فهرس الكتاب

الصفحة 3030 من 11127

1935 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ) بضم الميم وكسر النون، أبو عبد الرَّحمن المروزي الزَّاهد أنَّه (سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ هَارُونَ) من الزِّيادة، هو أبو خالد يقول (حَدَّثَنَا) وفي رواية ابن عساكر (يَحْيَى، هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ) الأنصاري (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْقَاسِمِ) بن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ) بتشديد الواو (ابْنِ خُوَيْلِدٍ، عَنْ عَبَّادِ) بفتح العين وتشديد الوحدة (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) أنَّه (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَقُولُ إِنَّ رَجُلًا) زعم ابن بشكوال

ج 9 ص 330

أنَّ هذا الرَّجل هو سلمة بن صخرة البياضي فيما ذكره ابن أبي شيبة في «مسنده» . وعند ابن الجارود هو سلمان بن صخر.

وقال بعضهم وممَّا يعضد كونه سلمة بن صخر ما في «جامع التِّرمذي» قال حدَّثنا إسحاق بن منصور نا هارون بن إسماعيل نا عليُّ بن المبارك حدَّثنا يحيى بن أبي كثير نا أبو سلمة أنَّ سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمِّه حتَّى يمضي رمضان، فلمَّا مضى نصف رمضان وقع عليها ليلًا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر له ذلك، فقال (( أعتق رقبة ) )قال لا أجدها، قال (( فصم شهرين متتابعين ) )قال لا أستطيع، قال (( أطعم ستِّين مسكينًا ) )قال لا أقدر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن عمرو (( أعطه ذلك العرق، وهو مكتل يأخذ خمسة عشر، أو ستَّة عشر صاعًا ) ).

وقال صاحب «التَّلويح» فهذا غير ما ذكره ابن بشكوال.

وقال العيني لا شكَّ أنَّه غيره؛ لأنَّ ابن بشكوال استند إلى ما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر أنَّه ظاهر من امرأته في رمضان، وأنَّه وطئها، فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( حرِّر رقبة ) )قال لا أملك رقبة غيرها، وضرب صفحة رقبته، قال (( فصم شهرين متتابعين ) )قال وهل أصبت الذي أصبت إلَّا من الصِّيام؟ قال (( فأطعم ستِّين مسكينًا ) )قال والذي بعثك بالحقِّ ما لنا طعام، قال (( فانطلق إلى صاحب صدقة بني زريق، فليدفعها إليك ) ). انتهى.

وفي «تمهيد ابن عبد البر» عن ابن المسيَّب أنَّ المجامع في رمضان سلمان بن صخر أحد بني بياضة قال وأظنُّه وهمًا أتى من الرُّواة؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو في المظاهر، وأمَّا المجامع فأعرابي.

والظَّاهر أنَّهما واقعتان، فإنَّ في قصَّة المجامع في حديث الباب [خ¦1936] أنَّه كان صائمًا، وفي قصَّة سلمة بن صخر أنَّ ذلك كان ليلًا كما عند التِّرمذي، كما مرَّ آنفًا، وأنَّه أتى أهله ليلًا رأى خلخالًا له في القمر فافترقا، واجتماعهما في كونهما من بني بياضة، وفي صفة الكفَّارة، وكونها مرتبة، وفي كون كلٍّ منهما كان لا يقدر على شيء من خصالها، كما سيأتي لا يستلزم اتِّحاد القصَّتين، والله أعلم.

(أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ) أي ذلك الرَّجل له صلى الله عليه وسلم (إِنَّهُ احْتَرَقَ) وفي رواية أبي هريرة رضي الله عنه أنَّه عبَّر بقوله (( هلكت ) ) [خ¦1936] ،

ج 9 ص 331

ورواية الاحتراق تفسِّر رواية الهلاك. وكأنَّه لمَّا اعتقد أن مرتكب الإثم يعذَّب بالنَّار أطلق على نفسه أنَّه احترق لذلك، فهو مجاز عن العصيان، أو مراده أنَّه يحترق بالنَّار يوم القيامة، فجعلَ المتوقع كالواقع، وعبَّر عنه بالماضي، أو شبه ما وقع فيه من الجماع في الصَّوم بالاحتراق بالنَّار.

وفي رواية البيهقي (( جاء رجل وهو ينتف شعره ويدقُّ صدره ويقول هلك الأبعد وأهلك ) ). وفي رواية (( ويدعو بالويل ) )، وفي رواية (( يلطم وجهه ) ). وفي رواية الحجَّاج بن أرطاة (( يدعو ويله ) ). وفي مرسل سعيد بن المسيَّب عند الدَّارقطني (( ويحثي على رأسه التُّراب ) ).

(قَالَ) له صلى الله عليه وسلم (مَا لَكَ؟) بفتح اللام؛ أي ما شأنك وما جرى عليك (قَالَ أَصَبْتُ أَهْلِي) أي جامعت زوجتي، فهي كناية عن وطئها (فِي رَمَضَانَ) وفي رواية ابن عساكر ، وفي رواية الطَّحاوي (( وقعت على امرأتي في رمضان ) ).

(فَأُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بضم الهمزة وكسر التاء على البناء للمفعول (بِمِكْتَلٍ) بكسر الميم وفتح المثناة الفوقية، الزنبيل الكبير يسع خمسة عشر صاعًا كأنَّ فيه كتلًا من التَّمر؛ أي قطعًا مجتمعة، ويجمع على مكاتل. وقال القاضي المكتل القفة والزبيل سواء، وسمِّي الزِّبيل لحمل الزبل فيه، قاله ابن دريد.

والزّبيل _ بكسر الزاي _، ويقال بفتحها، وكلاهما لغتان. وفي «المحكم» الزَّبيل والزِّبيل؛ يعني بالفتح والكسر الجراب، وقيل الوعاء يحمل فيه، والزبيل القفة، والجمع زبل وزبلان. وفي «الصِّحاح» الزبيل معروف فإذا كسرته شدَّدته فقلت زبيل؛ لأنه ليس في كلام العرب فعليل بالفتح. وجاء فيه لغة أخرى، وهي زِنْبيل _ بكسر الزاي وسكون النون _. قال بعضُهم وقد تدغم النون فتشدد الباء مع بقاء وزنه، وجمعه على اللُّغات الثَّلاث زنابيل. انتهى.

وفيه أنَّه ليس جمعه على اللُّغتين الأوليين إلَّا ما نقل، وهو زبل وزبلان، وأمَّا زنابيل وزبابيل بالنون أو بالموحدة فليس إلَّا جمع المشدد فقط.

(يُدْعَى) أي يسمَّى (الْعَرَقَ)

ج 9 ص 332

ذكر أبو عمر أنَّه بفتح العين والراء، وهو الصَّواب عند أهل اللُّغة. قال وأكثرهم يروونه بسكون الراء.

وفي «شرح موطَّأ» لابن حبيب رواه مطرف عن مالك بتحريك الراء. وقال ابن التِّين في رواية أبي الحسن بسكون الراء. وفي رواية أبي ذرٍّ بفتحها. وأنكر بعضُ العلماء إسكان الراء.

وفي كتاب «العين» العرق مثال شجر السقيفة من الخوص قبل أن يجعل منها زبيل، وسمِّي الزبيل عرقًا لذلك. ويقال العرقة أيضًا. وعن أبي عمرو العرق أكبر من المكتل، والمكتل أكبر من القفَّة، والعرقة زبيل من قدٍّ بلغة كلب، ذكره في «الموعب» .

وفي «المحكم» العرق واحدته عرقة. قال أحمد بن عمران إنَّ العرق المكتل العظيم، والحاصل أنَّه ما نسج من الخوص يجعلُ فيه تمر.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَيْنَ الْمُحْتَرِقُ) هذا يدلُّ على أنَّه كان عامدًا؛ فإنَّه صلى الله عليه وسلم أثبت له هذا الوصف إشارة إلى أنَّه لو أصرَّ على ذلك؛ لاستحقَّ أن يحترق.

(قَالَ) الرَّجل أنا (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (تَصَدَّقْ بِهَذَا) المكتل؛ أي على ستِّين مسكينًا، كما في باقي الرِّوايات. وفي رواية مسلم من طريق اللَّيث عن يحيى بن سعيد، عن عبد الرَّحمن بن القاسم، عن محمَّد بن جعفر بن الزُّبير، عن عباد بن عبد الله بن الزُّبير، عن عائشة رضي الله عنها قالت جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال احترقت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بم؟ ) )قال وطئت امرأتي في رمضان نهارًا، قال (( تصدَّق ) )قال ما عندي شيء، فأمره أن يجلس، فجاءه عرقان فيهما طعام فأمره أن يتصدَّق به.

وفي رواية أخرى أتى رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم في المسجد في رمضان فقال يا رسول الله احترقت احترقت، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما شأنه؟ ) )فقال أصبت أهلي، فقال (( تصدَّق ) )فقال والله يا نبي الله! ما لي شيء ولا أقدر عليه، قال (( اجلس ) )فجلس فبينما هو على ذلك أقبل الرَّجل يسوق حمارًا عليه طعام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أين المحترق آنفًا؟ ) )فقام الرَّجل، فقال رسول الله صلى الله عليه

ج 9 ص 333

وسلم (( تصدَّق بهذا ) )، فقال يا رسول الله! أغيرنا؟! فوالله إنَّا لجياع ما لنا شيء، قال (( كلوه ) ). وأخرجه أبو داود أيضًا. وقد استدلَّ قوم بقوله تصدَّق بهذا على أنَّ الذي يجب على من جامع في نهار رمضان عامدًا الصَّدقة لا غير.

وقال صاحب «التَّوضيح» وذكر الطَّحاوي هكذا عن قوم، ولم يبيِّن من هم. وهم عوف بن مالك الأشجعي، ومالك في رواية، وعبد الله بن وهب فإنَّهم قالوا في هذا يجب عليه الصَّدقة، ولا يجب غيرها، واحتجوا في ذلك بظاهر حديث المحترق.

وأجيب عنه بأنَّه مختصر من بعض الرُّواة فقد روى هذا الحديث عبدُ الرَّحمن بن الحارث عن محمَّد بن جعفر بن الزُّبير بهذا الإسناد كان النَّبي صلى الله عليه وسلم جالسًا في ظلٍّ فارع _ بالفاء والمهملة _، فجاءه رجل من بني بياضة فقال احترقت، وقعت بامرأتي في رمضان، فقال (( أعتق رقبة ) )قال لا أجدها، قال (( أطعمْ ستِّين مسكينًا ) )قال ليس عندي الحديث. أخرجه أبو داود ولم يسق لفظه. وساقه ابن خُزيمة في «صحيحه» ، والبخاري في «تاريخه» ، ومن طريقه البيهقي، ولم يقع في هذه الرِّواية أيضًا ذكر صيام شهرين، والقصَّة واحدة، ومن حفظ حجَّة على من لم يحفظ.

على أنَّ في حديث أبي هريرة رضي الله عنه الآتي في الباب التَّالي [خ¦1936] العتق والصيام، والأخذ به أولى؛ لأنَّ أبا هريرة رضي الله عنه حفظ ذلك، ولم تحفظه عائشة رضي الله عنها، وبذلك يندفع أيضًا ما يقال إنَّ الإطعام بعد العجز عن الإعتاق وصيام شهرين؛ لأنَّ هذه كفَّارة مرتَّبة. ويقال إنَّها لم تجب عليه في الحال؛ لعجزه عن الكلِّ، وأخِّرت إلى زمن الميسرة.

وفي «المبسوط» وما أمره به صلى الله عليه وسلم كان تطوُّعًا لم يكن واجبًا عليه في الحال؛ لعجزه، ولهذا جاز صرفها إلى نفسه وعياله.

وعن أبي جعفر الطَّبري أنَّ قياس قول أبي حنيفة والثَّوري وأبي ثور أنَّ الكفَّارة دين عليه لا يسقط عنه عسرته، وعليه أن يأتيَ بها إذا أيسر كسائر الكفَّارات. وعند الشَّافعية فيه وجهان.

وذهب بعضهم إلى أنَّ إباحة النَّبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرَّجل أكل الكفَّارة لعسرته رخصةً له. ولهذا قال الزُّهري ولو أنَّ رجلًا فعل ذلك اليوم لم يكن له بدٌّ من التَّكفير. وقيل هو منسوخٌ، وقيل هو خاصٌّ بذلك الرَّجل.

وقال بعض أصحابنا خصَّ هذا الرَّجل بأحكام ثلاثة بجواز الإطعام مع القدرة على الصِّيام، وصرفه إلى نفسه، والاكتفاء بخمسة عشر صاعًا.

تنبيه قد اختلفت الرِّواية عن مالك في ذلك، فالمشهور ما تقدَّم. وعنه يكفر في الأكل بالتَّخيير، وفي الجماع بالإطعام فقط. وعنه التَّخيير مطلقًا، وقيل يراعى زمن الخصب والجدب، وقيل يعتبر حال المكفِّر، وقيل غير ذلك.

ثمَّ إنَّه قد خرج بالعمد من جامع ناسيًا أو مكرهًا أو جاهلًا، وبقوله في رمضان، غيرُه؛ كقضاء ونذر وتطوع؛ لورود النَّص في رمضان، وهو مختصٌّ بفضائل لا يشركه فيها غيره، وبالجماع غيرُه؛ كالاستمناء والتَّفخيذ؛ لورود النَّص في الجماع، وهو أغلظُ من غيره، وأوجب بعض المالكيَّة والحنابلة الكفَّارة على النَّاسي

ج 9 ص 334

متمسِّكين بترك استفساره صلى الله عليه وسلم عن جماعة هل كان عن عمدٍ أو عن نسيان، وترك الاستفسار في الفعل ينزل منزلة العموم في المقال.

وأجيب بأنَّه قد تبيَّن الحال من قوله احترقت وهلكت، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان عامدًا عالمًا بالتَّحريم. وسيجيء بقيَّة الكلام في ذلك في الباب الآتي إن شاء الله تعالى [خ¦1936] .

ورجال إسناد حديث الباب بين مروزيِّ وهو شيخه، وواسطيِّ وهو يزيد بن هارون، ومدنيِّ وهم البقيَّة. وفيه أربعة من التَّابعين يحيى وعبد الرَّحمن تابعيان صغيران من طبقة واحدة، وفوقهما قليلًا محمَّد بن جعفر، وأمَّا ابن عمِّه عباد فمن أوساط التَّابعين.

وأخرج متنه المؤلِّف في المحاربين أيضًا [خ¦6822] ، وأخرجه مسلم في الصَّوم، وكذا أبو داود، والنَّسائي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت