فهرس الكتاب

الصفحة 2999 من 11127

1915 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) بضم العين مصغرًا، أبو موسى العبسي الكوفي (عَنْ إِسْرَائِيلَ) هو ابنُ يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي (عَنْ) جدِّه (أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو بن عبد الله (عَنِ الْبَرَاءِ) هو ابنُ عازب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في أوَّل ما افترض الصِّيام، بين ذلك ابن جرير في روايته من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى مرسلًا.

(إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ، لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ) وفي رواية زهير عند النَّسائي (( كان إذا نام قبل أن يتعشَّى لم يحل له أن يأكل شيئًا، ولا يشرب ليله ويومه حتَّى تغرب الشَّمس ) ).

وفي رواية أبي الشَّيخ من طريق زكريَّا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق (( كان المسلمون إذا أفطروا يأكلون ويشربون، ويأتون النِّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا لم يفعلوا شيئًا من ذلك إلى مثلها ) )فاتَّفقت الرِّوايات في حديث البراء رضي الله عنه على أن المنع من ذلك كان مقيَّدًا بالنَّوم، وهذا هو المشهور في حديث غيره أيضًا.

وقد روى أبو داود من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما

ج 9 ص 238

قال كان النَّاس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطَّعام والشَّراب والنِّساء، وصاموا إلى القابلة. ونحوه في حديث أبي هريرة رضي الله عنه كما سيأتي قريبًا.

وهذا أخصُّ من حديث البراء رضي الله عنه من وجه، إذ هو مقيَّد بصلاة العشاء، ويحتمل أن يكون ذكر صلاة العشاء؛ لكون ما بعدها مظنَّة النَّوم غالبًا، والتَّقييد في الحقيقة بالنَّوم كما في سائر الأحاديث.

وبيَّن السدِّي وغيره أنَّ ذلك الحكم كان على وفق ما كتب على أهل الكتاب كما أخرجه ابن جرير من طريق السدِّي، ولفظه كُتِب على النَّصارى الصِّيام، وكُتِب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا ولا ينكحوا بعد النَّوم، وكتب على المسلمين أولًا مثل ذلك حتَّى أقبل رجل من الأنصار. فذكر القصَّة.

ومن طريق إبراهيم التَّيمي كان المسلمون في أوَّل الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب؛ إذا نام أحدهم لم يطعم حتَّى القابلة، ويؤيِّد هذا ما أخرجه مسلم من حديث عَمرو بن العاص رضي الله عنه مرفوعًا (( فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السَّحر ) ).

(وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ) بفتح القاف وسكون التحتية وبالسين المهملة في الأول، وبكسر الصاد وسكون الراء وفتح الميم في الثاني (الأَنْصَارِيَّ) هكذا هو في رواية البخاري، وتابعه على ذلك التِّرمذي والبيهقي وابن حبَّان في «معرفة الصَّحابة» ، وابن خُزيمة في «صحيحه» ، والدَّارمي في «مسنده» ، وأبو داود في كتاب «النَّاسخ والمنسوخ» ، والإسماعيلي وأبو نُعيم في «مستخرجيهما» .

وقال أبو نُعيم في تأليفه كتاب «الصَّحابة» صرمة بن أبي أنس. وقيل ابن قيس الخطمي الأنصاري، يُكنى أبا قيس كان شاعرًا، نزلت فيه {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ} [البقرة 187] الآيةَ.

ثمَّ روي بإسناده عن أبي صالح، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ صرمة بن أبي أنس أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم عشية من العشيات، وقد جهده الصوم فقال له (( ما لك يا أبا قيس أمسيت طليحًا ) )الحديثَ. قال وكذا رواه أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما، ذكره أبو داود في «سننه» صرمة بن قيس.

وقال ابن عبد البر صرمة بن أبي أنس قيس بن مالك بن عدي بن عامر بن غنم بن عدي بن النَّجار البخاري، يكنى أبا قيس. وقال بعضهم صرمة

ج 9 ص 239

بن مالك، فنسبه إلى جدِّه، وهو الذي نزل فيه وفي عمر رضي الله عنهما {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} [البقرة 187] الآيةَ.

وفي «أسباب النزول» للواحدي عن القاسم بن محمَّد أنَّ عمر رضي الله عنه جاء إلى امرأته فقالت قد نمت، فوقع عليها، وأمسى صرمة بن قيس صائمًا فنام قبل أن يفطرَ، الحديث.

وقال أبو جعفر أحمد بن نصر الدَّاودي، وابن التِّين نخشى أن تكون رواية البخاري غير محفوظة، إنَّما هو صرمة. وأمَّا النَّسائي فلمَّا ذكره في كتاب «السنن» قال إنَّ أبا قيس بن عمرو، فذكر الحديثَ.

وقال السُّهيلي حديث صرمة بن أبي أنس قيس بن صرمة الذي أنزل الله تعالى فيه، وفي عمر رضي الله عنهما {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إلى قوله {وَعَفَا عَنْكُمْ} [البقرة 187] فهذه في عمر رضي الله عنه، ثمَّ قال {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} إلى آخر الآية، فهذه في صرمة بن أنس بدأ الله تعالى بقصَّة عمر رضي الله عنه لفضله فقال {فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ} ، ثمَّ بقصَّة صرمة فقال {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} .

وعند ابن الأثير من حديث محمَّد بن إسماعيل بن عبَّاس نا أبي، عن ابنِ أبي عَروبة، عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن أبي هريرة رضي الله عنه نام ضمرة بن أنس الأنصاري ولم يشبع من الطَّعام والشَّراب، فنزلت {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} الآية. قيل إنَّه تصحيف، ولم يتنبَّه له ابن الأثير، والصَّواب صرمة بن أبي أنس، وهو مشهورٌ في الصَّحابة، يُكنى أبا قيس.

قال ابن إسحاق فيما أخرجه السرَّاج في «تاريخه» من طريقه بإسنادٍ إلى عويمر بن ساعدة قال قال صرمة بن أبي أنس، وهو يذكر النَّبي صلى الله عليه وسلم

~ثَوَى فِي قُرَيشٍ بضْعَ عَشْرةَ حَجَّة يُذَكِّر لَو يَلْقَى صَدِيْقًا مَوَاتِيًا

الأبيات.

قال ابنُ إسحاق وصرمة هذا هو الذي نزلت فيه {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} الآية. قال وحدَّثني محمَّد بن جعفر بن الزُّبير قال كان أبو قيس ممَّن فارق الأوثان في الجاهليَّة، فلمَّا قدم النَّبي صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم وهو شيخ كبير، وهو القائل

~يَقُولُ أَبُو قَيْسٍ وَأَصْبحَ غَادِيًا أَلَا مَا اسْتَطعتُمْ مِن وَصَايَايَ فَافْعَلُوا

الأبيات.

هذا؛ والصَّواب في ذلك من بين الرِّوايات المذكورة ما ذكره ابنُ عبد البر، فمن قال قيس بن صرمة قَلَبَه كما أشار إليه الدَّاودي والسُّهيلي وغيرهما، ومن قال صرمة بن مالك

ج 9 ص 240

نَسَبَه إلى جدِّه، ومن قال صرمة بن أنس حَذَفَ أداة الكنية من أبيه، ومن قال أبو قيس بن عَمرو أصاب في كنيته، وأخطأ في اسمِ أبيه، وكذا من قال أبو قيس بن صرمة، وكأنَّه أراد أن يقول أبو قيس صرمة، فزيد فيه ابن. وأمَّا ابنُ الأثير فلم يتنبَّه لما صحَّفه بعضُهم كما مرَّ آنفًا، والله أعلم.

(كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ) بكسر الكاف، والهمزةُ للاستفهام (طَعَامٌ؟ قَالَتْ لاَ، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ) أنا (لَكَ) وظاهره أنَّه لم يجئ معه بشيء. ولكن في مرسل السدِّي أنَّه أتاها بتمر فقال استبدلي به طحينًا واجعليه سخينًا، فإنَّ التَّمر أحرق جوفي. وفي مرسل ابنِ أبي ليلى فقال لأهله أطعمُوني، فقالت حتَّى أجعل لك شيئًا سخينًا. ووصله أبو داود من طريق ابنِ أبي ليلى قال نا أصحاب محمَّد، فذكره مختصرًا.

(وَكَانَ يَوْمَهُ) بالنصب؛ أي وكان قيس بن صرمة في يومه (يَعْمَلُ) أي في أرضه، وصرَّح بها أبو داود في روايته. وفي مرسل السَّدِّي كان يعمل في حيطان المدينة بالأجرة، فعلى هذا فقوله في أرضه، إضافة اختصاص.

(فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ) أي نام؛ لأنَّ غلبة العينين عبارة عن النَّوم، وفي رواية الكُشميهني بالإفراد (فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ) وفي رواية الكُشميهني بحذف الضَّمير (فَلَمَّا رَأَتْهُ) نائمًا (قَالَتْ خَيْبَةً لَكَ) بالنصب مفعول مطلق يجب حذف عامله. وقيل إذا كان بدون اللام يجبُ نصبه، وإذا كان مع اللام جاز نصبه، والخيبة الحرمان، يقال خاب الرَّجل يخيب، إذا لم ينل ما طلبه.

وفي مرسل السدِّي فأيقظته فكره أن يعصيَ الله تعالى، وأبى أن يأكلَ. وفي مرسل محمَّد بن يحيى فقالت له كل، قال إنِّي قد نمت، فقالت لم تنم، فأبى فأصبح جائعًا مجهودًا. وفي رواية أحمد هنا (( فأصبح صائمًا ) ).

(فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ) وفي رواية أبي داود (( فلم ينتصف النَّهار حتَّى غشي عليه ) )فيحمل الأوَّل على أنَّ الغشي وقع في آخر النِّصف الأوَّل من النَّهار. وفي رواية زهير عن أبي إسحاق (( فلم يطعم شيئًا، وبات حتَّى أصبح صائمًا حتَّى انتصف النَّهار فغشي عليه ) ).

(فَذُكِرَ) على البناء للمفعول (ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وزاد في رواية

ج 9 ص 241

زكريا عند أبي الشَّيخ وأتى عمر رضي الله عنه امرأته، وقد نامت، فذكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم. وزاد الإمام أحمد وأبو داود والحاكم من طريق عبد الرَّحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه (( وكان عمر رضي الله عنه أصاب النِّساء بعدما نام ) ).

(فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} ) التي تصبحون منها صائمين ( {الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ) وفي رواية ابن عساكر بالفاء بدل الواو ( {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ) جميع اللَّيل ( {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ} ) بياض الصُّبح ( {مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} ) [البقرة 187] من سواد اللَّيل.

قال الكرماني فإن قلت ما وجه المناسبة بينهما وبين حكاية قيس؟.

قلت لمَّا صار الرَّفث حلالًا فالأكل والشُّرب بالطَّريق الأولى، وحيث كان حلهما بالمفهوم نزلت بعده {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا} ليعلم بالمنطوق تصريحًا بتسهيل الأمر عليهم، ودفعًا لجنس الضَّرر الذي وقع لقيس ونحوه، أو المراد من الآية هي بتمامها إلى آخرها، حتَّى تتناول (كُلُوا واشْرَبُوا) ، فالغرضُ من ذكر (( نزلت ) )ثانيًا هو بيان نزول لفظ {مِنَ الْفَجْرِ} بعد ذلك. انتهى.

قال الحافظ العسقلاني وهذا _ يعني الأخير _ هو المعتمدُ، وبه جزم السُّهيلي. وقال إنَّ الآية نزلت بتمامها في الأمرين معًا، وقدم ما يتعلَّق بعمر رضي الله عنه لفضله. وقد وقع في رواية أبي داود فنزلت {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ} إلى قوله {مِنَ الْفَجْرِ} فهذا يبين أن محل قوله ففرحوا بها، بعد قوله {الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ} .

وقد وقع ذلك صريحًا في رواية زكريا بن أبي زائدة، ولفظه فنزلت {أُحِلَّ لَكُمْ} إلى قوله {مِنَ الْفَجْرِ} ففرح المسلمون بذلك.

وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصَّوم، والتِّرمذي في التَّفسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت