فهرس الكتاب

الصفحة 3025 من 11127

1933 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي البصري الأصل، قال (أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) مصغَّر زرع، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدَّستوائي، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ سِيرِينَ) محمَّد (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِذَا نَسِيَ) أي الصَّائم (فَأَكَلَ وَشَرِبَ) ويروى (فَلْيُتِمّ) بفتح الميم ويجوز كسرها (صَوْمَهُ؛ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ) تعليل لكون النَّاسي لا يفطر.

قال الطِّيبي (( إنَّما ) )للحصر؛ أي ما أطعمه أحد ولا سقاه إلَّا الله، فدلَّ على أنَّ هذا النسيان من الله، ومن لطفه تعالى في حقِّ عباده تيسيرًا عليهم، ودفعًا للحرج عنهم.

وقال الخطَّابي النِّسيان ضرورة، والأفعال الضَّرورية غير مضافة في الحكم إلى فاعلها، ولا يؤاخذ بها، والله أعلم. وفي رواية مسلم من طريق إسماعيل، عن هشام، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتمَّ صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه ) ).

وفي رواية أبي داود عن موسى بن إسماعيل، قال نا حمَّاد، عن أيُّوب وحبيب بن الشَّهيد، وهشام، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله؛ إنِّي أكلت وشربت ناسيًا وأنا صائم، قال (( الله أطعمك وسقاك ) ). وهذا الرَّجل هو أبو هريرة رضي الله عنه راوي الحديث، أخرجه الدَّارقطني بإسنادٍ ضعيفٍ.

وفي رواية التِّرمذي عن أبي سعيد ثنا أبو خالد الأحمر، عن حجَّاج، عن قتادة، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أكل أو شرب ناسيًا فلا يفطر، فإنَّما هو رزق رزقه الله تعالى ) ).

وأخرجه النَّسائي من رواية عيسى بن يونس، عن هشام بن حسَّان، عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( إذا أكل الصَّائم أو شرب ناسيًا فليتمَّ صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه ) ).

وكذلك رواه ابن حبَّان في «صحيحه» ، ورواه ابن ماجه من رواية عوف، عن خلاس، ومحمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من أفطر ناسيًا وهو صائم، فليتمَّ صومه، فإنَّما أطعمه الله وسقاه ) ).

وروى ابن حبَّان أيضًا من رواية محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( من أفطر في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ولا كفَّارة ) ). وفي رواية الدَّارقطني من طريق ابن عليَّة عن هشام (( فإنَّما هو

ج 9 ص 311

رزقٌ ساقه الله إليه )) .

وفي الباب عن أبي سعيد، وأمِّ إسحاق رضي الله عنهما.

فحديث أبي سعيد رضي الله عنه رواه الدَّارقطني من رواية الفزاري، عن عطيَّة، عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( من أفطر في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه؛ إنَّ الله أطعمه وسقاه ) ).

قال الدَّارقطني الفزاري هذا هو محمَّد بن عبيد الله، قيل هو ضعيف.

وحديث أمِّ إسحاق رضي الله عنها رواه أحمد ثنا عبد الصَّمد ثنا بشَّار بن عبد الملك قال حدَّثتني أمُّ حكيم بنت دينار، عن مولاتها أمِّ إسحاق أنَّها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتي بقصعة من ثريد، فأكلت معه، ومعه ذو اليدين، فناولها رسول الله صلى الله عليه وسلم عرْقًا _ يعني بإسكان الراء _، وهو العظم الذي فيه اللَّحم، فقال يا أمَّ إسحاق! أصيبي من هذا، فذكرت أنِّي كنت صائمة، فبردت يدي لا أقدمها ولا أؤخرها، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( ما لك؟ ) )قالت كنت صائمة فنسيت، فقال ذو اليدين الآن بعد ما شبعت؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أتمِّي صومك، فإنَّما هو رزقٌ لك ساقَه الله إليك ) ). وبشَّار بن عبد الملك المزني ضعَّفه يحيى بن معين، وأمُّ حكيم اسمها خولة.

ثمَّ إنَّ في قوله في رواية التِّرمذي (( فلا يفطر ) ).

قال الشَّيخ زين الدِّين العراقي يجوز أن يكون (( لا ) )في جواب الشَّرط للنَّهي، و (( يفطر ) )مجزومًا، ويجوز أن تكون (( لا ) )نافية، و (( يفطر ) )مرفوعًا، وهو أولى، فإنَّه لم يرد به النَّهي عن الإفطار. وإنَّما المراد أنَّه لم يحصل إفطار النَّاسي بالأكل، ويكون معناه مَن أكلَ أو شرب ناسيًا لم يفطر.

وقوله فإنَّما هو رزق رزقه الله، تعليلٌ لكون النَّاسي لم يفطر. ووجه ذلك أنَّ الرِّزق لمَّا كان من الله تعالى ليس فيه للعبد مدخلٌ، ولا ينسبُ إليه شُبِّه الأكل ناسيًا به؛ لأنَّه لا صنع للعبد فيه، وإلَّا فالأكل متعمِّدًا حيث جاز له الفطرُ رزقٌ من الله تعالى بإجماع العلماء، وكذلك هو رزقٌ، وإن لم يجزْ له الفطر على مذهب أهل السنَّة.

وقد يستدلُّ بمفهوم هذا الحديث من يقول بأن الحرام لا يسمَّى رزقًا، وهو مذهبُ المعتزلة، والمسألة مقرَّرة في الكلام. ثمَّ إنَّ وجه الاستدلال بهذا الحديث على أنَّ الأكل أو الشُّرب ناسيًا لا يوجب شيئًا، ولا ينقض صومه كما تقدَّم أنَّ قوله (( فليتمَّ ) )أمر بالإتمام وقد سمِّي الذي يُتَم صومًا، والحمل على الحقيقة الشرعيَّة

ج 9 ص 312

هو الوجه ما لم يصرف عنها صارف، ولاسيَّما إذا اعتضد بما هو أصرح منه في المراد كحديث أبي سعيد رضي الله عنه الذي تقدَّم آنفًا. ثمَّ إنَّه لا فرقَ عندنا، وعند أكثر الشَّافعية بين القليل والكثير، ورجَّحه النَّووي؛ لظاهر إطلاق الحديث.

وقال الرَّافعي فيه وجهان كالوجهين في بطلان الصَّلاة بالكلام الكثير، ويؤيِّد عدم الفرق حديث أمِّ إسحاق الذي أخرجه أحمد، وقد سبق آنفًا.

وممَّا يستظرف في هذا الباب ما رواه عبد الرَّزَّاق عن ابن جريج عن عمرو بن دينار أنَّ إنسانًا جاء إلى أبي هريرة رضي الله عنه فقال أصبحت صائمًا فنسيت فطعمت، فقال لا بأس، قال ثمَّ دخلت إلى إنسان، فنسيت فطعمت وشربت، قال لا بأس، الله أطعمك وسقاك، قال ثمَّ دخلت على آخر، فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة رضي الله عنه أنت إنسان لم تتعوَّد الصِّيام.

أبحاث قال ابن العربي تمسَّك جميع فقهاء الأمصار بظاهر هذا الحديث فقالوا صوم النَّاسي تام لا قضاء عليه. وخالفهم مالك فقال بوجوب القضاء وهو القياس، فإنَّ الفطر ضدُّ الصَّوم، والإمساك ركن الصَّوم، وقد فات، فأشبه ما لو نسي ركعة من الصَّلاة، على أنَّه من باب المأمورات، والأصل أنَّ النِّسيان لا يؤثر في المأمورات.

هذا؛ وفيه نظر؛ فإنَّ القياس شرطه عدم مخالفة النَّص، قاله البرماويُّ في «شرح العمدة» .

وقال ابنُ العربي ما رواه الدَّارقطني فيه لا قضاء عليك، تأوَّله علماؤنا على أنَّ معناه لا قضاء عليك الآن، فهو كما ترى تعسُّف وليتمَّ. قالوا إنَّه خبر الواحد، وأصل مالك في خبر الواحد أنَّه إذا جاء بخلاف القواعد لا يعمل به. هذا وقال القرطبي احتجَّ به من أسقط القضاء.

وأجيب بأنَّه لم يتعرَّض فيه للقضاء، فيحمل على سقوط المؤاخذة، ورفع الإثم، لكن روى الدَّارقطني فيه سقوط القضاء، وهو نصٌّ لا يقبل الاحتمال، لكن الشَّأن في صحَّته، فإن صحَّ وجب الأخذ به، ويسقط القضاء. انتهى.

وأجاب بعض المالكيَّة بحمل الحديث على صوم التطوُّع، حكاه ابن التِّين عن ابن شعبان. وكذا قال ابن القصَّار، واعتلَّ بأنَّه لم يقع في الحديث تعيين رمضان، فيحمل على التطوُّع.

وقال المهلَّب وغيره لم يذكر في الحديث إثبات القضاء، فيحمل على سقوط

ج 9 ص 313

الكفَّارة عنه، وإثبات عذره، ورفع الإثم عنه، وبقاء نيَّته التي بيَّتها. انتهى.

والجواب عن ذلك كلَّه بما رواه ابن حبَّان وابن خزيمة والحاكم والدَّارقطني من طريق محمَّد بن عبد الله الأنصاري، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ (( من أفطر في شهر رمضان ناسيًا فلا قضاء عليه ولا كفَّارة ) ). وقد تقدَّم، فقد عيَّن فيه رمضان، وصرَّح بإسقاط القضاء.

قال الدَّارقطني تفرَّد به محمَّد بن مرزوق، عن الأنصاري.

وتعقِّب بأنَّ ابن خزيمة أخرجه أيضًا عن إبراهيم بن محمَّد الباهلي، والحاكم أخرجه من طريق أبي حاتم الرَّازي كلاهما عن الأنصاري، فهو المنفرد به، كما قال البيهقي، وهو ثقةٌ، والمراد أنَّه انفرد بذكر إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان، فإن النَّسائي أخرج الحديث من طريق عليِّ بن بكار، عن محمَّد بن عمرو ولفظه في الرَّجل يأكل في شهر رمضان ناسيًا، قال (( الله أطعمه وأسقاه ) ).

وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه الدَّارقطني من رواية محمَّد بن عيسى بن الطبَّاع، عن ابن عليَّة، عن هشام، عن ابن سيرين، ولفظه (( فإنَّما هو رزقٌ ساقه الله إليه، ولا قضاءَ عليه ) ). وقال بعد تخريجه هذا إسنادٌ صحيح، وكلُّهم ثقات.

لكن هذا الحديث عند مسلم وغيره من طريق ابن عليَّة، وليس فيه هذه الزِّيادة.

وروى الدَّارقطني أيضًا إسقاط القضاء من رواية أبي رافع، وأبي سعيد المقبري والوليد بن عبد الرَّحمن وعطاء بن يسار كلهم عن أبي هريرة رضي الله عنه. وأخرج أيضًا من حديث أبي سعيد رضي الله عنه رفعه (( من أكل في شهر رمضان ناسيًا، فلا قضاء عليه ) ). وإسناده وإن كان ضعيفًا، لكنَّه صالح للمتابعة، فأقلُّ درجات هذا الحديث بهذه الزِّيادة أن يكون حسنًا، فيصلح للاحتجاج به.

وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوَّة، ويعتضد أيضًا بأنَّه قد أفتى به جماعة من الصَّحابة من غير مخالف لهم، منهم _كما قال ابن المنذر وابن حزم وغيرهما _ علي بن أبن طالب وزيد بن ثابت وأبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، وهو موافقٌ لقوله تعالى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} [البقرة 225] ، فالنِّسيان ليس من كسب القلب، وموافقٌ للقياس في إبطال الصَّلاة بعمد الأكل لا بنسيانه، فكذلك الصِّيام.

وأمَّا القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في مقابلة النَّص، فلا يقبل، وردَّه للحديث

ج 9 ص 314

مع صحته بكونه خبر الواحد خالف القاعدة ليس بمسلَّم؛ لأنَّه قاعدة مستقلَّة في الصِّيام، فمن عارضه بالقياس على الصَّلاة أدخل قاعدة في قاعدة، ولو فتح باب ردِّ الأحاديث الصَّحيحة بمثل هذا؛ لما بقي من الحديث إلَّا القليل، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت