1927 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بنُ حَرْبِ قَالَ عَنْ شُعْبَةَ) هو ابن الحجَّاج، كذا في الرِّوايات الصَّحيحة للجمهور. ووقع في رواية الكُشميهني بسين مهملة وفي آخره دال، وهو غلط، فليس في شيوخ سليمان بن حرب أحد اسمه سعيد حدَّثه عن الحكم. وقد سقط لفظ في رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر.
(عَنْ الْحَكَم) بفتحتين، هو ابنُ عتيبة (عَنْ إِبْراهِيْمَ) هو النَّخعي (عَنِ الأَسْوَدِ) هو ابن يزيد خال إبراهيم النَّخعي (عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ) بعض أزواجه (وَيُبَاشِرُ) بعضهن، وهذا من عطف العامِّ على الخاصِّ؛ لأنَّ المباشرة أعمُّ من التَّقبيل، والمراد بالمباشرة كما عرفت غير الجماع (وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (أَمْلَكَكُمْ لإِرْبِهِ) بكسر الهمزة وسكون الراء بعدها موحدة، كذا في الفرع وغيره؛ أي عضوه، وعنت الذَّكر خاصَّة؛ للقرينة الدَّالة عليه.
وقال النَّووي روي هذه اللَّفظة بكسر الهمزة وإسكان الراء، وبفتح الهمزة والراء، ومعناها بالكسر الحاجة، وكذا بالفتح، ولكنَّه أيضًا يُطلق على العضو. ويقال لفلان إرب وإربة ومأربة؛ أي حاجة.
وقدَّم الحافظ العسقلاني فتح الهمزة والراء، وقال إنَّه أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري بما أورده من التفسير؛ أي أغلبكم لهواه.
ومعنى كلامها رضي الله عنها أنَّه ينبغي لكم الاحتراز عن القبلةِ والمباشرة، ولا تتوهَّموا بأنفسكم مثله في استباحة ذلك؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم يملكُ نفسه ويأمن الوقوع فيما يتولَّد منه الإنزال، وأنتم لا تملكون ذلك، فطريقُكم الانكفاف عنها.
ج 9 ص 288
وقال التُّورِبِشتي حمل الإرْب _ ساكنة الراء _ على العضو في هذا الحديث غير سديد لا يغتر به إلَّا جاهل بوجوه حُسن الخطاب، مائل عن سنن الأدب، ونهج الصَّواب.
وأجاب الطِّيبي بأنَّها رضي الله عنها ذكرت أنواع الشَّهوة مترقِّية من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بمقدِّمتها التي هي القبلة، ثمَّ ثنَّت بالمباشرة من نحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبِّر عن المجامعة، فكنَّت عنها بالإرب، وأيُّ عبارة أحسن منها؟ انتهى.
وفي «الموطَّأ» رواية عبيد الله أيُّكم أملك لنفسه، وبذلك فسَّره التِّرمذي في «جامعه» فقال ومعنى لإربه؛ تعني لنفسه.
قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وهو أولى الأقوال بالصَّواب؛ لأنَّ أولى ما فسِّر به الغريب ما ورد في بعض طُرق الحديث. وقد أشارت عائشة رضي الله عنها بقولها (( وكان أملكُكم لإربه ) )إلى أنَّه تُباح القبلة والمباشرةُ بغيرِ الجماع لمن يكون مالكًا لإربه دون من لا يأمنُ من الإنزالِ أو الجماع.
وفي رواية حمَّاد عند النَّسائي (( قال الأسودُ قلتُ لعائشة رضي الله عنها أيباشر الصَّائم؟ قالت لا، قلت أليس كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يباشرُ وهو صائم؟ قالت إنَّه كان أملككم لإربه ) ). وظاهر هذا أنَّها اعتقدت خصوصيَّة النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قاله القرطبي.
لكن ثبتَ عن عائشة رضي الله عنها صريحًا إباحة ذلك حيث قالت فيما سبق في أوَّل الباب يحلُّ له كلُّ شيء إلَّا الجماع، فيحمل النَّهي هنا على كراهة التنزيه، فإنَّها لا تنافي الإباحة والجواز.
وفي كتاب «الصِّيام» ليوسف القاضي من طريق حمَّاد بن سلمة عن حمَّاد بلفظ سألت عائشة رضي الله عنها عن المباشرة للصَّائم فكرهتها. وكان هذا هو السِّرُّ في تصدير البخاري بالأثر الأوَّل عنها؛ لأنَّه يفسِّر مُرادها بما ذكرته ممَّا يدلُّ على الكراهة في طريق حمَّاد وغيره.
ويدلُّ على أنَّها لا ترى بتحريمها، ولا بكونها من الخصائصِ ما رواه مالك في «الموطَّأ» عن أبي النَّضر أنَّ عائشةَ بنت طلحة أخبرته أنَّها كانت عند عائشة رضي الله عنها، فدخل عليها زوجها، وهو عبدُ الله بن عبد الرَّحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم، فقالتْ له عائشة رضي الله عنها ما يمنعك أن تدنوَ من أهلك فتلاعبها وتقبِّلها؟ قال أقبِّلها وأنا صائم؟ قالت نعم.
ولا يخفى أنَّ محل هذا مع الأمن، فإن حرَّك ذلك شهوة حرم؛ لأنَّ فيه تعريضًا لإفساد العبادة، ولحديث «الصَّحيحين» (( من حام
ج 9 ص 289
حول الحمى يوشك أن يقع فيه )) [خ¦2051] . وروى البيهقيُّ بإسنادٍ صحيحٍ عن عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم رخَّص في القبلة للشَّيخ وهو صائم، ونهى عنها الشَّاب، وقال (( الشَّيخ يملكُ إربه، والشَّاب يفسدُ صومه ) ).
ففهم من التَّعليل أنَّه دائر مع تحريك الشَّهوة بالمعنى المذكور، والتَّعبير بالشَّيخ والشَّاب جرى على الأغلب من أحوال الشُّيوخ في انكسارِ شهوتهم، ومن أحوال الشَّباب في قوَّة شهوتهم، فلو انعكس الأمر انعكسَ الحكم.
(وَقَالَ) أي المؤلِّف (قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (((مَأْرَبُ ) )) بسكون الهمزة وفتح الراء (حَاجَةٌ) وفي رواية بفتح الهمزة ممدودة حاجة، وفي أخرى بالجمع. وهذا التَّعليق وصله ابنُ أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى} [طه 18] ، قال حاجةٌ أخرى. كذا هو فيه، وهو تفسيرٌ للجمع بالواحد؛ لأنَّ المآرب جمع مأرب.
وأخرجه أيضًا من طريق عكرمة عنه بلفظ {مَآرِبُ أُخْرَى} قال حوائج أُخرى.
(قَالَ طَاوُسٌ) في تفسير قوله ( {أُولِي الإِرْبَةِ} ) وفي رواية أبي ذرٍّ < {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} > [النور 31] والقرآن هكذا. قال الكرمانيُّ لو كان في لفظ البخاري كلمة غير؛ لكان أظهر، وكأنَّه لم يقفْ على رواية أبي ذرٍّ.
(الأَحْمَقُ لاَ حَاجَةَ لَهُ فِي النِّسَاءِ) وهذا التَّعليق وصلة عبد الرَّزَّاق في «تفسيره» عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} قال هو الأحمقُ الذي ليس له في النِّساء حاجة.
قال الحافظ العسقلاني ورأيت بخط مغلطاي في «شرحه» هنا قال وقال ابن عباس رضي الله عنهما؛ أي في تفسير قوله تعالى {غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ} المقعد. وقال ابن جبر المعتوه. وقال عكرمة العنين. ولم أر ذلك في شيء من نسخ البخاري.
وإنَّما أوقعه في ذلك أنَّ القطب لمَّا أخرج أثر طاوس قال بعده وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما المقعد ... إلى آخره، ولم يرد القطب أنَّ البخاري ذكر ذلك، وإنَّما أورده القطب من قبل نفسه من كلام أهل التَّفسير.
وقد وقع في رواية أبي ذرٍّ هنا زيادة نبَّه عليها الحافظ العسقلاني وهي هو أبو الشَّعثاء .
وصله ابنُ أبي شيبة من طريق عَمرو بن هرم سُئل جابر بن زيد عن رجل نظر إلى امرأته في رمضان فأمنى من شهوتها هل يفطر؟ قال لا، ويتمُّ صومه.
ج 9 ص 290