فهرس الكتاب

الصفحة 302 من 11127

169 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيْسي (قَالَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) إمام دار الهجرة (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) ابن زيد بن سهل الأنصاري (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه، وهذا الإسناد من رباعيات البخاري رحمه الله، ورجاله ما بين تنيسي، ومدني، وبصري، وقد أخرج متنه المؤلِّف في علامات النبوة أيضًا [خ¦3573] ، وأخرجه مسلم في الفضائل، والترمذي في المناقب وقال حديث حسن صحيح، والنسائي في الطهارة أيضًا.

(أَنَّهُ قَالَ رَأَيْتُ) أي أبصرت، فلذلك اقتصر على مفعولٍ واحد (رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَ)

ج 2 ص 127

الحال أنه قد (حَانَتْ) بالمهملة (صَلاَةُ الْعَصْرِ) أي قَرُبَ وقتها وهو بالزَّوراء، كما رواه قتادة عند المؤلِّف [خ¦3572] ، وهو سُوقٌ بالمدينة (فَالْتَمَسَ) أي طلب (النَّاسُ الْوَضُوءَ) بفتح الواو؛ أي الماء الذي يتوضأ به (فَلَمْ يَجِدُوهُ) بالضمير المنصوب كذا في رواية الكُشْمِيهني، وأما في رواية غيره بدون الضمير؛ أي فلم يصيبوا الماء (فَأُتِيَ) بالضم على البناء للمفعول وهو الصحيح من الرواية، وفي رواية بصيغة الجمع على البناء للفاعل.

(رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بالرفع على الصحيح (بِوَضُوءٍ) بالفتح؛ أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، وفي بعض الروايات ، وفي بعضها ، وفي بعضها ، وفي بعضها ، وفي بعضها ، وفي رواية ابن المبارك «فانطلق رجل من القوم فجاء بقَدَح فيه ماءٌ يسير» ، وروى المُهَلَّب أنه كان مقدار وَضوء رجل واحد (فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الإِنَاءِ يَدَهُ) وفي رواية ابن المبارك «فصَغُرَ أن يبسط صلى الله عليه وسلم فيه كفه فضمَّ أصابعه» ، ونحوه في رواية أحمد الآتية في باب الوضوء من المحصَّب (وَأَمَرَ) صلى الله عليه وسلم (النَّاسَ) الذين هناك وكانوا خمس عشرة مئة، وفي بعض الروايات ، وفي بعضها ، وفي بعضها ، وفي بعضها .

(أَنْ) أي بأن (يَتَوَضَّؤُوا) أي بالتوضؤ (مِنْهُ) أي من ذلك الإناء (قَالَ) أي أنس رضي الله عنه (فَرَأَيْتُ) أي أبصرت (الْمَاءَ) حال كونه (يَنْبُعُ) فيه ثلاث لغات ضم الموحدة وفتحها وكسرها؛ أي يخرج مثل ما يخرج من العين (مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ) وفي بعض الروايات ، وفي بعضها ، وفي بعضها وهذه المعجزة أعظم من تفجر الحَجَر بالماء.

وقال المُزَني نَبْعُ الماء من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم أعظمُ مما أوتيه موسى صلى الله عليه وسلم حين ضَرَب بعصاه الحجر في الأرض؛ لأن الماء معهود أن يتفجر من الحجارة، وليس بمعهود أن يتفجر من بين الأصابع.

وقال غيره وأما

ج 2 ص 128

من لحم ودم فلم يُعْهَد من غيره صلى الله عليه وسلم، ثمَّ هذه القصة رواها الثِّقات من العدد الكثير والجَمِّ الغفير عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، ولم يُروَ عن أحدٍ من الصحابة مخالفة الراوي فيما رواه، ولا إنكار أنهم رأوه كما رآه، فسكوت الساكت منهم كنُطْقِ الناطق إذ هم المُنَزَّهون عن السكوت على الباطل، والمداهنة في الكذب، وليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم من ذلك، فهذا النوع مُلْحَقٌ بالقطعي من معجزاته صلى الله عليه وسلم، كذا قال القاضي عياض.

وأما [ما] قاله ابن بطال في (( شرحه ) )هذا الحديث شهده جماعة كثيرة من الصحابة إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس رضي الله عنه، فمحمول على أن ذلك والله أعلم لطول عمره، ولطلب الناس العلو في السند.

ثمَّ إن في كيفية هذا النبع احتمالين

أحدهما وعليه أكثر العلماء أن الماء كان يخرج من نفس أصابعه وينبع من ذاتها.

وثانيهما أن الله تعالى أكثَرَ الماء في ذاته، فصار يَفُور من بين أصابعه لا من نفسها، وكلاهما معجزة ظاهرة وآية باهرة.

(حَتَّى تَوَضَّؤُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ) أي توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى توضؤا وانتهوا إلى آخرهم ولم يبق منهم أحد، والشَّخص الذي هو آخرهم داخلٌ في هذا الحكم؛ لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة فإن (عند) وإن كانت للظرفية الخاصة لكنها هنا زائدة على ما هو الظاهر معنى، وأنس رضي الله عنه داخل في عموم لفظ الناس، فإن الأصوليين وإن اختلفوا في أن المخاطِب، بكسر الطاء، داخل في عموم مُتَعلَّق خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، أو لا، لكن الجمهور على أنه داخل، وكلمة (من) هنا بمعنى إلى كما قال النووي؛ لكون كل منهما للغاية؛ لأن (من) لابتداء الغاية و (إلى) لانتهاء الغاية والحروف ينوب بعضها عن بعض، والمراد بالغاية جميع المسافة إذ لا معنى لابتداء النهاية وانتهاء النهاية، فيكون معنى الحديث حتى توضؤوا وانتهوا إلى آخرهم.

وقال الكِرماني (حتى) للتدريج و (من) للبيان؛ أي توضأ الناس حتى توضأ الذين عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و (عند) بمعنى في؛ أي لمطلق الظرفية مجازًا فيدخل فيه الأخير أيضًا، وتعقَّبه محمود العيني بأن (مِنْ) إنما تكون للبيان إذا كان فيما قبلها إبهام ولا إبهام هنا؛ لأن التقدير وأمر الناس أن يتوضؤوا فتوضؤوا حتى توضؤوا من عند آخرهم على أَنَّ (مِنْ) التي للبيان كثيرًا ما تقع بعد (ما) ، و (مهما) لإفراط

ج 2 ص 129

إبهامهما نحو قوله تعالى {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ} [فاطر 2] ، وقوله تعالى {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ} [الأعراف 132] ، وقد أنكر قوم مجيء (من) لبيان الجنس، هذا، ثمَّ نقل الكِرماني عن النووي أن (من) في «من عند آخرهم» بمعنى (إلى) وهي لغة.

ثمَّ قال أقول ورود (مِنْ) بمعنى (إلى) شاذ، قلما يقع في فصيح الكلام، ثمَّ إن (إلى) لا يجوز أن تدخل على (عند) ، هذا، وأنت خبير بأن ما قاله الكِرماني من أن (إلى) لا تدخل على (عند) لا يلزم مثله في (من) إذا وقعت بمعنى (إلى) ، وقال التيمي معنى الحديث توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر. فتدبر.

وفي الحديث عدم وجوب طلب الماء للتطهر قبل دخول الوقت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليهم التأخير فدل على الجواز.

وذكر ابن بطال على أنه أجمعت الأمة على أنه إن توضأ قبل الوقت فحسن، ولا يجوز التيمم عند أهل الحجاز قبل دخول الوقت، وأجازه العراقيون، وفيه أيضًا وجوب المواساة عند الضرورة لمن كان في مائِهِ فضلٌ عن وضوئه، وفيه أيضًا أن اغتراف المتوضئ من الماء القليل لا يُصيِّر الماء مستعملًا، وفيه أيضًا أنه يستحب التماس الماء لمن كان على غيره طهارة، وأما عند دخول الوقت فيجب، وفيه أيضًا أن الصلاة لا تجب إلا بدخول الوقت، وفيه أيضًا رَدٌّ على من ينكر المعجزة من الملاحدة، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت