1918 - 1919 - (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) وكان اسمه في الأصل عبد الله، يُكنى أبا محمَّد الهبَّاري القرشي الكوفي، وقد مرَّ في الحيض [خ¦317] (عَنْ أَبِي أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عمر العمري (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما.
- (وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، وقوله والقاسم بالجر عطفًا على نافع لا على ابن عمر؛ لأنَّ عبيد الله بن عمر رواه عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما، وعن القاسم عن عائشة رضي الله عنها. والحاصل أن لعبيد الله فيه شيخين يروي عنهما، وهما نافع والقاسم بن محمَّد. وقال ابن التِّين وأخطأ من ضبطه بالرَّفع.
(أَنَّ بِلاَلًا) رضي الله عنه (كَانَ يُؤَذِّنُ) للفجر (بِلَيْلٍ) ليستعد لها بالتطهُّر وغيره. وقال أبو حنيفة والثَّوري للسُّحور، قيل والظَّاهر أنَّه إنَّما أخبر عن عادته في الأذان دائمًا (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) هو عَمرو بن قيس العامري، وقيل غير ذلك، وأمُّ مكتوم اسمها عاتكة بنت عبد الله، وزاد في باب الأذان [خ¦617] (( الأعمى ) ). وفي «الموطَّأ» وكان أعمى لا ينادي حتَّى يقال له أصبحت أصبحت؛ أي قاربت الصَّباح، وقيل على ظاهره من ظهور الصَّباح، والأوَّل أرجح، وعليه
ج 9 ص 252
يحمل قوله هنا
(فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ) أي حتَّى يُقارب طلوع الفجر (قَالَ الْقَاسِمُ) بن محمَّد (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا) بكسر النون من غير ياء، وفي نسخة بالياء على التَّثنية.
(إِلاَّ أَنْ يَرْقَى) بفتح القاف؛ أي يصعد (ذَا) أي ابن أمِّ مكتوم، يقال رَقَى يَرْقي رقيًا من باب علم يعلم (وَيَنْزِلَ ذَا) أي بلال، عطف على يرقى. قال القسطلاني ولم يشاهدْ ذلك القاسم بن محمَّد. انتهى.
وكأنَّه سقط في نسخته قوله عن عائشة رضي الله عنها، وإلَّا فلا مناسبة لهذا المقال في هذا المقام.
قال المهلَّب والذي يفهم من اختلاف ألفاظ هذا الحديث أنَّ بلالًا رضي الله عنه كان رتبته أن يؤذِّن بليل على ما أمره الشَّارع من الوقت ليرجع القائم، وينبِّه النَّائم، وليدرك السُّحور منهم من لم يتسحَّر، وقد روي هذا كله عن ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانوا يتسحَّرون بعد أذانه.
وقال الدَّاودي قوله ولم يكن بين أذانيهما ... إلى آخره، وقد قيل له أصبحت أصبحت؛ يدلُّ على أنَّ ابن أمِّ مكتوم رضي الله عنه كان يراعي قرب طلوع الفجر، أو طلوعه على الاحتمالين في أصبحت؛ لأنَّه لم يكن يكتفي بأذان بلال رضي الله عنه في عِلْم الوقت؛ لأنَّ بلالًا رضي الله عنه فيما يدلُّ عليه الحديث كان تختلف أوقاته.
وإنَّما حكى من قال يرقى ذا وينزل ذا، ما شاهد في بعض الأوقات، ولو كان فعله لا يختلف لاكتفى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يقل (( فكلوا واشربوا حتَّى يؤذِّن ابن أمِّ مكتوم ) )، ولقال فإذا فرغ بلال فكفُّوا، ولكنَّه جعل أوَّل أذان ابن أمِّ مكتوم علامة للكفِّ.
وتعقَّبه ابن المنيِّر بأنَّ الرَّاوي إنما أراد أن يبين اختصارهم في السَّحور أنَّه إنَّما كان باللُّقمة والتَّمرة ونحوهما بقدر ما ينزل هذا ويصعد هذا، وإنَّما كان يصعد قبل الفجر بحيث إذا وصل إلى فوق طلع الفجر، ولا يحتاج هذا إلى حمله على اختلاف أوقات بلال، بل ظاهر الحديث أنَّ أوقاتهما كانت على رتبة ممهَّدة وقاعدة مطرَّدة. انتهى.
وقال الأُبيُّ معناه إنَّ بلالًا رضي الله عنه كان يؤذِّن قبل الفجر، ثمَّ يتربَّص بعد للدُّعاء ونحوه، ثمَّ يرقب الفجر، فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر ابن أمِّ مكتوم فيتطهَّر ويرقى، ويشرع في الأذان إذا قارب الصَّباح للفجر، فأذانه كان علمًا على الوقت الذي يمتنع فيه الأكل، ولعلَّ بتمام أذانه يتَّضح الفجر وتحلَّ الصَّلاة.
هذا؛ وقيل يحتمل أن يكون
ج 9 ص 253
لابن أمِّ مكتوم من يراعي الوقت، ولولا ذلك؛ لكان ربَّما خفي عنه الوقت، ويبيِّن ذلك ما روى ابن وهب عن يونس عن ابن شهابٍ عن سالم قال كان ابن أمِّ مكتوم ضرير البصر، ولم يكن يؤذن حتَّى يقولَ له النَّاس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذِّن.
وقد روى الطَّحاوي من حديث أنيسة رضي الله عنها، وكانت حجَّت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّها قالت كان إذا نزل وأراد أن يصعدَ ابن مكتوم تعلَّقوا به قالوا كما أنت حتَّى نتسحَّر.
وقال أبو عبد الملك هذا الحديث فيه صعوبة، وكيف لا يكون بين أذانيهما إلَّا ذلك، وهذا يؤذِّن بليل، وهذا بعد الفجر، فإن صحَّ أنَّ بلالًا رضي الله عنه كان يصلِّي ويذكر الله في الموضع الذي هو به حتَّى يسمعَ مجيء ابن أمِّ مكتومٍ، ففيه أنَّه قال لم يكن بين أذانيهما إلَّا أن يرقى ذا وينزل ذا، فإذا أبطأ بعد الأذان لصلاةٍ وذكر لم يقل ذلك، وإنَّما قال لمَّا نزل هذا طلع هذا.
وما قاله الدَّاودي فِعْلُ هذا كان في وقت تأخُّر بلال بأذانه، فشهده القاسم، فظنَّ أنَّ ذلك عادتهما، فبعيدٌ كما عرفت، على أنَّ قوله فشهده القاسم غلط؛ لأنَّ قاسمًا لم يدرك ذلك الوقت، فافهم.
وفي الحديث أنَّ الصَّائم له أن يأكلَ ويشربَ إلى طلوع الفجر الصَّادق، فإذا طلع الفجرُ الصَّادق كف، وهذا قول الجمهورِ من الصَّحابة والتَّابعين. وذهب معمرٌ وسليمان الأعمش وأبو مجلز والحكم بن عتيبة إلى جواز التسحُّر إلى أن يتَّضحَ الفجر ما لم تطلع الشَّمس.
واحتجُّوا في ذلك بحديث حذيفة رضي الله عنه رواه الطَّحاوي من رواية زرِّ بن حُبيش قال تسحَّرت، ثمَّ انطلقت إلى المسجد، فمررتُ بمنزل حذيفة رضي الله عنه، فدخلت عليه فأمر بلقحة فحلبتْ وبقدحٍ فسخنت، ثمَّ قال كلْ، فقلت إنِّي أريد الصَّوم، فقال وأنا أريد الصَّوم، قال فأكلنا وشربنا، ثمَّ أتينا المسجد فأقيمت الصَّلاة، قال هكذا فعل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو صنعت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قلت بعد الصُّبح؟ قال بعد الصُّبح غير أنَّ الشَّمس لم تطلع.
وفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن عاصم، عن زرٍّ، عن حذيفة قال تسحَّرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو والله النَّهار غير أنَّ الشمس لم تطلعْ.
وأخرج حديث
ج 9 ص 254
حذيفة رضي الله عنه النَّسائي، وأحمد في «مسنده» ، وروى ذلك أيضًا ابنُ أبي شيبة، وعبد الرَّزَّاق من طرق صحيحة. وقال ابنُ حزم، عن الحسن كل ما امتريت.
وعن ابن جريج قلت لعطاء أيكره أن أشرب وأنا في البيت لا أدري لعلِّي أصبحت؟ قال لا بأس بذلك هو شكٌّ. وقال ابن أبي شيبة حدَّثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم قال لم يكونوا يعدُّون الفجر فجركم إنَّما كانوا يعدُّون الفجر الذي يملأ البيوت والطُّرق.
وعن معمر أنَّه كان يؤخِّر السُّحور جدًا حتَّى يقول الجاهل لا صوم له. وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر من طرق عن أبي بكر رضي الله عنه أنَّه أمر بغلق الباب حتَّى لا يرى الفجر.
وروى ابن المنذر بإسنادٍ صحيحٍ عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه صلَّى الصُّبح، ثمَّ قال الآن حين تبينَ الخيط الأبيض من الخيط الأسود. وقال ابنُ المنذر ذهب بعضُهم إلى أنَّ المراد بتبين بياض النَّهار من سواد اللَّيل أن ينتشر البياض في الطُّرق والسِّكك والبيوت.
وروي بإسنادٍ صحيح عن سالم بن عُبيد الأشجعي، وله صحبة أنَّ أبا بكر رضي الله عنه قال له اخرج فانظر هل طلع الفجر؟ قال فنظرت، ثمَّ أتيته فقلت قد ابيضَّ وسطع، ثمَّ قال اخرج فانظر هل طلع، فنظرت فقلت قد اعترض، فقال الآن أبلغني شرابي. وروي من طريق وكيع عن الأعمش أنَّه قال لولا الشُّهرة لصلَّيت الغداة، ثمَّ تسحَّرت.
قال إسحاق هؤلاء جوزوا الأكل بعد الصَّلاة، وطلوع الفجر المعترض حتَّى يتبين بياض النَّهار من سواد اللَّيل. قال إسحاق وبالقول الأوَّل أقول، لكن لا أطعنُ على من تأوَّل الرُّخصة كالقول الثَّاني، ولا أرى عليه قضاء ولا كفَّارة.
قال الحافظ العسقلاني وفي ذلك تعقُّبٌ على الموفَّق وغيره حيث نقلوا الإجماع على خلاف ما ذهب إليه الأعمش، والله أعلم.