لابن الأنباري وقد أيمن إذا أتى اليمن، ثمَّ إن الركنين اليمانيين هما الركن اليماني والركن الذي فيه الحجر الأسود، ويقال له [1] الركن العراقي لكونه إلى جهة العراق والذي قبله يماني؛ لأنه من جهة اليمن، ويقال لهما اليمانيان بالتخفيف على الفصيح أو بالتشديد كما عرفت تغليبًا لأحد الاسمين، وهما الباقيان على قواعد إبراهيم عليه السلام، ومن ثمَّ خصا بالاستلام، وعلى هذا لو بني البيت الآن على قواعد إبراهيم عليه السلام استلمت كلها اقتداءً به، ولهذا لما ردَّهما ابن الزبير على القواعد استلمها، ثمَّ ظاهر هذا الحديث أن غير ابن عمر رضي الله عنهما من الصحابة الذين رآهم عبيد كانوا يستلمون الأركان كلها.

قال القاضي عياض اتفق الفقهاء اليوم على أن الركنين الشاميين وهما مقابلا اليمانيين لا يُستَلمان، وإنما كان الخلاف، فيه في العصر الأول بين بعض الصحابة وبعض التابعين، ثمَّ ذهب الخلاف، وقال وركن الحجر الأسود خُصَّ بشيئين الاستلام والتقبيل، والركن الآخر خُصَّ بالاستلام فقط والآخران لا يُقبَّلان ولا يُستَلمان، وكان بعض الصَّحابة رضي الله عنهم والتابعين يمسحهما على وجه الاستحباب.

وقال ابن عبد البر روي عن جابر، وأنس، وابن الزبير، والحسن والحسين رضي الله عنهم أنَّهم كانوا يستلمون الأركان كلها، وعن عروة مثل ذلك، واختلف عن معاوية وابن عباس رضي الله عنهما في ذلك وقال أحدهما ليس شيء من البيت مهجورًا، والصَّحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقول إلا الركن الأسود واليماني وهما المعروفان باليمانيين، ولما رأى عبيد بن جريج جماعة يفعلون على خلاف ابن عمر رضي الله عنهما سأله عن ذلك.

(وَرَأَيْتُكَ تَلْبَسُ) بفتح الموحدة من باب عَلِمَ يَعْلَم، ومصدره اللُّبس _ بضم اللام _، وأما لبَس يلبِس _ بفتح الباء في الماضي وكسرها في المستقبل _ من باب ضَرَب يَضْرِب، فمصدره اللَّبس _ بفتح اللام _ بمعنى الخلط، وكلاهما في القرآن، قال تعالى {يَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا} [الكهف 31] ، وقال تعالى {وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام 82] .

(النِّعَالَ) بكسر النون، جمع نَعْل (السِّبْتِيَّةَ) نسبة إلى سِبْت، بكسر السين

ج 2 ص 115

وسكون الموحدة وفي آخره تاء مثناة فوقية، وهو جلد البقر المدبوغ بالقرظ، وقيل بالسُّبت _ بضم أوله _ وهو نَبْتٌ يُدبغ به، وقال أبو عمرو كل ما دُبِغَ فهو سبت.

وقال أبو زيد هو الجلد مدبوغًا وغير مدبوغ، وقيل النعال السبتية هي التي عليها الشعر، أو التي انسبتت بالدباغ؛ أي لانت به، وقيل هي نسبة إلى سوق السبت، والمراد من النعال السِّبتية هنا هي التي لا شعر فيها مشتقة من السبت وهو الحلق على ما هو ظاهر جواب ابن عمر رضي الله عنهما، وكانت عادة العرب لبس النعال بشعرها غير مدبوغة، وكانت المدبوغة تُعْمَل بالطائف وغيره، وكان يلبسها أهل النعيم والرفاهية، ولذلك اعترض عبيد بن جريج على ابن عمر رضي الله عنهما بذلك.

قال أبو عمر لا أعلم خلافًا في جواز لبسها في غير المقابر، وحكي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لَبِسها، وإنما كَرِه قومٌ لبسها في المقابر لقوله صلى الله عليه وسلم لذلك الماشي بين المقابر «ألق سِبْتَيك» ، وقال قوم يجوز ذلك ولو كان في المقابر لقوله عليه السلام «إذا وقع الميت في قبره إنه ليسمع قرع نعالهم» .

وقال الحكيم الترمذي في (( نوادر الأصول ) )إنَّ النبي صلى الله عليه وسلم إنما قال لذلك الرجل «ألق سِبْتَيك» ؛ لأن الميت كان يُسأل، فلما صرَّ نعل ذلك الرجل شَغَله عن جواب المَلَكين فكاد يهلك لولا أن ثبته الله تعالى.

(وَرَأَيْتُكَ تَصْبغُ) بضم الموحدة وفتحها وكسرها، والمراد صبغ الثوب أو الشعر على ما يأتي (بِالصُّفْرَةِ وَرَأَيْتُكَ إِذَا كُنْتَ بِمَكَّةَ أَهَلَّ النَّاسُ) أي رفعوا أصواتهم بالتلبية بالإحرام للحج أو العمرة من الإهلال، وهو رفع الصوت بالتلبية.

وفي (( المُوعِب ) )كل شيء ارتفع صوته فقد استهلَّ، وقال أبو الخطاب كل مُتكِلّم رافع الصوت أو خافضه فهو مُهِل ومُسْتَهل.

وقال صاحب (( العين ) )يقال أهلَّ بعُمرة أو بِحَجَّة؛ أي أحرم بها وجرى على ألسنتهم ذلك؛ لأن أكثر ما كانوا يحجُّون إذا أهلَّ الهلال، وإهلال الهلال واستهلاله رفع الصوت بالتكبير عند رؤيته، واستهلال الصبي تصويته عند ولادته، وأهلَّ الهلال إذا طلع، وأهل واستهل إذا أبصر، وأهللته إذا أبصرته.

(إِذَا رَأَوُا الْهِلاَلَ) أي هلال ذي الحجة

ج 2 ص 116

(وَلَمْ) وفي رواية (تُهِلَّ أَنْتَ حَتَّى كَانَ) وفي رواية مسلم وكان تامة أو ناقصة (يَوْمُ) بالرفع أو بالنصب (التَّرْوِيَةِ) وهو الثامن من أيام ذي الحجة؛ أي فتُهل أنت حينئذٍ، وسمي اليوم الثامن منه بذلك إما لأن الناس كانوا يروون فيه من الماء من ماء زمزم؛ أي يحملونه معهم من مكة إلى عرفات فيستعملونه في الشرب وغيره؛ لأنه لم يكن بمنى ولا بعرفات ماء، وإما لأن إبراهيم عليه السلام رأى الرؤيا بذبح ولده فتروَّى في نفسه من الله تعالى هذا أم من الشيطان فأصبح صائمًا، فلما كان ليلة عرفة أتاه الوحي فعرف أنه الحق من ربه فسُمِّيت تلك الليلة عَرَفة كما سُمِّي ذلك اليوم التروية على ما رواه البيهقي في (( فضائل الأوقات ) )عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما، وإما لأنه اليوم الذي رأى فيه آدم حوَّاء عليهما السلام.

(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) أي ابن عمر رضي الله عنهما مجيبًا لعبيد بن جريج، وفي اللباس عند المصنف «فقال له عبد الله بن عمر» [خ¦5851] (أَمَّا الأَرْكَانُ) أي أما عدم مس الأركان الأربعة كما كانوا يمسونها كلها (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّ) منها (إِلاَّ) الركنين (الْيَمَانِيَيْنِ) بالتخفيف أو بالتشديد والمراد بهما الركن الأسود، والذي يُسامِتُه من مقابلة الصفا كما عرفت (وَأَمَّا النِّعَالُ السِّبْتِيَّةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُ النِّعالَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا شَعَرٌ وَيَتَوَضَّأُ فِيهَا) أي في النعال (فَأَنَا) وفي رواية (أُحِبُّ أَنْ أَلْبَسَهَا) ظاهره أنه يتوضأ في حال كون الرِّجْل في النعل غير مخلوعة عنها.

وقال النووي معناه أنه يتوضأ ويلبسها ورجلاه رطبتان بعد، وهذا هو موضع استدلال المصنف للترجمة.

(وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ) بتثليث الموحدة كما عرفت (بِهَا فَأَنَا) وفي رواية (أُحِبُّ أَنْ أَصْبُغَ بِهَا) يحتمل صبغ الثياب وصبغ الشعر، واختلفوا في المراد منهما.

فقال القاضي عياض الأظهر أن المراد صبغ الثياب؛ لأنه أخبر أنه صلى الله عليه وسلم صبغ ولم يَنْقُل أنه صبغ شعره، هذا وقد جاءت آثار عن ابن عمر رضي الله عنهما بيَّن فيها تصفير ابن عمر لحيته، واحتج

ج 2 ص 117

بأنه عليه السلام كان يصفِّر لحيته الشريفة بالوَرْس والزعفران، أخرجه أبو داود، وذكر أيضًا في حديث آخر احتجاجه بأنه عليه السلام كان يصبغ بهما ثيابه حتى عمامته، وكان أكثر الصحابة والتابعين يُخَضِّبون بالصفرة منهم أبو هريرة وآخرون رضي الله عنهم.

ويُرْوَى ذلك عن علي رضي الله عنه أيضًا، وإنما رجَّح القاضي عياض صبغ الثياب؛ لأن الحديث المُستَدل به على صبغ الشعر يحتمل أن يُحمَل على التطيب بهما لا أنه كان يصبغ بهما.

(وَأَمَّا الإِهْلاَلُ) بالحج أو العمرة (فَإِنِّي لَمْ أَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ حَتَّى تَنْبَعِثَ بِهِ رَاحِلَتُهُ) يقال بَعَثْتُ الناقةَ أبعثها فانبعثت هي؛ أي أسرعت، والمعنى هنا استواؤها قائمة إلى طريقه، وفي الحقيقة هو كناية عن ابتداء الشروع في أفعال الحج والراحلة هي المركب من الإبل ذكرًا كان أو أنثى.

قال المازَري إجابة ابن عمر رضي الله عنهما من القياس حيث لم يتمكن من الاستدلال بنفس فِعْلِ الرسول صلى الله عليه وسلم بِعينِه فاستدل بما في معناه، ووجه قياسه أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أحرم عند الشروع في أفعال الحج والذهاب إليه، فأخَّر ابن عمر رضي الله عنهما الإحرام إلى حال شروعه في الحج، وتوجهه إليه وهو يوم التروية، فإنهم حينئذ يخرجون من مكة إلى منى، وعليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله، وقال فعند البعض الأفضل أن يُهلّ لاستقبال ذي الحجة.

وقال إمامنا الأعظم رحمه الله تعالى يُحْرِم عقيب الصلاة وهو جالس قَبْلَ ركوب دابته وقَبْلَ قيامه لحديث ابن عباس رضي الله عنه رواه أبو داود قال حدثنا محمد بن منصور، قال حدثنا يعقوب يعني ابن إبراهيم، قال حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، قال حدثني خُصَيْف بن عبد الرحمن الجَزَري، عن سعيد بن جُبير قال «قلت لابن عباس رضي الله عنهما يا أبا العباس! عَجِبْتُ لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوجب فقال إني لأعلم الناس بذلك؛ إنها إنما كانت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة واحدة، فمن هنالك اختلفوا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حاجًَّا، فلما صلى في مسجده بذي الحُليْفة ركعتيه أوجبه في مجلسه، فأهل بالحج حين فرغ من ركعتيه، فسمع ذلك منه أقوام فحفظتْه عنه، ثمَّ ركب، فلما استقلَّت به ناقته أهلَّ،

ج 2 ص 118

وأدرك ذلك منه أقوام، وذلك أن الناس إنما كانوا يأتون أرسالًا، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل، فقالوا إنما أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استقلَّت به ناقته، ثمَّ مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما علا على شرف البيداء أهلَّ، وأدرك ذلك منه أقوام فقالوا إنما أهل حين علا شرف البيداء وأيمُ الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلَّت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء، قال سعيد فمن أخذ بقول ابن عباس رضي الله عنهما أهل في مصلاه إذا فرغ من ركعتيه».

وأخرج الحاكم في (( مستدركه ) )نحوه ثمَّ قال هذا حديث صحيح على شرط مسلم مُفسَّر في الباب ولم يخرِّجاه، وأخرجه الطَّحاوي ثمَّ قال وبيَّن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوجه الذي منه جاء الاختلاف، وأن إهلال النبي عليه الصلاة والسلام الذي ابتدأ بالحج [2] ودخل به فيه كان في مصلاه، فبهذا نأخذ وينبغي للرجل إذا أراد الإحرام أن يصلي ركعتين، ثمَّ يحرم في دبرهما كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، وقد ذكر الطحاوي هذا بعد أن ذكر اختلاف العلماء فروى أولًا عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلّى بذي الحليفة ثمَّ أُتِى براحلته، فلما استوت به البيداء أهل» ، ثمَّ قال فذهب قومٌ إلى هذا فاستحبوا الإحرام من البيداء لإحرام النبي صلى الله عليه وسلم منها، وأراد بالقوم هؤلاء الأوزاعي، وعطاء، وقتادة، وخالفهم في ذلك آخرون، وأراد بهم الأئمة الأربعة وأكثر أصحابهم، فإنهم قالوا سنة الإحرام أن يكون من ذي الحليفة.

وفي (( شرح الموطأ ) )استحب مالك وأكثر الفقهاء أن يُهلَّ الراكب إذا استوت به راحلته قائمة، واستحب أبو حنيفة أن يكون إهلاله عقيب الصلاة إذا سِلَّم منها، وقال الشافعي يُهلُّ إذا أخذت ناقته في المشي من كان يركب راحلته قائمة كما يفعله كثير من الحجاج اليوم، وقال القاضي عياض جاء في رواية ، وفي رواية أخرى ، وفي رواية أخرى ، وكل ذلك متفق عليه.

ثمَّ قال الطحاوي أجاب هؤلاء عما قاله أهل المقالة الأولى من استحباب الإحرام من البيداء بما

ج 2 ص 119

حاصله لا نُسلِّم أن إحرامه عليه السلام من البيداء يدل على استحباب ذلك، وأنه فضيلة اختارها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يجوز أن يكون ذلك لا القصدُ أن للإحرام منها فضيلة على الإحرام من غيرها، وقد فعل صلى الله عليه وسلم في حجته في مواضع لا لفضلٍ قَصَدَهُ، مِنْ ذلك نُزُولُه بالمُحصَّب. وروى [3] عطاء عن ابن عباس قال ليس المحصَّب بشيء إنما هو مَنزلٌ نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حصّب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لأنه سنة، فكذلك يجوز أن يكون إحرامه من البيداء كذلك.

قال وأنكر قوم أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم من البيداء وقالوا ما أحرم إلا من المسجد، وأراد بالقوم هؤلاء الزهري، وعبد الملك بن جريج، وعبد الله بن وهب، ورووا في ذلك ما رواه مالك عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه أنه قال «ما أهلَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا من عند المسجد» يعني مسجد ذي الحليفة، أخرجه الطحاوي عن يزيد بن سنان، عن عبد الله بن مَسْلَمة، عن مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه.

وأخرجه الترمذي أيضًا، قال الطحاوي فلما جاء هذا الاختلاف بيَّن ابن عباس رضي الله عنهما الوجه الذي جاء منه الاختلاف كما ذكرنا آنفًا.

[1] (( له ) )ليست في (( خ ) ).

[2] في (( خ ) )بالحج.

[3] في (( خ ) )وروي عن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت