فهرس الكتاب

الصفحة 3027 من 11127

1934 - (حَدَّثَنَا عَبْدَانُ) هو لقبُ عبد الله بن عثمان بن جبلة المروزي، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) بميمين مفتوحتين بينهما عين ساكنة، هو ابنُ راشد الأزدي.

(قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (الزُّهْرِيُّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ) اللَّيثي المدني نزيل الشَّام (عَنْ حُمْرَانَ) بضم الحاء المهملة وسكون الميم، هو ابنُ أبان مولى عثمان بن عفَّان، أنَّه قال (رَأَيْتُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ) أي وضوءًا كاملًا جامعًا للسُّنن، ومن جملته المضمضة والاستنشاق والسِّواك، فتفطَّن.

(فَأَفْرَغَ) الفاء للتفسير؛ أي صبَّ (عَلَى يَدَيْهِ) إفراغًا (ثَلاَثًا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ) وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكر في نسخة بحذف التاء (وَاسْتَنْثَرَ)

ج 9 ص 319

أي أخرج الماء من أنفه بعد الاستنشاق (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ) غسلًا (ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى) أي مع (الْمَرْفِقِ ثَلاَثًا) بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس (ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى إِلَى الْمَرْفِقِ ثَلاَثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ) هل الباء للتبعيض، أو للاستعانة، أو غير ذلك؟ خلاف مشهور يترتَّب عليه ما مرَّ في الوضوء من كون الواجب مسح الكلِّ أو البعض. وفي رواية أبي ذرٍّ بحذف الباء، ولم يذكر في المسح تثليثًا، وهو مذهب الأئمَّة الثَّلاثة.

واحتجَّ الشَّافعي بحديث أبي داود عن عثمان رضي الله عنه أنَّه صلى الله عليه وسلم مسح برأسه ثلاثًا، وقد مرَّ الكلام فيه في (( الوضوء ) ) [خ¦159] .

(ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثَلاَثًا، ثُمَّ) غسل رجله (الْيُسْرَى ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ) وضوءًا (نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا) وعند البخاري في الرِّقاق [خ¦6433] (( مثل وضوئي ) ).

قيل وهو ينفي ما قرَّره النَّووي من التَّفرقة بين (( مثل ) (( نحو ) )، وقد سبق مبحث ذلك في (( الوضوء ) ).

(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ تَوَضَّأَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن) وفي الوضوء [خ¦159] (( ثمَّ صلَّى ) )بلفظ الماضي (لاَ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِيهِمَا) أي في الرَّكعتين (بِشَيْءٍ) من حديث النَّفس على سبيل التكسُّب، بخلاف ما يهجم ويدفعه، فإنَّه معفو عنه.

وفي «مسند أحمد» و «معجم الطَّبراني الأوسط» (( لا يحدِّث نفسه فيهما إلَّا بخير ) )؛ أي كمعاني المتلوِّ من القرآن والذِّكر والدُّعاء الحاضر من نفسه، أو إمامه، أما فيما لا يتعلَّق بالصَّلاة، أو لا يتعلَّق بقراءة أو ذكر أو دعاء حاضر فلا، كما قرَّره ابن عبد السَّلام وغيره.

وفي بعض الرِّوايات كما عند التِّرمذي الحكيم في كتاب «الصَّلاة» له (( لا يحدِّث نفسه فيهما بشيء من الدُّنيا ) ).

(غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) من الصَّغائر، ويروى بكلمة الاستثناء، ووجهه هو الاستفهام الإنكاري المفيد للنَّفي. ويحتمل أن يقال المراد لا يحدِّث نفسه بشيءٍ من الأشياء في شأن الرَّكعتين، إلَّا بأنَّه قد غفر له، فتأمَّل.

وقد مرَّ هذا الحديث في كتاب الوضوء في باب الوضوء ثلاثًا ثلاثًا [خ¦159] ، وهذا الحديث ليس فيه شيء من أحكام الصِّيام، لكن أدخله في هذا الباب لمعنىً لطيف، وهو ما قاله ابن المُنيِّر في «الحاشية» أنَّه أخذ البخاري شرعيَّة السِّواك للصَّائم بالدَّليل الخاص، ثمَّ انتزعه من الأدلَّة العامَّة التي تناولت أحوال متناول السِّواك، وأحوال ما يستاك به من رطوبة ويبوسة، ثمَّ انتزع ذلك من أعم من السِّواك وهو المضمضة؛ إذ هي أبلغ من السِّواك الرَّطب.

وأصل

ج 9 ص 320

هذا الانتزاع من ابن سيرين حيث قال لا بأس بالسِّواك الرَّطب، فقيل له طعم؟ فقال والماء له طعم، والماء أرقُّ من ريق السِّواك، وقد أباح الله تعالى المضمضة بالماء في الوضوء للصَّائم.

هذا وقد سبق أنَّ المراد من الوضوء الوضوء الكامل الجامع للسُّنن، ومن جملتها السِّواك. وقد سبق فيما مرَّ أنَّه كره مالك الاستياك بالسِّواك الرَّطب للصَّائم لما يتحلل منه. والشَّافعي وأحمد بعد الزَّوال [خ¦1930 قبل] .

قال ابن دقيق العيد ويحتاج إلى دليل خاصٍّ بهذا الوقت يخصص به عموم حديث الصَّحيحين (( عند كلِّ صلاة ) ) [خ¦887] . ورواية النَّسائي وغيره (( عند كلِّ وضوء ) )وهو حديث الخلوف.

وعبارة الشَّافعي أحبُّ السِّواك عند كلِّ وضوء باللَّيل والنَّهار، إلَّا أنِّي أكرهه للصَّائم آخر النَّهار من أجل الحديث في خلوف فمِّ الصائم. انتهى.

وليس في هذه العبارة تقييد ذلك بالزَّوال، فلذا قال الماوردي لم يحد الشَّافعي الكراهة بالزَّوال، وإنَّما ذكر العشي فحدَّه الأصحاب بالزَّوال. انتهى.

واسم العشي صادق بدخول أوَّل النِّصف الأخير من النَّهار. وقيل لا يوقَّت بحد معين، بل يترك متى عرف أن تغير فمه ناشئًا من الصِّيام، وذلك يختلف باختلاف أحوال النَّاس، وباختلاف بعد عهده بالطَّعام، وقرب عهده به؛ لكونه لم يتسحَّر أو تسحَّر.

وقد فرق بعض الشَّافعية بين الفرض والنَّفل فكرهه في الفرض بعد الزَّوال، ولم يكرهه في النَّفل. وقد أخذ مالك وأبو حنيفة بعموم الحديث، فاستحبَّاه للصَّائم قبل الزَّوال وبعده.

وقال النَّووي في «شرح المهذَّب» إنَّه المختار. وقال بعضهم السِّواك مطهرة للفم فلا يكره كالمضمضة، لاسيَّما وهي رائحة تتأذى بها الملائكة فلا تترك.

وأما الخبر بخلوف فم الصَّائم ففائدته عظيمة بديعة وهي أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم إنَّما مدح الخلوف نهيًا للنَّاس عن تقذُّر مكالمة الصَّائمين بسبب الخلوف لا نهيًا للصوام عن السِّواك، والله غنيٌّ عن وصول الرَّائحة الطيِّبة إليه. فعلمنا يقينًا أنَّه لم يرد بالنَّهي استبقاء الرَّائحة، وإنَّما أراد نهي النَّاس عن كراهتها وتقذُّرها. قال وهذا التَّأويل أولى؛ لأنَّ فيه إكرامًا للصِّيام، ولا تعرُّض له في السِّواك، والله أعلم.

وقد تقدَّم ما يتعلَّق بهذا المبحث ما فيه كفاية [خ¦1930 قبل] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت