1946 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابن أبي إياس، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) أي ابن الحجَّاج، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) ابن سعد بن زرارة (الأَنْصَارِيُّ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ) ابن أبي طالب.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ) وفي رواية التِّرمذي من رواية جعفر بن محمَّد عن أبيه، عن جابر رضي الله عنه (( خرج إلى مكَّة عام الفتح ) )الحديثَ؛ فظهر منها أنَّها غزوة الفتح، ولابن خزيمة من طريق حمَّاد بن سلمة، عن أبي الزُّبير، عن جابر (( سافرنا مع النَّبي صلى الله عليه وسلم في رمضان ) )فذكر نحوه.
(فَرَأَى
ج 9 ص 390
زِحَامًا) بكسر الزاي، اسم للزحمة، والمراد هنا أنَّه صلى الله عليه وسلم رأى قومًا مزدحمين (وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ) أي جعل عليه شيء يظلُّه من الشَّمس لما وصل له من شدَّة العطش، وحرارة الصَّوم.
قال صاحب «التَّلويح» والرَّجل المجهود في الصَّوم قيل هو أبو إسرائيل ذكر الخطيب في كتاب «المبهمات» أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رآه يهادي بين ابنيه، وقد ظلل عليه، فسأل عنه فقالوا نذر أن يمشي إلى بيت الله الحرام فقال إنَّ الله لغني عن تعذيب هذا نفسه، مروه فليمش وليركب.
وفي «مسند أحمد» ما يشعر بأنَّه؛ أي أبا إسرائيل غيرُ المظلل عليه، وهو أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد، وأبو إسرائيل يصلِّي فقيل للنَّبي صلى الله عليه وسلم هو ذا يا رسول الله لا يقعد ولا يكلِّم النَّاس، ولا يستظل ولا يفطر فقال (( ليقعد وليتكلَّم وليستظلَّ وليفطر ) ).
وفي حديث مالك عن حميد بن قيس وغيره أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا قائمًا في الشَّمس فقالوا نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ولا يجلس ويصوم. الحديثَ، ذكره الخطيب.
ثمَّ قال هذا الرَّجل هو أبو إسرائيل القرشي العامري، ثمَّ ساق بإسناده إلى أيُّوب عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فنظر إلى رجل من قريش يقال له أبو إسرائيل فقالوا نذر أن يصوم ويقوم في الشَّمس، الحديث.
فبين القصَّتين مغايرة ظاهرة، وذلك أنَّه كان ذلك في الحضر في المسجد، وصاحب القصَّة في حديث جابر رضي الله عنه كان في السَّفر تحت ظل الشَّجر كما ورد في بعض طرق الحديث، والله أعلم.
(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَا هَذَا؟) وفي رواية النَّسائي (( ما بال صاحبكم هذا ) ) (فَقَالُوا) وفي رواية ابن عساكر بدون الفاء؛ أي قال بعض من حضر من الصَّحابة رضي الله عنهم (صَائِمٌ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ) واحتجَّ بعض أهل الظَّاهر بهذا الحديث وقالوا إذا لم يكن من البر فهو من الإثم، فدلَّ على أنَّ صوم رمضان في السَّفر لا يجزئ.
وأجاب العلماء عنه بأجوبة فقال بعضهم قد خرج على سبب وشخص معيَّن، فيقتصر عليه وعلى من كان في مثل حاله. وإلى هذا احتجَّ البخاري في ترجمته، فمعنى الحديث ليس من البر أن يبلغ الإنسان
ج 9 ص 391
بنفسه هذا المبلغ، والله قد رَخَّصَ في الفطر.
والدَّليل على صحَّة هذا التَّأويل صومه صلى الله عليه وسلم في السَّفر في شدَّة الحر، ولو كان إثمًا لكان أبعد النَّاس منه، وكذا قال الطَّبري بعد أن ساق نحو حديث الباب من رواية كعب بن عاصم الأشعري.
ولفظه سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في حرٍّ شديد، فإذا رجل من القوم قد دخل تحت ظلِّ شجرة وهو مضطجع كهيئة الوجِع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( ما لصاحبكم، أي وجع به؟ ) )قالوا ليس به وجع، ولكنَّه صائم، وقد اشتدَّ عليه الحر فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم حينئذٍ (( ليس البر أن تصوموا في السَّفر، عليكم برخصة الله التي رخَّص لكم ) )قال فكان قوله صلى الله عليه وسلم ذلك لمن كان في مثل تلك الحال.
وقال ابن دقيق العيد أُخِذ من هذه القصَّة أنَّ كراهة الصَّوم في السَّفر مختصَّة بمن هو في مثل هذه الحالة ممَّن يجهده الصَّوم ويشقُّ عليه، أو يؤدِّي إلى ترك ما هو أولى من الصَّوم من وجوه القرب فينزل قوله (( ليس من البر الصَّوم في السَّفر ) )على مثل هذه الحال.
وقال الطَّحاوي المراد بالبر هنا البر الكامل الذي هو أعلى مراتب البر، وليس المراد إخراج الصَّوم في السَّفر عن أن يكون برًا، وهو نظير قوله صلى الله عليه وسلم (( ليس المسكين من تردُّه التَّمرة والتَّمرتان، وإنَّما المسكين الذي لا يجد غنىً يغنيه، ويستحيي أن يسأل ولا يفطن له ) )أي المسكين الكامل المسكنة، وليس المراد أنَّه ليس من يرده التَّمرة والتَّمرتان مسكينًا، وليس من أهل الصَّدقة.
والحاصل أنَّ الفطر أفضل لمن اشتدَّ عليه الصَّوم وتضرَّر به، وكذلك من ظُنَّ به أنه أبى عن قبول الرُّخصة كما تقدَّم نظيره في المسح على الخفين [خ¦202] [خ¦206] .
وعليه حملوا ما رواه أحمد من طريق أبي طعمة قال قال رجل لابن عمر رضي الله عنهما إنِّي أقوى على الصَّوم في السَّفر، فقال له ابن عمر رضي الله عنهما من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة، فهو محمول على من رغب عن الرُّخصة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (( من رغب عن سنَّتي فليس مني ) ). وكذلك من خاف على نفسه العجب والرِّياء إذا صام في السَّفر فقد يكون الفطر له أفضل.
وقد أشار إلى ذلك ابن عمر رضي الله عنهما، فروى الطَّبراني من طريق مجاهد عنه قال إذا سافرت فلا تصم، فإنَّك إن تصم قال أصحابك اكفوا الصَّائم، ارفعوا للصَّائم، وقاموا بأمرك وقالوا فلان صائم؛ فلا تزال كذلك حتَّى يذهب أجرك، وقد يكون الإفطار أبرُّ من الصَّوم أيضًا إذا كان للتَّقوي على لقاء العدو مثلًا.
فقد أخرج مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكَّة ونحن صيام فنزلنا منزلًا فقال النَّبي
ج 9 ص 392
صلى الله عليه وسلم (( إنَّكم قد دنوتم من عدوِّكم والفطر أقوى لكم ) )، فكانت رخصة، فمنَّا من صام ومنَّا من أفطر، ثمَّ نزلنا منزلًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّكم مصبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا ) )فكانت عزيمة فأفطرنا، ثمَّ لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في السَّفر.
هذا؛ وقال القرطبي أي ليس من البر الواجب الذي من خالفه أَثِمَ، وقيل هذا التَّأويل إنَّما يحتاج إليه من قطع الحديث عن سببه وحمله على عمومه، وأمَّا من حمله على القاعدة الشَّرعية في رفع ما لا يطاق عن هذه الأمَّة فلا، وللمريض المقيم ومن أجهده الصَّومُ أن يفطرَ، فإن خاف على نفسه التَّلف عصى بصومه، وعلى هذا يحمل قوله صلى الله عليه وسلم (( أولئك العصاة ) )وأمَّا من كان على غير حال المظلل عليه من المسافرين فحكمه ما تقدَّم من التَّخيير.
فإن قلت روى النَّسائي من حديث أبي أميَّة الضَّمري، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ الله وضع عن المسافرِ الصِّيام ونصف الصَّلاة ) ).
وروى أيضًا من حديث عبد الله بن الشِّخِّير قال كنت مسافرًا فأتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو يأكل وأنا صائم فقال (( هلم ) )فقلت إنِّي صائم، قال (( أتدري ما وضع الله عن المسافر؟ ) )قلت وما وضع الله عن المسافر قال (( الصَّوم وشطر الصَّلاة ) ).
فالجواب أنَّه يجوز أن يكون ذلك الصِّيام الذي وضعه عنه هو الصِّيام الذي لا يكون له منه بد في تلك الأيَّام إذا كان مقيمًا، والله أعلم.
وحديث الباب أخرجه مسلم أيضًا في (( الصَّوم ) )، وكذا أبو داود والنَّسائي.