فهرس الكتاب

الصفحة 2978 من 11127

1902 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ) بسكون العين، هو ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف القرشي الزُّهري المدني نزيل بغداد، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) بضم المهملة وسكون المثناة الفوقية، ابن مسعود الهذلي المدني (أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ) أي أسخاهم (بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ) أي في شهر رمضان؛ لأنه شهر يتضاعف فيه ثواب الصَّدقة، وفيه الصَّوم، وهو أشرفُ العبادات، فلذلك قال (( الصَّوم لي، وأنا أجزي به ) ) [خ¦7492] . وقد تقدَّم الكلام فيه، وفيه ليلة القدر [خ¦1901] [خ¦35] [خ¦1894] .

قال ابنُ الحاجب في «أمالي السَّائل المتفرِّقة» الرفع في (( أجود ) )هو الوجه؛ لأنَّك إن جعلت في كان ضميرًا يعود إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يكن (( أجود ) )بمجرَّده خبرًا؛ لأنه مضاف إلى ما يكون، فهو كون، ولا يستقيم الخبر بالكون

ج 9 ص 200

عمَّا ليس بكون.

ألا ترى أنَّك لا تقول زيد أجود ما يكون، فيجبُ أن يكون إمَّا مبتدأ خبره قوله في رمضان من باب قولهم أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وأكثر شربي السَّويق في يوم الجمعة، فيكون الخبر الجملة بكمالها كقولك كان زيد أحسن ما يكون في يوم الجمعة.

وإمَّا بدلًا من الضَّمير في (( كان ) )، فيكون من بدلِ الاشتمال، كما تقول كان زيد علمه حسنًا. وإن جعلت فيه ضمير الشَّأن تعيَّن رفع (( أجود ) )على الابتداء والخبر، وإن لم تجعل في (( كان ) )ضميرًا تعيَّن الرفع على أنَّه اسمها، والخبر محذوفٌ، وقامت الحال مقامه على ما تقرَّر في باب أخطب ما يكون الأمير قائمًا، وإن شئتَ جعلت في (( رمضان ) )هو الخبرُ كقولهم صيَّرني في الدَّار قائمًا. انتهى.

والمعنى وكان أجود أكوانه صلى الله عليه وسلم في رمضان، بإسنادِ الأجود إلى الكون إسنادًا مجازيًّا.

(حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ) عليه السَّلام، وهو أفضلُ الملائكة وأكرمهم كما أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم أفضلُ الأنبياء وأكرمهم عليهم الصَّلاة والسَّلام (وَكَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ) وفي رواية ابن عساكر (فِي رَمَضَانَ) من نزل عليه القرآن، أو من فترة الوحي إلى آخر رمضان الذي توفِّي بعده صلى الله عليه وسلم.

(حَتَّى يَنْسَلِخَ) أي ينقضيَ رمضان (يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ) الذي قد أنزل عليه إلى هذا الوقت (فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ كَانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ) قال الزَّين ابن المنيِّر وجه التَّشبيه بين أجوديَّته صلى الله عليه وسلم بالخير وبين أجودية الرِّيح المرسلة أنَّ المراد بالرِّيح إما الرَّحمة التي يرسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميِّتة وغير الميِّتة؛ أي فيعم خيرُه وبرُّه من هو بصفة الفقر والحاجة، ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر ممَّا يعمُّ الغيث النَّاشئ عن الرِّيح المرسلة، صلى الله عليه وسلم.

ثمَّ إنه يحتمل أن تكون زيادة الجود بمجرَّد لقاء جبريل عليه السَّلام ومجالسته. ويحتملُ أن تكون بمدارسته إيَّاه القرآن، وهو يحثُّ على مكارم الأخلاق، وقد كان القرآن له صلى الله عليه وسلم خُلقًا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثَّ عليه، ويمتنع ممَّا زجر عنه، فلهذا كان

ج 9 ص 201

يتضاعف جوده وأفضاله في هذا الشَّهر؛ لقرب عهده بمخالطة جبريل، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم.

ولا شكَّ أنَّ المخالطة تؤثِّر وتورث أخلاقًا من المخالط، لكن إضافة آثار ذلك إلى القرآن كما قال ابن المنيِّر آكد من إضافتها إلى جبريل عليه السَّلام، بل جبريل عليه السَّلام إنَّما تميَّز بنزوله بالوحي، فالإضافة إلى الحقِّ أولى من الإضافة إلى الخلق، لاسيَّما والنَّبي صلى الله عليه وسلم على المذهب الحق أفضل من جبريل عليه السَّلام.

وفي هذا الحديث تعظيم شهر رمضان؛ لاختصاصه بابتداء نزول القرآن، ثمَّ معارضة ما نزل منه فيه. وأنَّ ليله أفضل من نهاره. وأنَّ المقصود من التِّلاوة الحضور والفهم، فإنَّ الليل مظنَّة ذلك؛ لما في النَّهار من الشَّواغل والعوارض. وأنَّ فضل الزَّمان إنَّما يحصل بزيادة العبادة. وأنَّ مداومة التِّلاوة توجب زيادة الخير. وفيه استحباب تكثير العبادة في أواخر العمر. وهذا الحديث قد سبق في كتاب بدء الوحي [خ¦6] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت