1936 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابن أبي حمزة الحمصي (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمَّد بن مسلم بن شهاب (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن عوف، وروى ما ينيف على أربعين نفسًا عن الزُّهري، عن حميد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، منهم ابن عينية [خ¦6711] واللَّيث [خ¦6821] ومعمر [خ¦2600] [خ¦6710] ومنصور [خ¦1937] عند الشَّيخين، والأوزاعي [خ¦6164] وشعيب [خ¦1936] وإبراهيم بن سعد [خ¦5368] [خ¦6087] عند البخاري، ومالك وابن جريج عند مسلم، ويحيى بن سعيد وعراك بن مالك عند النَّسائي، وعبد الجبَّار بن عمر عند أبي عوانة، والجوزقي وعبد الرَّحمن بن مسافر عند الطَّحاوي، وعقيل عند ابن خُزيمة، وابن أبي حفصة عند أحمد، ويونس وحجَّاج بن أرطاة، وصالح بن أبي الأخضر عند الدَّارقطني، ومحمَّد بن إسحاق عند البزَّار، والنُّعمان بن راشد عند الطَّحاوي. ومحمَّد بن عبد الرَّحمن بن أبي ذئب وعبد الرَّحمن بن نمر وأبو أويس وعبد الجبار بن عمر الأيلي، وعبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أميَّة، ومحمَّد بن أبي عتيق، وموسى بن عقبة،
ج 9 ص 335
وعبد الله بن عيسى، وإسحاق بن يحيى العوصي، وهمَّار بن عقيل، وثابت بن ثوبان، وقرَّة بن عبد الرَّحمن، وزمعة بن صالح، وفخر السقاء، والوليد بن محمَّد، وشعيب بن خالد، ونوح بن أبي مريم، وعبد الله بن أبي بكر، وفليح بن سليمان، وعمرو بن عثمان المخزومي، ويزيد بن عياض، وشبل بن عباد.
وسيأتي ما عند كلٍّ منهم من زيادة فائدة إن شاء الله تعالى.
وقد رواه هشام بن سعد عن الزُّهري فخالف الجماعة في إسناده، فرواه عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه، وزاد فيه (( وصم يومًا مكانه ) ). أخرجه أبو داود وسكت عليه.
قال البزَّار وابن خزيمة وأبو عَوانة الإسفرائني أخطأ فيه هشام بن سعد.
قال الحافظ العسقلاني وقد تابعه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمَّد بن أبي حفصة، عن الزُّهري، أخرجه الدَّارقطني في «العلل» . والمحفوظ عن ابن أبي حفصة كالجماعة، كذلك أخرجه أحمد وغيره من طريق روح بن عبادة عنه، ويحتمل أن يكون الحديث عند الزُّهري عنهما فقد جمعهما عنه صالح بن أبي الأخضر، أخرجه الدَّارقطني في «العلل» من طريقه.
وقد رواه أيضًا عبد الجبار بن عمر الأيلي بإسنادٍ آخر رواه عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، رواه ابن ماجه.
ورواه البيهقي من رواية عبد الجبَّار بن عمر، عن يحيى بن سعيد، وعطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيَّب. وقال عبد الجبار ليس بالقويِّ، وقد ورد من حديث مجاهد عن أبي هريرة مختصرًا، ومن حديث محمَّد بن كعب، عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواهما الدَّارقطني وضعَّفهما.
(أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ) وفي رواية ابن جريج عند مسلم، وعقيل عند ابن خزيمة، وأبي أويس عند الدَّارقطني التَّصريح بالتحديث بين حميد وأبي هريرة رضي الله عنه (بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ) قد مرَّ غير مرَّة أنَّ أصل بينما بين، فأشبعت فتحة النون، فصار بينا، ثمَّ زيدت فيه الميم فصار بينما، ويضاف إلى جملة اسمية وفعلية، ويحتاج إلى جواب يتمُّ به المعنى، والأفصح في جوابها أن لا يكون فيه إذ وإذا، ولكن يجيء بهما كثيرًا، وهنا كذلك وهو قوله (( إذ جاءه رجل ) ).
(عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
ج 9 ص 336
وفي رواية الكشميهني .
وقال الحافظ العسقلاني وفي التَّعبير بـ (( عند ) )حسن الأدب؛ لما يشعر العندية بالتَّعظيم، بخلاف قوله مع.
(إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ) قد مرَّ في الباب السَّابق [خ¦1935] أنَّه سلمة بن صخر، أو سلمان بن صخر، أو أعرابي. ووقع في مباحث العام من «شرح ابن الحاجب» ما يوهم أنَّ هذا الرَّجل هو أبو بردة بن نيار. قال الحافظ العسقلاني وهو وهْمٌ يظهر من تأمل بقيَّة كلامه.
(فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) زاد عبد الجبَّار بن عمر عن الزُّهري (( جاء رجل وهو ينتف شعره ويدقُّ صدره ويقول هلك الأبعد ) ). ولمحمَّد بن أبي حفصة (( يلطم وجهه ) ). ولحجَّاج بن أرطاة (( يدعو ويله ) ). وفي مرسل ابن المسيَّب عند الدَّارقطني (( ويحثي على رأسه التُّراب ) ).
واستدلَّ بهذا على جواز هذا الفعل والقول ممَّن وقعت له معصية، ويفرَّق في ذلك بين مصيبة الدِّين والدُّنيا، فيجوز في مصيبة الدِّين؛ لما يشعر به من شدَّة النَّدم وصحة الإقلاع. ويحتمل أن تكون هذه الواقعة قبل النَّهي عن لطم الخدود، وحلق الشَّعر عند المصيبة.
(هَلَكْتُ) وفي حديث عائشة رضي الله عنها (( احترقت ) )كما مرَّ [خ¦1935] ، وفي رواية ابن أبي حفصة (( ما أراني إلَّا قد هلكت ) ). وقد روي في بعض طرق هذا الحديث (( هلكت وأهلكت ) )أي فعلت ما هو سبب هلاكي وهلاك غيري، وهو زوجته التي وطئها.
قال الخطَّابي وهذه اللَّفظة غير موجودة في شيء من رواية هذا الحديث. قال وأصحاب سفيان لم يرووها إنَّما ذكروا قوله هلكت، حسب. قال غير أنَّ بعض أصحابنا حدَّثني أنَّ المعلَّى بن منصور روى هذا الحديث عن سفيان، فذكر هذا الحرف فيه، وهو غير محفوظ، والمعلَّى ليس بذاك في الحفظ والإتقان. انتهى.
وقال البيهقي إنَّ هذه اللَّفظة لا يرضاها أصحاب الحديث. وقال القاضي عياض هذه اللَّفظة ليست محفوظة عند الحفاظ.
وقال الشَّيخ زين الدِّين وردت هذه اللَّفظة من طرق ثلاثة
أحدها الذي ذكره الخطَّابي. وقد رواها الدَّارقطني من رواية أبي ثور قال ثنا معلَّى بن منصور ثنا سفيان بن عيينة فذكره. قال الدَّاراقطني تفرَّد به أبو ثور عن معلَّى بن منصور، عن ابن عيينة بقوله (( وأهلكت ) )قال وهم ثقات.
الطَّريق الثَّاني من رواية الأوزاعي عن الزُّهري، وقد رواها البيهقي بسنده، ثمَّ نقل عن الحاكم أنَّه ضعَّف هذه اللَّفظة.
الطَّريق الثَّالث من رواية عقيل
ج 9 ص 337
عن الزُّهري، رواها الدَّارقطني في غير «السنن» ، وقال نا النِّيسابوري نا محمَّد بن عزيز حدَّثني سلامة بن روح، عن عقيل، عن الزُّهري، فذكره. وقد تكلَّم في سماع محمَّد بن عزيز عن سلامة، وفي سماع سلامة عن عقيل، وتكلم فيهما.
أمَّا محمَّد بن عزيز فضعَّفه النَّسائي مرَّة، وقال مرَّة لا بأس به. وأمَّا سلامة فقال أبو زُرعة ضعيف منكر الحديث. وأجود طرق هذه اللَّفظة طريق المعلى بن منصور، على أنَّ المعلى وإن اتفق الشَّيخان [خ¦2197] [خ¦4787] على إخراج حديثه فقد تركه أحمد، وقال لم أكتب عنه؛ كان يحدِّث بما وافق الرَّأي، وكان كل يوم يخطئ في حديثين وثلاثة.
قال العيني هو من أصحاب أبي حنيفة ووثَّقه يحيى بن معين، وقال يعقوبُ بن شيبة ثقة فيما تفرَّد به وشورك فيه، متقنٌ فقيه مأمون. وقال العجلي ثقة صاحب سنَّة، وكان نبيلًا طلبوه للقضاء غير مرَّة فأبى. وقال ابنُ سعد كان صدوقًا صاحب حديث ورأي وفقه، مات سنة إحدى عشرة ومائتين.
هذا؛ ثمَّ في قوله هلكت، دَلالة على أنَّه كان عامدًا؛ لأنَّ الهلاك والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدِّي إلى ذلك، فكأنَّه جعل المتوقَّع كالواقع، وبالغ فعبَّر عنه بلفظ الماضي، فليس فيه حجَّة على وجوب الكفَّارة على النَّاسي كما ذهب إليه بعض المالكيَّة متمسِّكين بترك استفساره عن جماعة هل كان عن عمد أو نسيان، وترك الاستفصال في الفعل ينزل منزلة العموم في القول.
والجواب أنَّه قد تبيَّن حاله بقوله هلكت واحترقت، فإنَّه يدلُّ على أنَّه كان عامدًا عالمًا بالتَّحريم، وأيضًا فدخول النِّسيان في الجماع في نهار رمضان في غاية البعد.
ج 9 ص 338
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا لَكَ؟) بفتح اللام، وهو استفهام عن حاله؛ أي أيُّ شيء وقع لك؟، وفي رواية عقيل عند ابن خزيمة (( ويحك ما شأنك؟ ) ). ولابن أبي حفصة عند أحمد (( وما الذي أهلكك؟ ) ). وكذا في رواية التِّرمذي والدَّارقطني. ولمعمر (( وما ذاك؟ ) )، وفي رواية الأوزاعي (( ويحك ما صنعت ) )، أخرجه البخاري في الأدب [خ¦6164] . وفي رواية عبد الرَّحمن بن خالد عن الزُّهري (( ويلك ) ). وقد تابعه صالح بن الأخضر في قوله (( ويلك ) ). وتابع الأوزاعي في قوله (( ويحك ) )، عقيل وابن إسحاق وحجَّاج بن أرطاة، وهو اللَّائق بالمقام فإن (( ويح ) )كلمة رحمة، (( وويل ) )كلمة عذاب، والمقام يقتضي الأوَّل.
(قَالَ وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي) وفي رواية ابن إسحاق عند البزَّار (( أصبت أهلي ) ). وفي حديث عائشة رضي الله عنها (( وطئت امرأتي ) ) (وَأَنَا صَائِمٌ) جملة وقعت حالًا.
قال الحافظ العسقلاني يؤخذ منه أنَّه لا يشترط في إطلاق اسم المشتق بقاء المعنى المشتق منه حقيقة؛ لاستحالة كونه صائمًا في حالة جماعه فقوله وطئت، بمعنى شرعت في الوطء، أو المراد أنَّه جامع بعد إذ هو صائم.
فإن قيل هذا مطلق فمن أين علم أنَّه كان صائمًا في رمضان حتَّى يترتَّب عليه وجوب الكفَّارة؟
فالجواب أنَّه وقع في رواية مالك وابن جريج أنَّ رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم. الحديثَ. ووقع أيضًا في رواية عبد الجبَّار بن عمر وقعت على أهلي اليوم، وذلك في رمضان. وفي رواية ساق مسلم إسنادها، وساق أبو عَوانة في «مستخرجه» متنها أنَّه قال أفطرت في رمضان.
وبهذا يردُّ على القرطبي في دعواه تعدُّد القصَّة؛ لأنَّ مخرج الحديث واحد والقصَّة واحدة، فيحمل على أنَّه أراد أفطرت في رمضان بجماع.
وقد وقع في مرسل ابن المسيَّب عن سعيد بن منصور أصبت امرأتي ظهرًا في رمضان. وبتعيين رمضان يفهم الفرق في وجوب كفَّارة الجماع في الصَّوم بين رمضان وغيره من الواجبات كالنُّذور، وفي كلام أبي عوانة في «صحيحه» إشارة إلى وجوب ذلك على من وقع منه في رمضان نهارًا سواء كان الصَّوم واجبًا عليه أو غير واجب، وقد أوجب بعض المالكيَّة الكفَّارة على من أفسدَ صومه
ج 9 ص 339
مطلقًا. واحتجُّوا بظاهر هذا الحديث، وهو مردود عليهم بالذي مرَّ آنفًا [خ¦1935] .
نعم؛ تجب الكفَّارة على من أفطر في رمضان مطلقًا بأيِّ شيءٍ كان من الأكل والشُّرب والجماع عمدًا خلافًا لمن خصَّ وجوبها بالجماع كالشَّافعية كما تقدَّم [خ¦1933 قبل] .
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟) أي تقدر، فالمراد الوجود الشَّرعي ليدخل فيه القدرة بالشِّراء ونحوه، ويخرج عند مالك الرَّقبة المحتاج إليها بطريق معتبر شرعًا. وفي رواية منصور أتجد ما تحرِّر رقبة؟ وفي رواية ابن أبي حفصة أتستطيعُ أن تعتق رقبة؟ وفي رواية إبراهيم بن سعد والأوزاعي فقال أعتق رقبة. وزاد في رواية مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه فقال بئس ما صنعتَ، أعتقْ رقبة.
وفي حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أخرجه الطَّبراني في «الكبير» جاء رجل إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال إنِّي أفطرت يومًا من رمضان، فقال (( من غير عذر ولا سقم؟ ) )قال نعم، قال (( بئس ما صنعت ) )قال أجل ما تأمرني؟ قال (( أعتق رقبة ) ).
وفي إطلاق الرَّقبة دَلالة على جوز المسلمة والكافرة، والذَّكر والأنثى، والصَّغير والكبير، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، وجعلوا هذا كالظِّهار مستدلِّين بما رواه الدَّارقطني من حديث إسماعيل بن سالم، عن مجاهد، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي أفطر في رمضان يومًا بكفَّارة الظِّهار. وإطلاق الحديث يقتضي أيضًا جواز الرَّقبة المعيبة، وهو مذهب داود.
وأمَّا مالك وأحمد والشَّافعي فقد شرطوا الإيمان في إجزاء الرَّقبة بدليل تقييدها في كفَّارة القتل، وهي مسألةُ حمل المطلق على المقيَّد، وهي أنَّه إذا اختلف السَّبب واتَّحد الحكم هل يقيَّد المطلق أو لا؟ وهل تقييدُه بالقياس أو لا؟ والأقرب أنَّه بالقياس. ويؤيِّده التَّقييد في مواضع أخرى.
وقال عطاء إن لم يجد رقبةً أهدى بدنة، فإن لم يجدْ فبقرة. قال ابنُ العربي ونحوه عن الحسن، وفيه كلام يأتي إن شاء الله تعالى.
(قَالَ) الرَّجل (لاَ) أي لا أجدُ رقبة. وفي رواية ابن مسافر عند الطَّحاوي فقال لا والله يا رسول الله. وفي رواية ابن إسحاق ليس عندي. وفي حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما فقال والذي بعثك بالحقِّ ما ملكت رقبة قط.
(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟) قال القرطبي أي تقوى وتقدر (قَالَ لاَ) وفي رواية إبراهيم بن سعد قال (( فصم شهرين متتابعين ) )،
ج 9 ص 340
وفي حديث سعد قال لا أقدر. وفي رواية ابن إسحاق وهل لقيت ما لقيت إلَّا من الصِّيام؟!
وقال ابنُ دقيق العيد رواية ابن إسحاق هذه تقتضي أنَّ عدم استطاعته لشدَّة شبقه وعدم صبره عن الوقاع، فهل يكون ذلك عذرًا في الانتقال عن الصَّوم إلى الإطعام حتَّى يعدَّ صاحبه غير مستطيع للصِّيام أو لا؟ والصَّحيح عند الشَّافعية اعتبار ذلك فيشرع له الانتقال إلى الإطعام، ويلتحق به من يجد رقبة، وهو غيرُ مستغن عنها فإنَّه يسوغ له الانتقال إلى الصَّوم مع وجودها؛ لكونه في حكم غير الواجد، انتهى.
وفيه أنَّ الشَّارع رتَّب هذه الخصال بالفاء التي هي للترتيب والتَّعقيب، فكيف ينقص هذا، كذا قيل فليتأمَّل.
وأمَّا ما رواه الدَّارقطني من طريق شريك عن إبراهيم بن عامر، عن سعيد بن المسيَّب في هذه القصَّة مرسلًا أنَّه قال في جواب قوله (( فهل تستطيع أن تصوم؟ ) )إنِّي لأدع الطَّعام ساعة فما أطيق ذلك. ففي إسناده مقالٌ، وعلى تقدير صحَّته فلعله يعتلُّ بالأمرين.
ثمَّ التتابع في صوم الشَّهرين شرط بالنَّص بشرط أن لا يكون فيهما رمضان وأيَّام منهيَّة وهي يوم الفطر ويوم النَّحر وأيَّام التَّشريق، وهو قول كافَّة العلماء إلَّا ابن أبي ليلى فإنَّه قال لا يجب التتابع في الصِّيام، والحديث حجَّة عليه.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم، وفي رواية أبي ذرٍّ وابن عساكرَ (فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قَالَ لاَ) وزاد في رواية ابن مسافر (( يا رسول الله ) ). ووقع في رواية سفيان (( فهل تستطيع إطعام ستِّين مسكينًا ) ). وفي رواية إبراهيم بن سعد [خ¦5368] وعراك بن مالك (( فأطعم ستِّين مسكينًا قال لا أجد ) ). وفي رواية ابن أبي حفصة (( أفتستطيع أن تطعم ستِّين مسكينًا قال لا ) )وذكر الحاجة. وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال (( والذي بعثك بالحقِّ ما أشبع أهلي ) ).
والمسكين مأخوذ من السُّكون؛ لأنَّ المعدم ساكن الحال عن أمور الدُّنيا، والمراد بالمسكين هاهنا أعم من الفقير؛ لأنَّ كلاًّ منهما حيث أفرد يشملُ الآخر، وإنَّما يفترقان عند اجتماعهما كما في قوله تعالى {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} [التوبة 60] . والخلاف في معناهما حينئذٍ معروفٌ، وقد تقدَّم في (( الزَّكاة ) ) [خ¦1468] [خ¦1476] .
ثمَّ إنَّهم اختلفوا في كميَّة هذه الصَّدقة فقال الشَّافعي ومالك إنَّ الواجب فيها مد وهو ربع صاع لكلِّ مسكين، وهي خمسة عشر صاعًا؛ لما روى أبو داود من رواية هشام بن سعد عن الزُّهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه فأتى بعرق قدر خمسة عشر صاعًا.
وروى الدَّارقطني من رواية سفيان،
ج 9 ص 341
عن منصور، عن الزُّهري، عن حميد، عن أبي هريرة رضي الله عنه وفيه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكتل فيه خمسة عشر صاعًا من تمر، ورواه البيهقي أيضًا ثمَّ قال وكذلك رواه إبراهيم بن طهمان عن منصور بن المعتمر قال فيه بمكتل فيه خمسة عشر صاعًا من تمر.
وروى الدَّارقطني أيضًا من رواية روح، عن محمَّد بن أبي حفصة، عن الزُّهري، عن حميد قال فيه بِزبيل وهو المكتل فيه خمسة عشر صاعًا أحسبه تمرًا قال وكذلك قال هقل بن زياد، والوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزُّهري.
وقال الخطَّابي وظاهره يدلُّ على أنَّ قدر خمسة عشر صاعًا يكفي للكفَّارة عن شخص واحد لكلِّ مسكين مد، قال وقد جعله الشَّافعي أصلًا لمذهبه في أكثر المواضع التي يجب فيها الإطعام.
وعندنا معشر الحنفيَّة الواجب لكلِّ مسكين نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، كما في كفَّارة الظِّهار؛ لما روى الدَّارقطني عن ابن عبَّاس رضي الله عنه يطعم كلَّ يوم مسكينًا نصف صاع من برٍّ.
وعن عائشة رضي الله عنها في هذه القصَّة أتى بعرق فيه عشرون صاعًا، ذكره السَّفاقسي في «شرح البخاري» ، ويروى ما بين خمسة عشر صاعًا إلى عشرين. وفي «صحيح مسلم» فأمره أن يجلسَ فجاءه عرقان فيهما طعام، فأمره أن يتصدَّق به، فإذا كان العرق خمسة عشر صاعًا فالعرقان ثلاثون صاعًا على ستِّين مسكينًا لكلِّ مسكين نصف صاع، ولكن يردُّ عليه أنَّ العرقين ثلاثون صاعًا من التَّمر وهو لا يكفي في الكفَّارة على مذهبهم، بل يجب لكلِّ مسكين صاع من التَّمر عندهم، فافهم.
وقال الحافظ العسقلاني ووقع في بعض طرق عائشة رضي الله عنها عند مسلم فجاءه عرقان، والمشهور في غيرها عرق، ورجَّحه البيهقي.
وجمع غيره بينهما بتعدُّد الواقعة، وهو جمع لا نرضاه؛ لاتِّحاد مخرج الحديث، والأصل عدم التعدُّد، والذي يظهر أن التَّمر كان قدر عرق، لكنَّه كان في عرقين في حال التَّحميل على الدَّابة ليكون أسهل في الحملِ، فيحتمل أنَّ الآتي به لما وصل أفرغَ أحدهما في الآخر، فمن قال عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال عرق أراد ما آل إليه، انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ كون المشهور في غير طرق عائشة عرقًا لا يستلزم ردَّ ما روي في بعض طرق الحديث أنَّه عرقان، ومن أين ترجيح رواية غير مسلم على رواية مسلم؟! فهذا مجرَّد دعوى؛ لتمشية مذهبه، وقول من يدَّعي تعدُّد الواقعة غير صحيح؛ لما قال من أنَّ مخرج الحديث واحد، والأصل عدم التَّعدد.
وقوله والذي يظهر ... إلى آخره،
ج 9 ص 342
ساقط جدًّا وتأويلٌ فاسد، فمن أين هذا الظُّهور الذي يذكره بغير أصل ولا دليل من نفس الكلام، والقرينة من الخارج، وإنَّما هو من آثار أريحية التعصُّب نصرة لما ذهب إليه، والحقُّ أحقُّ أن يتَّبع، انتهى.
ثمَّ إن الواجب إطعام ستِّين مسكينًا، خلافًا لما روي عن الحسن أنَّه رأى أن يُطعم أربعين مسكينًا عشرين صاعًا، حكاه ابن التِّين عنه، وحكوا عن أبي حنيفة أنَّه قال يجزئه أن يدفع طعام ستِّين مسكينًا إلى مسكين واحد قالوا والحديث حجَّة عليه.
هذا؛ والذي حكى مذهب أبي حنيفة رحمه الله لم يعرف مذهبه فيه، وحكى من غير معرفة، ومذهبه أنَّه إذا دفع إلى مسكين واحد في شهرين يجوز فلا يكون الحديث حجَّة عليه؛ لأنَّ المقصود سد خلَّة المحتاج والحاجة تتجدَّد بتجدُّد الأيَّام، فكان اليوم الثَّاني كمسكين آخر. نعم؛ لو أعطى مسكينًا واحد أكله في يوم واحد لا يصحُّ إلَّا عن يومه ذلك؛ لأنَّ الواجب عليه التَّفريق ولم يوجد.
وقال ابن دقيق العيد أضاف الإطعام الذي هو مصدر أطعم إلى ستِّين مسكينًا فلا يكون ذلك موجودًا في حقِّ من أطعم ستَّة مساكين عشرة أيَّام مثلًا، ومن أجاز ذلك فكأنَّه استنبط من النَّص معنىً يعود عليه بالنَّقض والإبطال، والمشهور عن الحنفيَّة الإجزاء حتَّى لو أطعم الجميع مسكينًا واحدًا في ستِّين يومًا كفى، انتهى.
وقد عرفت أنَّ مثل هذا ينشأ من عدم معرفة مذهبهم فهم يحفظون شيئًا ويغيب عنهم أشياء، أفلا يعلمون أنَّ المراد سدُّ خلَّة الفقير، فإذا وجد ذلك مع مراعاة معنى الستِّين فلا طعن فيه، والله ولي العصمة والتَّوفيق.
ثمَّ الشَّرط في الإطعام غداء وعشاء مشبعان في يوم واحد، والمراد من الإطعام الإعطاء لهم بحيث يتمكَّنون من الأكل لا حقيقة الإطعام من وضع المطعوم في فم الآكل، بل يكفي الوضع بين يديه بلا خلاف، وفي إطلاق الإطعام ما يدلُّ على الاكتفاء بوجود الإطعام من غير اشتراط مناولة بخلاف زكاة الفرض، فإنَّ فيها النَّص على الإيتاء وصدقة الفطر، فإنَّ فيها النَّص على الأداء، وفي ذكر الإطعام ما يدلُّ أيضًا على وجود طاعم فخرج الطِّفل الذي لم يطعم كقول الحنفيَّة.
وأمَّا الشَّافعية فنظروا إلى النَّوع وقالوا يسلم
ج 9 ص 343
إلى وليه، وذِكْرُ الستِّين يفهم منه أنَّه لا يجب ما زاد عليها، ومن لم يقل بالمفهوم تمسَّك بالإجماع على ذلك.
ثمَّ إنَّه ذكر في حكمة هذه الخصال من المناسبة أنَّ من انتهك حرمة الصَّوم بالجماع عمدًا في نهار رمضان فقد أهلك نفسه بالمعصية، فناسب أن يعتقَ رقبة فيفدي نفسه بها، وقد ثبت في «الصَّحيح» (( أنَّ من أعتق رقبةً أعتقَ اللهُ بكلِّ عضو منها عضوًا من النَّار ) ).
وأمَّا الصِّيام فمناسبته ظاهرة؛ لأنَّه كالمقاصة بجنس الجناية.
وأمَّا كونه شهرين فلأنَّه لمَّا أمر بمصابرة النَّفس في حفظ كلِّ يوم من شهر رمضان على الولاء، فلمَّا أفسد منه يومًا كان كمَن أفسدَ الشَّهر كله من حيث إنَّه عبادة واحدة بالنَّوع، فكلِّف بشهرين مضاعفة على سبيلِ المقابلة لنقيضِ قصده.
وأمَّا الإطعام فمناسبته ظاهرة أيضًا؛ لأنَّه مقابلة كلِّ يوم بإطعام مسكين. ثمَّ إنَّ الخصال المذكورة جامعة؛ لاشتمالها على حقِّ الله وهو الصَّوم، وحقِّ الأحرار بالإطعام وحقِّ الأرقَّاء بالإعتاق، وحقِّ الجاني بثواب الامتثال.
ثمَّ إنَّ ظاهر الحديث جريان الخصال الثَّلاث المذكورة في الكفَّارة، ووقع في «المدوَّنة» لابن القاسم المالكي لا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام.
قال ابنُ دقيق العيد وهي معضلةٌ لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث الثَّابت، غير أنَّ بعض المحقِّقين من أصحابه حمل هذا اللَّفظ وتأوَّله على الاستحباب في تقديم الطَّعام على غيره من الخصال، ووجَّهوا ترجيح الطَّعام على غيره بأنَّ الله تعالى ذكره في القرآن رخصة للقادر، ثمَّ نسخ هذا الحكم، ولا يلزمه منه نسخ الفضيلة، فيترجح الإطعام أيضًا؛ لاختيار الله تعالى في حقِّ المفطر بالعذر، وكذا يرجِّحه جريانه في حقِّ من أخَّر قضاء رمضان حتَّى دخلَ رمضان آخر، وأيضًا يناسب الإطعام جبر فوات الصِّيام الذي هو الإمساك عن الطَّعام وأيضًا نفعه شامل للمساكين.
وكل هذه الوجوه لا تقاوم ما ورد في الحديث من تقديم العتق على الصِّيام، ثمَّ الإطعام سواء قلنا بالتَّرتيب أو بالتَّخيير، فإنَّ هذه البداءة إن لم تقتض وجوب التَّرتيب فلا أقل من أن تقتضيَ استحبابه، واحتجُّوا أيضًا بأنَّ حديث عائشة رضي الله عنها
ج 9 ص 344
لم يقع فيه سوى الإطعام [خ¦1935] .
وقد تقدَّم هو والجواب عن ذلك قبل، وأنَّه ورد فيه من وجه آخر ذكر العتق أيضًا. ومن المالكيَّة من وافق على هذا الاستحباب [خ¦1935] . ومنهم من قال إنَّ الكفَّارة تختلف باختلاف الأوقات [خ¦1935] .
قال ابن التِّين وإليه ذهب المتأخِّرون من أصحابنا؛ ففي وقت الشدَّة والمجاعة يكون بالإطعام، وفي غيرها يكون بالعتق أو الصَّوم. وأمر بعض المفتين أهل الغنى الواسع بالصَّوم لمشقَّته عليه.
ومنهم من قال الإفطار بالجماع يكفَّر بالخصال الثَّلاث وبغيره لا يكفَّر إلَّا بالإطعام، وهو قول أبي مصعب.
وعن ابن أبي ليلى هو مخيَّر بين العتق والصَّوم، ولا يطعم إلَّا عند العجز عنهما، وإليه ذهب ابن جرير.
وقال ابن قدامة المشهورُ من مذهب أحمد أنَّ كفَّارة الوطء في رمضان ككفَّارة الظِّهار في التَّرتيب؛ العتق إن أمكن فإن عجز انتقل إلى الصِّيام، فإن عجز انتقل إلى الإطعام، وهو قول جمهور العلماء منهم السَّادة الحنفيَّة والشَّافعية، وعن أحمد رواية أخرى أنَّها على التَّخيير بين العتق والصِّيام والإطعام، وبأيِّها كفَّر أجزأه وهو رواية عن مالك، فإن عجز عن هذه الأشياء سقطت الكفَّارة عنه في إحدى الرِّوايتين عن أحمد؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لمَّا رأى عجز الأعرابي عنها قال (( أطعمه أهلك ) )، ولم يأمره بكفَّارة أخرى، وهو قول الأوزاعي، وعن الزُّهري لا بدَّ من التَّكفير، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى، وقد مرَّ نبذ منه أيضًا [خ¦1935] ، ثمَّ إن في الحديث أنَّه لا مدخل لغير هذه الخصال الثَّلاث في الكفَّارة.
وجاء عن بعض المتقدِّمين إهداء البدنة عند تعذُّر الرَّقبة، وأيَّده بعضهم بإلحاق إفساد الصِّيام بإفساد الحجِّ، وورد ذكر البدنة في مرسل سعيد بن المسيَّب عند مالك في «الموطَّأ» عن عطاء الخراساني عنه، وهو مع إرساله قد ردَّه سعيد بن المسيَّب، وكذَّب من نقله عنه، كما روى سعيد بن منصور عن ابن عليَّة، عن خالد الحذاء، عن القاسم بن عاصم، قلت لسعيد بن المسيَّب ما حديث حدَّثناه عطاء الخراساني عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنَّه يعتق رقبة أو يهدي بدنة، فقال كذب. وذكر الحديث.
وهكذا رواه اللَّيث عن عَمرو بن الحارث عن أيُّوب عن القاسم بن عاصم،
ج 9 ص 345
وتابعه همَّام عن قتادة عن سعيد.
وذكر ابن عبد البر أنَّ عطاء لم ينفردْ بذلك، فقد ورد من طريق مجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه موصولًا، ثمَّ ساقه بإسناده، لكنَّه من رواية ليث بن أبي سليم عن مجاهد، وليث ضعيفٌ، وقد اضطرب في روايته سندًا ومتنًا فلا حجَّة فيه.
ثمَّ إن الكفَّارة بالخصال الثَّلاث المذكورة مرتَّبةٌ العتق، فإن لم يوجد فصيام شهرين، فإن لم يستطع فإطعام ستِّين مسكينًا ككفَّارة الظِّهار، وهو مذهبُ أبي حنيفة والشَّافعي وابن حبيب من المالكيَّة، وذهب مالك وأصحابه إلى التَّخيير؛ لقوله في حديث أبي هريرة رضي الله عنه (( صم شهرين أو أطعم ) )فخيَّره بـ (( أو ) )التي وضعت للتَّخيير.
قال ابن العربي في إثبات التَّرتيب إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم نقله من أمرٍ بعدَ عدمِهِ إلى أمرٍ آخرَ، وليس هذا شأن التَّخيير.
ونازع القاضي عياض في ظهور الدَّلالة على التَّرتيب في السُّؤال عن ذلك فقال إنَّ مثل هذا السُّؤال قد يستعمل فيما هو على التَّخيير.
وقرَّره ابن المُنيِّر في «الحاشية» بأنَّ شخصًا لو حنث فاستفتى، فقال له المفتي أعتق رقبة فقال لا أجد، فقال صم ثلاثة أيَّام إلى آخره، لم يكن مخالفًا لحقيقة التَّخيير، بل يحمل على أنَّ إرشاده إلى العتق؛ لكونه أقرب لتنجيز الكفَّارة.
وقال البيضاويُّ رتَّب الثَّاني بالفاء على فَقْدِ الأوَّل، ثمَّ الثَّالث بالفاء على فَقْدِ الثَّاني، فدلَّ على عدم التَّخيير مع كونها في معرض البيان وجواب السُّؤال فينزل منزلة الشَّرط للحكم، وسلك الجمهور في ذلك إلى التَّرجيح بأن الذين رووا التَّرتيب عن الزُّهري أكثر ممَّن روى التَّخيير.
وتعقَّبه ابن التِّين بأنَّ الذين رووا التَّرتيب ابن عُيينة ومعمر والأوزاعي، والذين رووا التَّخيير مالك وابن جريج وفليح بن سليمان وعمر بن عثمان المخزومي، وهو كما قال في الثَّاني دون الأوَّل، فالذين رووا التَّرتيب في البخاري الذي نحن في شرحه أيضًا إبراهيم بن سعد [خ¦5368] واللَّيث بن سعد [خ¦6821] وشعيب بن أبي حمزة ومنصور، ورواية هذين في هذا الباب، وفي الباب الذي يليه [خ¦1937] فكيف غفل ابن التِّين عن ذلك وهو ينظر فيه، بل روى التَّرتيب عن الزُّهري كذلك تمام ثلاثين نفسًا أو أزيد. ورجِّح التَّرتيب أيضًا بأنَّ راويه حكى لفظ القصَّة على وجهها فمعه
ج 9 ص 346
زيادة علم من صورة الواقعة، وراوي التَّخيير حكى لفظ راوي الحديث، فدلَّ على أنَّه من تصرُّف بعض الرُّواة إمَّا لقصد الاختصار أو لغير ذلك، ويترجَّح الترتيب أيضًا بأنَّه أحوط؛ لأنَّ الأخذ به مجزئ سواء قلنا بالتَّخيير أو لا بخلاف العكس.
وجمع بعضهم بين الرِّوايتين كالمهلَّب والقرطبي بالحمل على التَّعدُّد وهو بعيد؛ لأنَّ القصَّة واحدة والمخرج متَّحد، والأصل عدم التعدُّد، وبعضُهُم بأن حمل التَّرتيب على الأولوية، والتَّخيير على الجواز، وعكسه بعضهم فقال إنَّ كلمة (( أو ) )في الرِّواية الأخرى ليست للتَّخيير، وإنَّما هي للتَّفسير والتَّقدير، أمر رجلًا أن يعتقَ رقبة أو يصوم إن عجز عن العتق أو يطعم إن عجز عن الصَّوم أيضًا.
وذكر الطَّحاوي أنَّ سبب إتيان بعض الرُّواة بالتَّخيير أنَّ الزُّهري راوي الحديث قال في آخر حديثه فصارت الكفَّارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين أو الإطعام قال فرواه بعضهم مختصرًا مقتصرًا على ما ذكر الزُّهري أنَّه آل إليه الأمر قال وقد قصَّ عبد الرَّحمن بن خالد بن مسافر عن الزُّهري القصَّة على وجهها، ثمَّ ساقه من طريقه مثل حديث الباب إلى قوله (( أطعمه أهلك ) )قال فصارت الكفَّارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستِّين مسكينًا.
وكذلك رواه الدَّارقطني في «العلل» من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزُّهري، وقال في آخره فصارت سنة عتق رقبة أو صيام شهرين أو إطعام ستِّين مسكينًا.
(قَالَ) أي أبو هريرة رضي الله عنه (فَمَكثَ) بفتح الكاف وضمها، وبهما قرئ في القرآن، كذا هنا بالميم والمثلثة، وفي رواية أبي نُعيم في «المستخرج» من وجهين عن أبي اليمان (( فسكت ) )بالمهملة والكاف المفتوحة والمثناة، وكذا في رواية ابن مسافر وابن أبي الأخضر.
(النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية ابن عيينة (( فقال له النَّبي صلى الله عليه وسلم اجلس فجلس ) )قيل وإنَّما أمره بالجلوس؛ لانتظار الوحي في حقِّه، أو كان عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به. ويحتمل أن يكون أسقط عنه الكفَّارة بالعجز، وهذا الثَّالث ليس بقوي؛ لأنَّها لو سقطت ما عادت عليه حيث أمره بها بعد إعطائه إيَّاه المكتل.
(فَبَيْنَا) بغير ميم (نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ) وفي رواية ابن عُيينة (( فبينما هو جالس لذلك ) )وجواب بينا قوله (أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) على البناء للمفعول، كذا عند الأكثرين، وفي رواية ابن عيينة (( إذ أتى ) )ولم يسمِّ الآتي، لكن في رواية معمر، كما سيأتي في الكفَّارات [خ¦6710] (( فجاء رجل من الأنصار ) )،
ج 9 ص 347
وعند الدَّارقطني من طريق داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيِّب مرسلًا فأتى رجل من ثقيف، فإن لم يحمل على أنَّه كان حليفًا للأنصار، أو لم يطلق الأنصارُ بالمعنى الأعم، فرواية الصَّحيح أصح.
وأنت خبير بأنَّ الثَّاني لا وجه له، فإنَّه يلزمه منه أن يطلق على كلِّ من كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه أنصاري بهذا المعنى ولم يقل به أحد. ووقع في رواية ابن إسحاق فجاء رجل بصدقته يحملهما. وفي مرسل الحسن عند سعيد بن منصور بتمر من تمر الصَّدقة.
(بِعَرَقٍ) بفتح العين والراء بعدها قاف. قال ابن التِّين كذا لأكثر الرُّواة، وفي رواية أبي الحسن؛ يعني القابسيَّ بإسكان الراء. قال القاضي عياض والصَّواب بالفتح.
وقال ابن المنيِّر أنكر بعضُهم الإسكان؛ لأنَّ الذي بالإسكان هو العظم الذي عليه اللَّحم.
هذا وفيه أنَّه إن كان الإنكار من جهة الاشتراك مع العظم فلينكر الفتح أيضًا؛ لأنَّه يشترك مع الماء الذي يجلب من الجسد.
نعم؛ الرَّاجح من حيث الرِّواية الفتح، ومن حيث اللُّغة أيضًا، إلا أنَّ الإسكان ليس بمنكر، بل أثبته بعض أهل اللُّغة كالقزَّاز.
(فِيهِ تَمْرٌ) وفي رواية أبي ذرٍّ بالتَّأنيث على معنى القفة. قال القاضي عياض المكتل والقفة والزنبيل سواء.
قال أبو هريرة رضي الله عنه _ في تفسير العرق _ أو الزُّهري أو غيره، لكن في رواية ابن عيينة ما يشعر بأنَّه الزُّهري (وَالْعَرَقُ الْمِكْتَلُ) بكسر الميم وفتح الفوقية، الزنبيل الكبير كما تقدَّم [خ¦1935] ، وزاد ابنُ عيينة عند الإسماعيلي وابن خزيمة (( المكتل الضخم ) ). قال الأخفش سمِّي المكتل عرقًا؛ لأنَّه يضفر عرقة عرقة، فالعرق جمع عرقة؛ كعَلَق وعَلَقة، والعرقة الصَّغيرة من الخوص.
ولم يبيِّن في هذه الرِّواية مقدار ما في المكتل من التَّمر، بل ولا في شيءٍ من طرق «الصحيحين» في حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ووقع في رواية ابنِ أبي حفصة (( فيه خمسة عشر صاعًا ) ). وفي رواية مؤمل عن سفيان (( فيه خمسة عشر أو نحو ذلك ) ). وفي رواية مهران بن أبي عمر عن الثَّوري عند ابن خزيمة (( فيه خمسة عشر أو عشرون ) )وكذا هو عند مالك وعبد الرَّزَّاق.
وفي مرسل سعيد بن المسيب عند الدَّارقطني الجزم بعشرين صاعًا. ووقع في حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن خُزيمة فأتى بعرق فيه
ج 9 ص 348
عشرون صاعًا.
قال البيهقي قوله عشرون صاعًا، بلاغ بلغ محمَّد بن جعفر؛ يعني بعض رواته، فقد بيَّن ذلك محمَّد بن إسحاق عنه، فذكر الحديث وقال في آخره قال محمَّد بن جعفر فحدِّثت بعد أنَّه كان عشرين صاعًا من تمر. ووقع في مرسل عطاء بن أبي رباح عند مسدَّد فأمر له ببعضه.
قال الحافظ العسقلاني وهذا يجمع الرِّوايات؛ فمن قال إنَّه كان عشرين صاعًا أراد أصل ما كان فيه، ومن قال خمسة عشر أراد قدر ما يقع به الكفَّارة.
ويبيِّن ذلك حديث علي رضي الله عنه عند الدَّارقطني يطعم ستِّين مسكينًا لكلِّ مسكين مد، وفيه فأتى بخمسة عشر صاعًا، فقال أطعمه ستِّين مسكينًا.
وكذا في رواية حجَّاج عن الزُّهري عند الدَّارقطني في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال وفيه ردٌّ على الكوفيِّين في قولهم إنَّ واجبه من القمح ثلاثون صاعًا، ومن غيره ستُّون صاعًا.
وعلى أشهب في قوله لو غدَّاهم وعشَّاهم كفى؛ لصدق الإطعام، ولقول الحسن يطعم أربعين مسكينًا عشرين صاعًا. ولقول عطاء إن أفطرَ بالأكل أطعم عشرين صاعًا، أو بالجماع أطعم خمسة عشر، وفيه ردٌّ على الجوهري حيث قال في «الصِّحاح» المكتل شبه الزِّبيل يسع خمسة عشر صاعًا؛ لأنَّه لا حصر في ذلك.
وروي عن مالك أنَّه قال يسع خمسة عشر أو عشرين، ولعلَّه قال ذلك في هذه القضيَّة الخاصَّة، فيوافق رواية مهران، وإلَّا فالظَّاهر أنَّه لا حصر في ذلك.
وأمَّا ما وقع في رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة رضي الله عنه عند الطَّبراني في «الأوسط» أنَّه أتى بمكتل فيه عشرون صاعًا، فقال تصدق بهذا، وقال قبل ذلك تصدَّق بعشرين صاعًا أو بتسع عشرة أو بإحدى عشرة، فلا حجَّة فيه؛ لما فيه من الشَّك، ولأنَّه من رواية ليث بن أبي سليم وهو ضعيفٌ، وقد اضطرب فيه، ووقع في بعض طرق عائشة رضي الله عنها عند مسلم فجاءه عرقان فيهما طعام، ووجهه إن كان محفوظًا ما تقدَّم قريبًا [خ¦1935] ، والله أعلم انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ الحنفيَّة _وهم المراد بالكوفيِّين_ احتجُّوا في مذهبهم بما رواه مسلم فجاءه عرقان فيهما طعام. وقد عرفت أن العرقين يكون ثلاثين صاعًا فيعطي لكلِّ مسكين نصف صاع.
والعجب منه أنَّه يردُّ على الكوفيِّين مع علمه أنَّ احتجاجهم قويٌّ صحيح بل الردُّ على أئمته حيث احتجُّوا فيما ذهبوا إليه بالرِّوايات المضطربة، وفي بعضها الشَّك.
وأعجب
ج 9 ص 349
من ذلك أنَّه قال في رواية مسلم هذه ووجهه إن كان محفوظًا ما تقدَّم قريبًا، وقد رددنا عليه ما قاله فيما مضى. انتهى. وقد نقلنا عنه ذلك آنفًا [خ¦1935] .
قال العيني وكذلك قوله وفيه ردٌّ على الجوهري غير صحيح؛ لأنَّه لم يحصره في ذلك، غاية ما في الباب أنَّه نقل أحد المعاني التي قالوا في المكتل وسكت عليه.
(قَالَ) وفي رواية ابن عساكر (أَيْنَ السَّائِلُ؟) وزاد ابن مسافر (( آنفًا ) )، وسمَّاه سائلًا؛ لأنَّ كلامه متضمِّن للسُّؤال، فإنَّ مراده هلكت فما ينجيني وما يخلصني مثلًا؟
(فَقَالَ) الرَّجل (أَنَا) السَّائل (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (خُذْهَا) أي القفة (فَتَصَدَّقْ بِهِ) أي بالتَّمر الذي فيها، وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر ، وزاد ابنُ إسحاق (( فتصدَّق به عن نفسك ) )ويؤيِّده رواية منصور في الباب الذي يليه بلفظ (( أطعم هذا عنك ) ) [خ¦1937] .
ونحوه في مرسل سعيد بن المسيَّب من رواية داود بن أبي هند عنه عند الدَّارقطني، وعنده من طريق ليث، عن مجاهد، عن أبي هريرة رضي الله عنه (( نحن نتصدَّق به عنك ) ).
واستدلَّ بإفراده بذلك على أنَّ الكفَّارة عليه وحده دون الموطوءة في الجماع، وكذلك قوله في المراجعة (( هل تجد؟ ) ) (( هل تستطيع؟ ) )، ولم يذكر له النَّبي صلى الله عليه وسلم حكم المرأة؛ والموضعُ موضع البيان وهو الأصحُّ من قولي الشَّافعية، وبه قال داود وأهل الظَّاهر، وبه قال أيضًا الأوزاعي، وتعلَّلوا أيضًا بنقصان صومها بتعرُّضه للبطلان بعروض الحيض أو نحوه، فلم تكمل حرمته حتَّى تتعلَّق به الكفَّارة، وبأنَّها عزم مالي متعلِّق بالجماع فيختصُّ بالرَّجل الواطئ فلا تجب على الموطوءة.
وقال أبو حنيفة ومالك وأبو ثور وابن المنذر تجب الكفَّارة على المرأة أيضًا على اختلاف بينهم، وتفاصيل لهم في الحرَّة والأمة والمطاوعة والمكرهة، فقالت الحنفيَّة تجب على المرأة إن طاوعته؛ لأنَّها شاركت الرَّجل في الإفساد فتشاركه في وجوب الكفَّارة سواء كانت زوجة أو أمة.
وقالت المالكيَّة إذا وطئ أمته في نهار رمضان وجبت عليه كفارتان إحداهما عن نفسه، والأخرى عن الأمة وإن طاوعته؛ لأنَّ مطاوعتها كالإكراه للرِّق. وكذلك يكفِّر عن الزَّوجة إن أكرهها على الجماع.
وتكفيره عنهما بطريق النِّيابة عنهما لا بطريق الأصالة،
ج 9 ص 350
فلذلك لا يكفِّر عنهما إلَّا بما يجزئهما في التَّكفير، فيكفِّر عن الأمة بالإطعام لا بالعتق؛ إذ لا ولاء لها ولا بالصَّوم؛ لأن الصَّوم لا يقبل النِّيابة. ويكفِّر عن الزَّوجة الحرَّة بالعتق أو الإطعام. فإن أعسر كفَّرت الزَّوجة عن نفسها ورجعت عليه إذا أيسر بالأقل من قيمة الرَّقبة التي أعتقت أو مكيلة الطَّعام، والمشهورُ من مذهب مالك في المكرهة أنَّه يكفِّر عنها بغير الصَّوم كما ذكر، وقال سحنون لا شيء عليها ولا عليه لها، وبهذا قال أبو ثور وابن المنذر، وسوَّى الأوزاعي بين المكرهة والطَّائعة.
وقالت الحنابلة لا يلزم المرأة كفَّارة مع العذر.
قال المرداوي نصَّ عليه وعليه أكثر الأصحاب، وعنه يكفِّر ويرجع بها على الزَّوج، اختاره بعض الأصحاب وهو الصَّواب. انتهى.
وأجابوا عن قولهم؛ أعني الطَّائفةً الأولى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر حكم المرأة مع الحاجة إلى بيانه؛ بمنع وجود الحاجة إذ ذاك؛ لأنَّها لم تعترف ولم تسأل، واعتراف الزوج عليها لا يوجب عليها حكمًا ما لم تعترف، وبأنَّها قضيَّة حال، فالسُّكوت عنها لا يدلُّ على الحكم؛ لاحتمال أن تكون المرأة مكرهة أو ناسية لصومها، أو ممَّن يُباح لها الفطر ذلك اليوم لعذر من الأعذارِ كالمرض أو السَّفر أو الصِّغر أو الجنون أو الكفر، أو الحيض، أو طهارتها من حيضها في أثناء ذلك اليوم.
على أنَّ بيان الحكم للرَّجل بيان في حقِّها؛ لاستوائهما في تحريم الفطر، وانتهاك حرمة الصَّوم، وذلك كما لم يأمره بالغسل، والتَّنصيص على أنَّ الحكم في حقِّ بعض المكلَّفين كافٍ عن ذكره في حقِّ الباقين. ويحتمل أن يكون سبب السُّكوت عن حكم المرأة ما عرفه من كلام زوجها بأنَّها لا قدرة لها على شيءٍ.
وقال القرطبي اختلفوا في الكفَّارة هل هي على الرَّجل وحده عن نفسه فقط أو عنه وعنها، أو عليه كفَّارتان عنه وعنها، أو عليه عن نفسه وعليها عنها؟ وليس في الحديث ما يدلُّ على شيء من ذلك؛ لأنَّه ساكت عن المرأة، فيؤخذ حُكمها من دليل آخر، مع احتمال أن يكون سبب السُّكوت أنَّها كانت غير صائمة، انتهى.
وقد استدلَّ بعضُهم على وجوب الكفَّارة بقوله في بعض طرق هذا الحديث هلكت وأهلكت، وهي زيادة فيها مقالٌ، فقال ابن الجوزي في قوله وأهلكت، تنبيه على أنَّه أكرهها، ولولا ذلك لم يكن مهلكًا لها.
وقال الحافظ العسقلاني ولا يلزم من ذلك تعدُّد الكفَّارة، بل لا يلزم من قوله وأهلكت، إيجاب الكفَّارة عليها، بل يحتمل أن يريد بقوله هلكت أثمت، وأهلكت؛ أي كنت سببًا في تأثيم
ج 9 ص 351
من طاوعتني فواقعتها؛ إذ لا ريب في حصول الإثم على المطاوعة، ولا يلزم من ذلك إثبات الكفَّارة ولا نفيها.
أو المعنى هلكت؛ أي حيث وقعتُ في شيء لا أقدر على كفَّارته، وأهلكتُ؛ يعني نفسي بفعل الذي جر على الإثم، وهذا كلُّه بعد ثبوت الزِّيادة المذكورة.
وقد ذكر البيهقي أنَّ للحاكم في بطلانها ثلاثة أجزاء، ومحصَّل القول فيها أنَّها وردت من طريق الأوزاعي، ومن طريق ابن عيينة، أمَّا الأوزاعي فتفرَّد بها محمَّد بن المسيَّب عن عبد السلام بن عبد الحميد، عن عمر بن عبد الواحد، والوليد بن مسلم، وعن محمَّد بن عقبة، عن علقمة، عن أبيه ثلاثتهم عن الأوزاعي.
قال البيهقي رواه جميع أصحاب الأوزاعي بدونها، وكذلك جميع الرُّواة عن الوليد وعقبة وعمر. ومحمَّد بن المسيَّب كان حافظًا مكثرًا إلَّا أنَّه كان في آخر أمره عمي، فلعلَّ هذه اللَّفظة أدخلت عليه.
وقد رواه أبو علي النِّيسابوري عنه بدونها، ويدلُّ على بطلانها ما رواه أبو العبَّاس بن الوليد عن أبيه قال سئل الأوزاعي عن رجل جامع امرأته في رمضان قال عليهما كفَّارة واحدة إلَّا الصِّيام، قيل له فإن استكرهها قال عليه الصِّيام وحده.
وأمَّا ابن عيينة فتفرَّد بها أبو ثور عن معلَّى بن منصور عنه، قال الخطَّابي المعلَّى ليس بذاك الحافظ. وتعقَّبه ابن الجوزي بأنَّه لا يعرف أحد طعن في المعلَّى. وغفل عن قول الإمام أحمد أنَّه كان يخطئ كلَّ يوم في حديثين أو ثلاثة، فلعلَّه حدَّث من حفظه بهذا فوهم، وقد قال الحاكم وقفت على كتاب «الصيام» للمعلَّى بخط موثوق، وليست هذه اللَّفظة فيه.
وزعم ابن الجوزي أنَّ الدَّارقطني أخرجه من طريق عقيل أيضًا، وهو غلطٌ منه، فإن الدَّارقطني لم يخرج طريق عقيل في السُّنن، وقد ساقه في «العلل» بالإسناد الذي ذكره عنه ابن الجوزي بدونها.
ثمَّ إنَّه لم يختلف في المذهب في قضاء المكرهة والنَّائمة إلَّا ما ذكر ابن القصَّار عن القاضي إسماعيل عن مالك أنَّه لا غسل على الموطوءة نائمة ولا مكرهة ولا شيء عليها إلَّا أن تلتذَّ.
قال ابن القصَّار فتبيَّن من هذا أنَّها غير مفطرة. وقال القاضي وظاهره أنَّه لا قضاء على المكرهة إلَّا أن تلتذَّ، ولا على النَّائمة لأنها كالمحتلمة، وهو قول أبي ثور في النَّائمة والمكرهة.
واختلف في وجوب الكفَّارة على المكره على الوطء.
ج 9 ص 352
حكى ابن القصَّار عن أبي حنيفة أنَّه لا يلزم المكره عن نفسه، ولا على من أكرهه.
تنبيه القائل بوجوب كفَّارة واحدة على الزَّوج عنه، وعن موطوءته يقول يعتبر حالهما فإن كانا أهل العتق أجزأت رقبة، وإن كانا من أهل الإطعام أطعم ما سبقَ، وإن كانا من أهل الصِّيام صاما جميعًا، فإن اختلف حالهما، ففيه تفصيلٌ محلُّه كتب الفروع.
(فَقَالَ الرَّجُلُ) أأتصدق به (عَلَى) شخص (أَفْقَرَ مِنِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟!) بالاستفهام التَّعجبي وحذف الفعل لدَلالة قوله فتصدَّق به، وهذا يشعرُ بأنَّه فهم الإذن له في التصدُّق على من يتَّصف بالفقر. وقد بيَّن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البزَّار، والطَّبراني في «الأوسط» فزاد فيه إلى من أدفعه؟ قال (( إلى أفقر من تعلم ) ). وفي رواية إبراهيم بن سعد أعلى أفقر من أهلي؟ وفي رواية ابن مسافر أعلى أهل بيت أفقر مني؟ وللأوزاعي أعلى غير أهلي؟ ولمنصور أعلى أحوج منَّا؟ ولابن إسحاق وهل الصَّدقة إلَّا لي وعلي؟!.
(فَوَاللَّهِ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا) تثنية لابة _ بالموحدة ثم بالمثناة من فوق _ عبارة عن حرتين تكتنفان المدينة، والضَّمير للمدينة (يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ) هذا من كلام بعض رواته في تفسير اللَّابتين، والحَرَّة _ بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء _، أرضٌ ذات حجارة سود. ووقع في رواية ابن عمر رضي الله عنهما ما بين حرَّتيها. وفي رواية الأوزاعي الآتية في الأدب [خ¦6164] (( والذي نفسي بيده ما بين طنبي المدينة ) )تثنية طُنُب _ بضم الطاء المهملة والنون _ أحد أطناب الخيمة، فاستعاره للظرف. وزاد في رواية ابن عيينة [1] ومعمر [خ¦2600] (( والذي بعثك بالحقِّ ) ) (أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي) برفع (( أهل ) )على أنه اسم (( ما ) )، و (( أفقر ) )منصوب لأنه خبرها، ويجوز رفعه على لغة تميم، والظَّاهر أنَّ الخبر هو الظرف المقدم، وقوله أفقر مرفوع على أنَّه صفة أهل. وزاد يونس (( أفقر منِّي ومن أهل بيتي ) ). وفي رواية عقيل (( ما أحد أحقُّ به من أهلي، ما أحد أحوج إليه مني ) ). وفي مرسل سعيد من رواية داود عنه (( والله ما لعيالي من طعام ) ). وفي حديث عائشة رضي الله عنها عند ابن خزيمة (( ما لنا عشاء ليلة ) ).
ج 9 ص 353
(فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ) جمع ناب، وهي الأسنانُ الملاصقة للرُّباعيات. وفي رواية ابن إسحاق (( حتَّى بدتْ نواجذه ) ). ولأبي قرة في «السنن» عن ابن جريج (( حتَّى بدتْ ثناياه ) ).
قال الحافظ العسقلاني ولعلَّها تصحيف من أنيابه، فإنَّ الثنايا تبين بالتبسُّم غالبًا، وظاهر السِّياق إرادة الزِّيادة على التبسُّم. ويحمل ما ورد في صفته صلى الله عليه وسلم أنَّ ضحكه كان تبسُّمًا على غالب أحواله.
وقيل كان لا يضحك إلَّا في أمر يتعلَّق بالآخرة، فإن كان في أمر الدُّنيا لم يزد على التبسُّم. قيل وهذه القصَّة تعكِّر عليه، وليس كذلك، فقد قيل إنَّ سبب ضحكه صلى الله عليه وسلم كان من تباين حال الرَّجل حيث جاء خائفًا على نفسه، راغبًا في فداها مهما أمكنه، فلمَّا وجد الرُّخصة طمع أن يأكل ما أعطيه في الكفَّارة. وقيل ضحكه صلى الله عليه وسلم من حال الرَّجل في مقاطع كلامه وحسن تأنِّيه وتلطُّفه في الخطاب، وحسن ترسُّله في توصله إلى مقصوده.
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم له (أَطْعِمْهُ) أي ما في المكتل من التَّمر (أَهْلَكَ) من تلزمك نفقته أو زوجتك أو مطلق أقاربك. وكذلك رواه معمر وابن أبي حفصة. وفي رواية لابن عيينة في الكفَّارات [خ¦6709] (( أطعمه عيالك ) ). ولإبراهيم بن سعد (( فأنتم إذًا ) ) [خ¦5368] ، وقدَّم ذلك على ذكر الضَّحك. وفي رواية أبي قرة عن ابن جريج (( ثم قال كُلْه ) ). ونحوه ليحيى بن سعيد وعراك. وفي رواية ابن إسحاق (( خذها