فهرس الكتاب

الصفحة 3043 من 11127

1944 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) محمَّد بن مسلم الزُّهري (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بصيغة التَّصغير (ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ) ابن مسعود، أحد الفقهاء السَّبعة (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ) كان ذلك في غزوة الفتح خرج يوم الأربعاء بعد العصر لعشر مضين من رمضان، كذا في رواية ابن إسحاق في (( المغازي ) )عن الزُّهري. ووقع عند مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه اختلاف من الرُّواة في ضبط ذلك، والذي اتَّفق عليه أهل السِّير أنَّه خرج من عاشر رمضان، ودخل مكَّة لتسع عشرة خلت منه، هذا؛ فلمَّا كان بالصَّلصل _جبل عند ذي الحليفة_ نادى مناديه من أحبَّ أن يفطرَ فليفطرْ، ومن أحب أن يصومَ فليصمْ.

(فَصَامَ) صلى الله عليه وسلم؛ أي وصام النَّاس أيضًا (حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ) بفتح الكاف وبدال مهملتين أولاهما مكسورة، موضع بينه وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينه وبين مكَّة نحو مرحلتين، وهو أقرب إلى المدينة من عسفان. وقال أبو عبيد بينه وبين عسفان ستَّة أميال، وعسفان على أربعة برد من مكَّة، وبالكديد عين جارية بها نخلٌ كثير، وذكر ابن قرقول أنَّ بين الكديد ومكَّة اثنان وأربعون ميلًا.

وقال ابن الأثير وعسفان قرية جامعة بين مكَّة والمدينة، وقد وقع تفسيره في نفس الحديث بأنَّه بين عسفان وقديد، وسيأتي قريبًا عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما من وجه آخر حتَّى بلغ عسفان بدل الكديد [خ¦1948] ، وفيه مجاز القرب. ووقع عند مسلم في حديث جابر رضي الله عنه (( فلمَّا بلغ كراع الغميم ) ).

قال القاضي عياض اختلفت الرِّوايات في الموضع الذي أفطر صلى الله عليه وسلم فيه، والكلُّ في قصَّة واحدة، وكلُّها متقاربة، والجميع من عمل عسفان وكراع الغميم أيضًا موضع بين مكَّة والمدينة، والكراع جانب مستطيل من الحرَّة تشبيهًا بالكراع.

والغَميم _ بفتح الغين المعجمة _ وادٍ بالحجاز أمام عسفان بثمانية أميال يضاف إليها هذا الكراع، وقيل جبل أسود متَّصل به، والكراع كلُّ أنفٍ سال من جبل أو حرَّة.

وقُديد _ بضم القاف _ موضع قريب من مكَّة، فكأنَّه في الأصل مصغَّر قَد.

(أَفْطَرَ) صلى الله عليه وسلم (فَأَفْطَرَ النَّاسُ) معه، وسيأتي في (( المغازي ) )من طريق معمر عن الزُّهري [خ¦4276] سياق هذا الحديث أوضح من رواية مالك، ولفظ رواية معمر خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف من المسلمين، وذلك على رأس ثمان سنين ونصف من مقدمه المدينة، فسار ومن معه من المسلمين

ج 9 ص 384

يصوم ويصومون حتَّى بلغ الكديد فأفطر وأفطروا.

قال الزُّهري وإنَّما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره صلى الله عليه وسلم، وهذه الزِّيادة التي في آخره من قول الزُّهري وقعت مدرجة عند مسلم من طريق اللَّيث عن الزُّهري ولفظه (( حتَّى بلغ الكديد أفطر ) ). قال وكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتَّبعون الأحدث فالأحدث من أمره، وأخرجه من طريق سفيان عن الزُّهري قال مثله، قال سفيان لا أدري من قول من هو، ثمَّ أخرجه من طريق معمر، ومن طريق يونس كلاهما عن الزُّهري وبيَّنا أنَّه من قول الزُّهري، وبذلك جزم البخاري في (( الجهاد ) ) [خ¦4276] ، وظاهره أن الزُّهري ذهب إلى أن الصَّوم في السَّفر منسوخ، ولم يوافَق على ذلك كما سيأتي [خ¦1948 مقبل]

ج 9 ص 385

قريبًا إن شاء الله تعالى.

وأخرج البخاري في المغازي أيضًا [خ¦4277] من طريق خالد الحذَّاء، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( خرج النَّبي صلى الله عليه وسلم في رمضان والنَّاس صائم ومفطر، فلمَّا استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته، ثم نظر النَّاس ) ). زاد في رواية أخرى من طريق طاوس عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( ثمَّ دعا بماء فشرب نهارًا ليراه النَّاس ) ) [خ¦1948] . وفي رواية النَّسائي من رواية الحكم، عن مقسم، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم خرج في رمضان فصام حتَّى أتى قديدًا، ثم أتى بقدح من لبن فشرب فأفطر هو وأصحابه.

وأخرج الطَّحاوي من طريق أبي الأسود، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ولفظه فلمَّا بلغ الكديد بلغه أنَّ النَّاس شقَّ عليهم الصِّيام، ودعا بقدحٍ من لبن فأمسكه بيده حتَّى رآه النَّاس وهو على راحلته، ثمَّ شرب فأفطرَ فناوله رجلًا إلى جنبهِ فشرب.

ولمسلم من طريق الدَّراوردي عن جعفر بن محمَّد بن علي، عن أبيه، عن جابر رضي الله عنه في هذا الحديث فقيل له إنَّ النَّاس قد شقَّ عليهم الصِّيام، وإنَّما ينظرون فيما فعلت فدعا بقدح من ماء بعد العصر. وله من وجه آخر عن جعفر ثمَّ شرب فقيل له بعد ذلك إنَّ بعض النَّاس قد صام فقال أولئك العصاة. واستدلَّ به على تحتُّم الفطر في السَّفر، ولا دَلالة فيه كما سيأتي.

نعم؛ فيه دليل على أنَّ للمسافر أن يفطرَ في أثناء النَّهار، ولو استهلَّ رمضان في الحضر، والحديث نصٌ في ذلك؛ إذ لا خلاف أنَّه صلى الله عليه وسلم استهلَّ

ج 9 ص 386

رمضان في عام غزوة الفتح وهو بالمدينة، ثمَّ سافر في أثنائه.

فيجوز للمسافر أن يصوم بعض رمضان ويفطر بعضه، ولا يلزمه بصوم بعضه، وكذا إذا نوى السَّفر ليلًا يباح له الفطر ولا يكره، وكذا يباح له إذا كان مقيمًا ونوى ليلًا، ثمَّ حدث له السَّفر قبل الفجر. وإذا نوى الصِّيام من اللَّيل في السَّفر وأصبح صائمًا فله أن يفطر في أثناء النَّهار، وعليه القضاء دون الكفَّارة، وهو قول مالك وأبي حنيفة وداود والشَّافعي والطَّبري والأوزاعي، وبه قطع أكثر الشَّافعية. وفي وجه ليس له أن يفطر وكأن مستند قائله ما وقع في البويطي من تعليق القول به على صحَّة ابن عبَّاس رضي الله عنهما.

ولو نوى الصَّوم وهو مقيم ثمَّ سافر في أثناء النَّهار فهل له أن يفطر في ذلك اليوم؟ منعه الجمهور. وقال أحمد وإسحاق بالجواز، ولكن لا يفطر قبل خروجه، قال في «الإنصاف» وعليه الأصحاب، وهو من مفردات المذهب. واختاره المزني محتجًّا بهذا الحديث فقيل إنَّه ظن أن الكديد خارج المدينة وليس كذلك، وقد وقع في البويطي مثل ما وقع عند المزني فسلَّم المزني ظنًّا منه أنه صلى الله عليه وسلم أفطر في اليوم الذي خرج فيه من المدينة وليس كذلك، فإنَّ بين المدينة والكديد عدَّة أيَّام.

وأبلغ من ذلك ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي عن أنس رضي الله عنه أنَّه كان إذا أراد السَّفر يفطر في الحضر قبل أن يركبَ. وعن أحمد لا يجوز له الفطر مطلقًا كالجمهور، ثمَّ إنَّه لا فرق عند المجيزين في الفطر بكلِّ مفطر، وفرَّق أحمد في المشهور عنه وهو قول للشَّافعي أيضًا بين الفطر بالجماع وبغيره، فمنعه في الجماع قال ولو جامع فعليه الكفَّارة إلَّا إن أفطر بغير الجماع قبل الجماع، فعلى هذا لا كفَّارة بالجماع.

واعترض بعض المانعين في أصل المسألة فقال ليس في الحديث دَلالة على أنَّه صلى الله عليه وسلم نوى الصِّيام في ليلة اليوم الذي أفطر فيه، فيحتمل أن يكون نوى أن يصبح مفطرًا، ثم أظهر الإفطار لينظر النَّاس، لكن سياق الأحاديث ظاهر في أنَّه كان أصبح صائمًا ثم أفطر، وقد روى ابن خُزيمة وغيره من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال كنَّا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم بمرِّ الظَّهران فأتى الطَّعام فقال لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما (( ادنوا فكلا ) )فقالا إنَّا صائمان،

ج 9 ص 387

فقال (( اعملوا لصاحبيكم ارحلوا لصاحبيكم ادنوا فكلا ) ). قال ابن خزيمة فيه دليل على أنَّ للصَّائم في السَّفر الفطر بعد مضي بعض النَّهار.

والحديث أخرجه المؤلِّف في (( الجهاد ) ) [خ¦2953] ، و (( المغازي ) )أيضًا [خ¦4277] . وأخرجه مسلم في (( الصَّوم ) )، وكذا النَّسائي.

ومطابقته للتَّرجمة أظهر من أن تخفى.

تنبيه قال القابسي هذا الحديث من مرسلات الصَّحابة؛ لأنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان في هذه السَّفرة مقيمًا مع أبويه بمكَّة فلم يشاهد هذه القصَّة، فكأنَّه سمعها من غيره من الصَّحابة رضي الله عنهم.

(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هو البخاري نفسه (وَالْكَدِيدُ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ) بضم العين وسكون السين المهملتين وبالفاء وآخره نون، قريةٌ جامعةٌ بينها وبين مكَّة ثمانية وأربعون ميلًا كما تقدَّم (وَ) بين (قُدَيْدٍ) بالقاف على صيغة التَّصغير، وقد تقدَّم أيضًا، وسقط في رواية غير المستملي قوله ، وفي اليونينية نسب سقوطه إلى ابن عساكر فقط.

وسيأتي إن شاء الله تعالى في المغازي من وجه آخر هذا التَّفسير في نفس الحديث موصولًا [خ¦4276] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت