فهرس الكتاب

الصفحة 2984 من 11127

1905 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو عبدُ الله بن عثمان بن جبلة الأزدي العتكي المروزي البصري الأصل

ج 9 ص 209

(عَنْ أَبِي حَمْزَةَ) بالحاء المهملة وبالزاي، محمَّد بن ميمون السُّكري، وقد مرَّ في باب نفض اليدين في الغسل [خ¦276] (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) النَّخعي (عَنْ عَلْقَمَةَ) بن قيس النَّخعي، أنَّه (قَالَ بَيْنَا) بغير ميم (أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ) يعني ابنَ مسعود (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ) قد مرَّ غير مرَّة أن بينا وبينما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة، والأفصحُ في جوابهما أن لا يكون بإذ وإذا، وقد جاء بهما كثيرًا، وأصلهما (( بين ) )فأشبعت الفتحة فصار بينا، وزيدت الميم فصار بينما.

وقال الكرمانيُّ فإن قلت جواب (( بين ) )كيف صح بالفاء، وهو إمَّا بإذا، أو بالفعلِ المجرَّد؟

قلت إما بأن يجعل الفاء مقامَ (( إذا ) )للأخوة بينهما، وإمَّا أن يقال لفظ قال مقدَّر، والمذكور مفسَّر له. انتهى.

وتعقَّبه العيني بأن هذا كله تعسُّف، ولا نسلِّم أن جواب (( بين ) )إذا، فإنَّ الأفصحَ أن لا يكون بإذ وإذا، ولا نسلِّم قوله بالفعل المجرَّد، وأيضًا لا نسلِّم الأخوة بين إذا والفاء، والصَّواب أن يقال إن جواب (( بين ) )هو قوله فقال، والفاء لا تضرُّ ولا يفسد بها المعنى، ولا يحتاج إلى تقدير شيءٍ.

هذا، وأنت خبيرٌ بعدم ارتباطِ هذا الكلام وقصوره في إفادة المرام.

(كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنِ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ) فيها أربعُ لغات الفصيحة المشهورة بالمد والهاء، الثَّانية بلا مد، الثالثة بالمد بلا هاء، الرابعة الباهة بهاءين بلا مدٍّ، وهو في اللُّغة الجماع، مشتقٌّ من المباءة، وهي المنزل. ومنه مباءة الإبل وهي معاطنُها، ثمَّ قيل لعقد النِّكاح، ذكره النَّووي.

وفي «الموعب» الباءة الحظُّ من النِّكاح. وعن ابنِ الأعربي الباء والباءة والباهة النِّكاح.

وفي «الصِّحاح» الباهة مثل الباعة لغة في الباءة، وسمِّي النِّكاح باء وباهة؛ لأنَّ الرَّجل يتبوَّأ من أهله؛ أي يستمكنُ منها كما يتبوَّأ من داره. وبوَّأه منزلًا أنزله فيه، والاسم البيئة، بالفتح والكسر.

وقال الأصمعيُّ الباء الغشيان. وقال التَّيمي الباءة ممدودة، والمحدِّثون يقولون الباه، بالقصر والهاء.

قال القرطبيُّ الاستطاعة هنا عبارة عن وجود ما به يُتزوَّج، ولم يرد القدرة على الوطءِ. وقيل هي القدرة على الجماعِ، والظَّاهر هو الأوَّل، ومن فسَّر بالثَّاني ردَّه إلى معنى الأوَّل أيضًا؛ أي من استطاع منكم الجماع لقدرته على مؤن النِّكاح.

(فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ) أي التزوُّج المدلول عليه بقوله فليتزوَّج (أَغَضُّ)

ج 9 ص 210

بالغين والضاد المعجمتين (لِلْبَصَرِ) أي أدعى إلى غضِّ البصر (وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ) أي أدعى إلى إحصان الفرج.

وقال صاحب «التَّوضيح» يحتمل أن يكون أغضُّ وأحصنُ للمبالغة، ويحتمل أن يكونا على بابهما. وتعقَّبه العيني بأنَّ كلاًّ منهما أفعل التَّفضيل، فكيف يكونان على بابهما؟.

(وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أي الباءة لعجزه عن المؤن (فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ) وإنَّما قدر كذلك؛ لأنَّ من لم يستطع الباءة؛ أي الجماع؛ لعدم شهوته لا يحتاج إلى الصَّوم لدفعها. وقوله (( فعليه بالصَّوم ) )فيه كلام للنُّحاة فقيل من إغراء الغائب، وسهَّله تقدمُ المغرى به في قوله (( من استطاع منكم الباءة ) )، فكان كإغراء الحاضر، قاله أبو عبيدة.

وقال ابنُ عصفور الباء زائدة في المبتدأ، ومعناه الخبر لا الأمر؛ أي فعليه الصَّوم.

وقال ابنُ خروف من إغراءِ المخاطب؛ أي أشيروا عليه بالصَّوم، فحذف فعل الأمر، وجعل عليه عوضًا منه، وتولَّى من العمل ما كان الفعل يتولَّاه، واستترَ فيه ضمير المخاطب الذي كان متصلًا بالفعل.

ورجَّح بعضُهم رأي ابن عصفور بأنَّ زيادة الباء في المبتدأ أوسع من إغراء الغائب، ومن إغراءِ المخاطب من غير أن ينجر ضميره بالظَّرف، أو حرف الجر الموضوع مع ما خفضه موضع فعل الأمر.

(فَإِنَّهُ) أي الصَّوم (لَهُ) أي للصَّائم (وِجَاءٌ) بكسر الواو وبالجيم والمد؛ أي قاطع للشَّهوة، وهو في الأصل رضُّ الخصيتين. وقيل هو رضُّ العروق، والخصيتان بحالهما.

وقال القرطبيُّ وقاله بعضهم بفتح الواو والقصر، وليس بشيءٍ. وقال ابنُ سيده وَجَأ التَّيس وجْأً ووِجَاء فهو مَوْجُوء وَوَجيءٌ. وقيل الوجئ مصدر، والوجاء اسم.

وقال ابنُ الأثير وروي (( وجى ) )بوزن عصى، يريد النَّقب والحفاء، وذلك بعيدٌ إلا أن يراد منه معنى الفتور؛ لأنَّ من وجئ فتر عن الشَّيء، فشبَّه الصَّوم في باب النِّكاح بالتَّعب في باب المشي.

والمعتمد في الباب هو المعنى الأول؛ أي رض الخصيتين، أو العروق، فإنَّ من يفعل به ذلك تنقطع شهوته، ومقتضاه أنَّ الصَّوم قامع لشهوة الجماع، واستُشكل بأنَّ الصَّوم يزيد في تهييج الحرارة، وذلك ممَّا يثير الشَّهوة.

وأجيب بأنَّ ذلك إنَّما يكون في مبدأ الأمر، فإذا تمادى عليه واعتاده سكن ذلك، وشهوة النِّكاح تابعة لشهوةِ الأكل، فإنَّه يقوى بها، ويضعفُ بضعفها.

قال في «الرَّوضة» فإن لم تنكسر بالصَّوم

ج 9 ص 211

لم تنكسرْ بكافور ونحوه، بل ينكح.

قال الخطَّابي وفي الحديث جواز المعاناة لقطع الباءة بالأدوية كتناول الكافور ونحوه. وفيه الأمر بالنِّكاح لمن استطاع، وتاقت نفسه وهو إجماعٌ، لكنَّه عند الجمهور أمرُ ندبٍ لا وجوب، وإن خاف العنت كذا قالوا، لكن الأصح أنَّ النِّكاح على ثلاثة أنواع

الأوَّل سنَّة وهي في حال الاعتدال؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( تناكحوا توالدوا، فإنِّي أُباهي بكم الأمم يوم القيامة ) ).

الثَّاني واجبٌ وهو عند التَّوقان، وهو غلبة الشَّهوة.

الثَّالث مكروهٌ، وهو إذا خاف الجور؛ لأنَّه إنما شرع لمصالح كثيرة، فإذا خاف الجور لم تظهرْ تلك المصالح، ثمَّ في هذه الحالة يشتغل بالصَّوم، وذلك أنَّ الله تعالى أحلَّ النِّكاح، وندب نبيه صلى الله عليه وسلم إليه؛ ليكونوا على كمال في دينهم، وصيانة لأنفسهم من غضِّ أبصارهم، وحفظِ فروجهم؛ لما يخشى على من جبله الله على أعظمِ الشَّهوات.

ثمَّ إنَّ النَّاس كلَّهم لا يجدون طولًا إلى النِّساء، وربَّما خافوا العنت فعوَّضهم منه ما يدافعون به سَورة شهواتهم، وهو الصِّيام، فإنَّه وجاء وهو مقطع للانتشار، وحركة العروق التي تتحرَّك عند شهوة الجماع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت