1959 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو عبد الله بن محمَّد بن أبي شيبة، نسب إلى جدِّه أبو بكر الكُوفي، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين، واسم أبي شيبة إبراهيم، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة اللَّيثي (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) بن الزُّبير بن العوَّام، وفي رواية أبي داود من وجه آخر عن ابن أسامة (( حدَّثنا هشام بن عروة ) ) (عَنْ) زوجته وابنة عمِّه (فَاطِمَةَ) بنت المنذر بن الزُّبير بن العوَّام (عَنْ) جدَّتها (أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ) وزاد في رواية ابن عساكر (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّها (قَالَتْ أَفْطَرْنَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ) وفي رواية أبي الوقت (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي على ذمَّته وأيَّام حياته (يَوْمَ غَيْمٍ) بنصب (( يوم ) )على الظرفيَّة، وفي رواية أبي داود وابن خزيمة (( في يوم غيم ) ) (ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمس. قِيلَ لِهِشَامٍ) هو ابن عروة، وفي رواية أبي داود (( قال أسامة قلت لهشام ) )وكذا أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» ، وأحمد في «مسنده» (فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟) أي من جهة الشَّارع.
(قَالَ بُدٌّ مِنْ قَضَاءٍ؟) أي هل بد من قضاء؟، فحذف حرف الاستفهام وهي مقدرة، والمعنى لابد من قضاء، ووقع في رواية أبي ذرٍّ (( لابدَّ من قضاء ) )وهذا هو مذهب الحنفيَّة والشَّافعية والمالكيَّة والحنابلة؛ يعني أنَّ من أفطر وهو يرى أنَّ الشَّمس قد غربت فإذا هي لم تغرب أمسك بقيَّة يومه؛ لحرمة الوقت وعليه القضاء ولا كفارة عليه، وبه قال ابن سيرين وسعيد بن جبير والأوازعي والثَّوري وإسحاق.
وحكى في «الرعاية» من كتب الحنابلة أنَّه لا قضاء على من جامع يعتقد ليلًا فبان نهارًا، لكن الصَّحيح من مذهبهم وجزم به الأكثر أنَّه يجب القضاء والكفَّارة.
وروي عن مجاهد وعطاء وعروة بن الزُّبير أنَّهم قالوا لا قضاء عليه، وجعلوه بمنزلة من أكل ناسيًا.
واختلف عن عمر رضي الله عنه فروى ابن أبي شيبة
ج 9 ص 432
وغيره من طريق زيد بن وهب عنه ترك القضاء، ولفظ معمر، عن الأعمش، عن زيد فقال عمر (( لم نقضي والله ما تجانفنا الإثم ) ). وسيأتي رواية البيهقي عنه، وعنه أنَّه قال من أكل فليقض يومًا مكانه. رواه الأثرم.
وروى مالك في «الموطَّأ» عن عمر رضي الله عنه فيه أنَّه قال لمَّا أفطر، ثمَّ طلعت الشَّمس الخطب يسير وقد اجتهدنا، وزاد عبد الرَّزَّاق في روايته من هذا الوجه نقضي يومًا.
وعن عمر رضي الله عنه أنَّه أفطر وأفطر النَّاس فصعد المؤذِّن ليؤذِّن فقال أيُّها النَّاس! هذه الشَّمس لم تغرب، فقال عمر رضي الله عنه من كان أفطر فليصم يومًا مكانه. وفي رواية أخرى عن عمر رضي الله عنه (( لا نبالي والله نقضي يومًا مكانه ) )رواهما البيهقي.
وقال البيهقي روى زيد بن وهب قال بينما نحن جلوس في مسجد المدينة في رمضان، والسَّماء متغيِّمة قد غابت الشَّمس، وإنا قد أمسينا فأخرجت لنا عساس من لبن من بيت حفصة رضي الله عنها فشرب [عمر] وشربنا، فلم نلبث أن ذهب السَّحاب وبدت الشَّمس فجعل بعضنا يقول لبعض نقضي يومنا هذا، فسمع عمر رضي الله عنه ذلك فقال والله لا نقضيه وما تجانفنا الإثم. وغلَّطوا زيد بن وهب في هذه الرِّواية المخالفة لبقيَّة الرِّوايات. وقال المنذري في هذه الرِّواية إرسال، ويعقوب بن سفيان كان يحمل على زيد بن وهب بهذه الرِّواية المخالفة لبقيَّة الرِّوايات، وزيد ثقة إلَّا أن الخطأ غير مأمون.
والعِسَاسُ _ بكسر العين المهملة وبسينين مهملتين _ جمع عُسٍّ _ بضم العين وتشديد السين _ وهو القدح، ومنهم من وفق فقال ترك القضاء إذا لم يعلم، ووقع الفطر على الشَّك، والقضاء فيما إذا وقع الفطر في النَّهار بغير شك وهو خلاف ظاهر الأثر.
وفي «المبسوط» في حديث عمر رضي الله عنه بعد ما أفطر وقد صعد المؤذِّن المئذنة قال الشَّمس يا أمير المؤمنين، قال بعثناك داعيًا ولم نبعثك راعيًا ما تجانفنا الإثم، وقضاء يوم علينا يسير.
وروى البيهقي أنَّ صهيبًا رضي الله عنه أفطر في رمضان في يوم غيم فطلعت الشَّمس فقال طعمة الله أتمُّوا
ج 9 ص 433
صومكم إلى اللَّيل، واقضوا يومًا مكانه، وجاء ترك القضاء عن الحسن وإسحاق وأحمد في رواية، واختار ابنُ خزيمة فقال قول هشام لا بدَّ من القضاء لم يسنده، ولا يتبيَّن عندي أنَّ عليهم قضاء، ويرجِّح الأوَّل أنَّه لو غم هلال رمضان فأصبحوا مفطرين، ثمَّ تبيَّن أنَّ ذلك اليوم من رمضان، فالقضاء واجب بالاتِّفاق فكذلك هذا.
وقال ابن التِّين لم يوجب مالك القضاء إذا كان في صوم نذر.
وفي «الأشراف» اختلفوا في الذي أكل وهو لا يعلم بطلوع الفجر، ثمَّ علم به فقالت طائفة يتمُّ صومه ويقضي يومًا مكانه، روي هذا القول عن محمَّد بن سيرين وسعيد بن جبير، وبه قال مالك والثَّوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشَّافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وحكي عن إسحاق أنَّه لا قضاء عليه، وأحب إلينا أن يقضيه.
(وَقَالَ مَعْمَرٌ) بسكون العين المهملة بين الميمين المفتوحتين، هو ابنُ راشد الأزدي الجذامي البصري (سَمِعْتُ هِشَامًا) هو ابنُ عروة يقول (لاَ أَدْرِي أَقْضَوْا) ذلك اليوم (أَمْ لاَ) وهذا التَّعليق وصله عبد بن حميد قال أنا عبد الرَّزَّاق أخبرنا معمر سمعت هشام بن عروة. فذكر الحديث وفي آخره فقال إنسان لهشام أقضوا أم لا؟ فقال لا أدري، وظاهر هذه الرِّواية يعارض التي قبلها، لكن يجمع بأنَّ جزمه بالقضاء محمولٌ على أنَّه استند فيه إلى دليل آخر. وأمَّا حديث أسماء رضي الله عنها فلا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيه.
وفي الحديث على ما قاله ابن المنيِّر في «الحاشية» إنَّ المكلَّفين إنَّما خوطبوا بالظَّاهر، فإذا اجتهدوا فأخطؤوا فلا حرجَ عليهم في ذلك. والحديث أخرجه أبو داود، وابن ماجه في الصَّوم أيضًا.