1914 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيديُّ البصري، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستوائي، قال (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اليماميُّ أحد الثِّقات الأثبات، إلَّا أنَّه كان كثير الإرسال والتَّدليس رأى أنسًا رضي الله عنه، ولم يسمع منه، واحتجَّ به الأئمة (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرَّحمن بن عوف الزُّهري المدني. وعند الإسماعيلي (( حدَّثني أبو سلمة ) )ونحوه لأبي عَوانة من طريق معاوية بن سلام عن يحيى (( حدَّثني أبو سلمة ) ).
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ) وفي رواية خالد بن الحارث
ج 9 ص 232
عند الإسماعيلي (( لا تقدَّموا بين يدي رمضان بصوم ) ). وفي رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه (( لا تقدَّموا صوم رمضان بصوم ) ). وفي رواية أحمد عن روح عن هشام (( لا تقدَّموا قبل رمضان بصوم ) ). وفي رواية التِّرمذي من طريق علي بن المبارك، عن يحيى (( لا تقدَّموا شهر رمضان بصيام قبله ) ).
(إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ) أي إلَّا أن يوجد رجلٌ، فكان تامَّة (كَانَ يَصُومُ صَوْمًَا) وفي رواية الكُشميهني أي صوم المعتاد كصوم الورد كأن اعتاد صوم الدَّهر، أو صوم يوم وفطر يومٍ، أو صوم يوم معيَّن كالإثنين والخميس فصادفه، أو صوم النَّذر، أو الكفَّارة، أو القضاء.
(فَلْيَصُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ) فإنَّه مأذون له فيه؛ لأنَّه اعتاده وألفه، وترك المألوف شديد، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيءٍ، ويلتحق بذلك القضاء والكفَّارة والنَّذر؛ لوجوبها، وقال بعض العلماء يستثنى القضاء وما بعده بالأدلَّة القطعيَّة على وجوب الوفاء بها، فلا يبطل القطعي بالظَّني. وفي رواية معمر عن يحيى عند أحمد (( إلَّا رجل كان يصوم صيامًا فليأتي ذلك على صيامه ) ). ونحوه لأبي عَوانة من طريق أيُّوب عن يحيى. وفي رواية أحمد عند روح (( إلَّا رجل كان يصوم صيامًا فليصله به ) ). وفي رواية التِّرمذي وأحمد من طريق محمَّد بن عَمرو، عن أبي سلمة (( إلَّا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم ) ).
قال العلماءُ معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نيَّة الاحتياط لرمضان تحذيرًا ممَّا صنعت النَّصارى في الزِّيادة على ما افترض عليهم برأيهم الفاسد، وهذا كما نهي عن صيام يوم العيد حذرًا ممَّا وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم.
وقد أخرج الطَّبراني عن عائشة رضي الله عنها أنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشَّهر فيصومون قبل النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [الحجرات 1] . ولهذا نهى عن صوم يوم الشَّك، وقد كان صلى الله عليه وسلم يأمر بمخالفة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثمَّ أمر بعد ذلك بمخالفتهم.
وقال التِّرمذي لمَّا أخرجه والعمل على هذا عند أهل العلم؛ كرهوا أن يتعجَّل الرَّجل بصيام قبل دخول رمضان لمعنى رمضان. انتهى.
وهذا النَّهي على سبيل الكراهة على ما حكى التِّرمذي عن أهل العلم، وكثيرًا ما يطلق المتقدِّمون الكراهة على التَّحريم، ولكن في هذا النَّهي تفصيل واختلافٌ للعلماء.
فذهب داود إلى أنَّه لا يصحُّ صومه أصلًا، ولو وافق عادة له. وذهبت طائفة إلى أنَّه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوُّعًا إلَّا أن يوافق صومًا كان يصومه، وأخذوا بظاهر هذا الحديث،
ج 9 ص 233
روي ذلك عن عمر بن الخطَّاب وعلي وعمَّار وحذيفة وابن مسعود رضي الله عنهم، وعن سعيد بن المسيَّب والشَّعبي والنَّخعي والحسن وابن سيرين وهو قول الشَّافعي.
وكان ابن عبَّاس وأبو هريرة رضي الله عنهم يأمران بفصل يوم أو يومين، كما استحبُّوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنَّافلة بكلام، أو قيام، أو تقدُّم، أو تأخُّر خصوصًا سنَّة الفجر.
وقال عكرمة من صام يوم الشَّك فقد عصى الله ورسوله، وأجازت طائفة صومه تطوُّعًا، روي عن عائشة وأسماء أختها رضي الله عنهما أنَّهما كانا يصومان يوم الشَّك.
وقالت عائشة رضي الله عنها لأن أصوم يومًا من شعبان أحبُّ إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان. وهو قول اللَّيث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق.
وذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن أنَّه إذا نوى صومه من اللَّيل على أنَّه من رمضان، ثمَّ علم بالهلال أوَّل النَّهار، أو آخره أنَّه يجزئه، وهو قول الثَّوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه.
وقيل الحكمة في هذا النَّهي التقوِّي بالفطر على صيام رمضان؛ ليدخل فيه بقوَّة ونشاط، ولا يستثقل دخول رمضان. وفيه نظر؛ لأنَّ معنى الحديث أنَّه لو تقدَّمه بصيام ثلاثة أيَّام، أو أربعة جاز، كذا قيل. وأنت خبير بأنَّه بطريق المفهوم، ولا عبرة بالمفهوم عندنا.
وقد قال كثير من الشَّافعية بأنَّه يمتد المنع لما قبل ذلك، وأجابوا عن الحديث على مذهبهم بأنَّ المراد منه التقدُّم بالصَّوم، فحيث وجد منع، وإنَّما اقتصر على يوم أو يومين؛ لأنَّه الغالب ممَّن يقصد ذلك وقالوا أمد المنع وحده من أوَّل السَّادس عشر من شعبان؛ لحديث العلاء بن عبد الرَّحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ) )أخرجه أصحاب «السُّنن» ، وصحَّحه ابن حبَّان وغيره.
وقال الرَّوياني من الشَّافعية يحرم التقدُّم بيوم، أو يومين؛ لحديث الباب، ويكره التقدُّم من نصف شعبان للحديث الآخر. وقال جمهور العلماء يجوز الصَّوم تطوُّعًا بعد النصف من شعبان.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وضعَّفوا الحديث الوارد فيه، وقد قال أحمد وابن معين أنَّه منكر، وقد استدلَّ البيهقي
ج 9 ص 234
بحديث الباب على ضعفه فقال الرُّخصة في ذلك بما هو أصح من حديث العلاء، وكذا صنع قبله الطَّحاوي أنَّ الصَّوم بعد انتصاف رمضان جائزٌ غير مكروه، واستظهر بحديث ثابت عن أنس رضي الله عنه مرفوعًا (( أفضل الصِّيام بعد رمضان شعبان ) )، لكن إسناده ضعيف. فإنَّ في سنده صدقة بن موسى، وفيه مقال.
قال يحيى بن معين ليس حديثه بشيء، وضعَّفه النَّسائي، وأبو داود. واستظهر أيضًا بحديث عمران بن حصين أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل (( هل صمت من سرر شعبان شيئًا؟ ) )قال لا، قال (( فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين ) ) [خ¦1983] . وهذا الحديث أخرجه الشَّيخان، وأبو داود.
والسَّرَر _ بفتحتين _ ليلة يستسر الهلال، يقال سِرار الشَّهر وسَراره بالكسر والفتح، وسَرَره بفتحتين. واختلفوا فيه فقيل أوله، وقيل وسطه، وقيل آخره، وهو المراد هاهنا كما قاله الهروي والخطَّابي عن الأوزاعي.
وقال العيني حديث (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ) )صحَّحه ابن حبَّان، وابن حزم، وابن عبد البرِّ، ولما رواه التِّرمذي قال حديث حسنٌ صحيحٌ، ولفظه (( إذا بقي نصف من شعبان فلا تصوموا ) ). ولفظ النَّسائي (( فكفُّوا عن الصَّوم ) ). ولفظ ابن ماجه (( إذا كان النِّصف من شعبان، فلا صوم حتَّى يجيء رمضان ) ). ولفظ ابن عديٍّ (( إذا انتصف شعبان فأفطروا ) ). ولفظ البيهقي (( إذا مضى النِّصف من شعبان فأمسكوا عن الصِّيام حتَّى يدخل رمضان ) ).
والعلاء بن عبد الرَّحمن احتجَّ به مسلم وابن حبَّان وغيرهما ممَّن التزم الصحَّة، ووثَّقه النَّسائي، وروى عنه مالك والأئمَّة، ورواه عن العلاء جماعة عبد العزيز الدَّراوردي، وأبو العميس، وروح بن عبادة وسفيان الثَّوري وسفيان بن عُيينة وزهير بن محمَّد وموسى بن عبيدة الرَّبذي، وعبد الرَّحمن بن إبراهيم القاري المديني.
وقد جمع بين الحديثين بأنَّ حديث العلاء محمول على من يضعِّفه الصَّوم، وحديث الباب مخصوصٌ بمن يحتاطُ بزعمه لرمضان، وهو جمعٌ حسنٌ.
وقيل كان أبو هريرة رضي الله عنه يصوم في النِّصف الثَّاني من شعبان فقال من يقول العبرة بما رأى أنَّ فعله هو المعتبر. وقيل فعله يدلُّ على أنَّ ما رواه منسوخ.
هذا؛ وقيل الحكمة في النَّهي المذكور في الحديث خشية اختلاط النَّفل بالفرض كما في الصَّلاة على ما تقدَّم، فإنَّه يورث الشَّك بين النَّاس، وفيه نظر؛ لأنَّه يجوز لمن له عادة كما في الحديث. وقيل هي أنَّ الحكم
ج 9 ص 235
علق بالرُّؤية، فمن تقدَّمه بيوم أو يومين فقد حاول الطَّعن في ذلك الحكم. وقد عرفت أنَّ ذكر اليوم واليومين باعتبار الغالب، وهذا هو المعتمدُ.
ففي الحديث ردٌّ على من يرى تقديم الصَّوم على الرُّؤية كالرَّافضة.
وقال الحافظ العسقلاني وفيه ردٌّ أيضًا على من قال بجواز الصَّوم النَّفل المطلق، وأبعد من قال المراد بالنَّهي التقدُّم بنيَّة رمضان، واستدلَّ بلفظ التقدُّم؛ لأنَّ التقدم على الشَّيء بالشَّيء إنَّما يتحقَّق إذا كان من جنسه، فعلى هذا يجوز الصِّيام بنيَّة النفل المطلق، لكن السِّياق يأبى هذا التَّأويل ويدفعه. انتهى.
وأراد بهذا الكلام الرَّد على الحنفيَّة، لكنَّ ردَّه ليس على ما ينبغي، بل الظَّاهر أنَّ المراد هو التقدُّم بنية الرَّمضانية احتياطًا، فافهم.
وفي الحديث بيان لمعنى قوله في الحديث الماضي (( صوموا لرؤيته ) ) [خ¦1909] وأنَّ اللام فيه للتَّأقيت لا للتَّعليل.
قال ابنُ دقيق العيد ومع كونها محمولة على التَّأقيت، فلا بدَّ من ارتكاب مجازٍ؛ لأنَّ وقت الرُّؤية وهو اللَّيل لا يكون محلاًّ للصَّوم.
وتعقَّبه الفاكهي بأنَّ المراد بقوله (( صوموا ) )، انووا الصِّيام، واللَّيل كله ظرف للنيَّة.
وأنت خبير بأنَّه وقع في المجاز الذي فرَّ منه؛ لأنَّ النَّاوي ليس صائمًا حقيقة بدليل أنَّه يجوز له الأكل والشُّرب بعد النيَّة إلى أن يطلعَ الفجر، والله أعلم.
وحديث الباب أخرجه مسلم في الصَّوم، وكذا أبو داود، والتِّرمذي، والنَّسائي، وابن ماجه.