1968 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بالموحدة المفتوحة وبالشين المعجمة المشددة، العبدي البصري الملقَّب ببُندار؛ لأنَّه كان بندارًا في الحديث، والبُنْدار الحافظ، وهو شيخُ الجماعة، قال (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة وسكون الواو وفي آخره نون، أبو عون المخزوميُّ القرشيُّ، قال (حَدَّثَنَا أَبُو الْعُمَيْسِ) بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون التحتية وفي آخره سين مهملة، اسمه عتبة بن عبد الله بن مسعود، وقد مرَّ في زيادة الإيمان [خ¦45] .
(عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وإسكان التحتية (عَنْ أَبِيهِ) أبي جحيفة وهب بن عبد الله السَّوائي، أنَّه (قَالَ آَخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من المؤاخاة، وهي اتِّخاذ الأخوة بين الاثنين، يقال آخاه موآخاة وإخاء، وتآخيا على تفاعلا، وتأخَّيت إخاء؛ أي اتَّخذت أخًا (بَيْنَ سَلْمَانَ) هو ابنُ عبد الله الفارسي، ويقال له سلمان ابن الإسلام، وسلمان الخير، أصله من رامهرمز، وقيل من أصبهان، عاش فيما رواه أبو الشَّيخ في «طبقات الأصبهانيين» ثلاث مئة وخمسين سنة. ويقال إنَّه أدرك عيسى ابن مريم عليهما السَّلام، وقيل بل أدرك وصي عيسى، وكان أوَّل مشاهدة الخندق. وقال ابن عبد البر يقال إنَّه شهد بدرًا، ذكره القسطلاني.
(وَ) بين (أَبِي الدَّرْدَاءِ) عويمرًا وعامر بن قيس الأنصاري أول مشاهده أُحد رضي الله عنهما، وذكر أصحاب السِّير والمغازي أن المؤاخاة بين الصَّحابة رضي الله عنهم وقعت مرَّتين الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصَّة على المواساة والمناصرة، فكان من ذلك أخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطَّلب، ثمَّ آخى النَّبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجرَ وذلك بعد قدومه المدينة.
وسيأتي في أول كتاب البيع حديث
ج 9 ص 455
عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه [خ¦2048] لمَّا قدمنا المدينة آخى النَّبي صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الرَّبيع.
وذكر الواقدي أنَّ ذلك كان بعد قدومه صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر والمسجد يُبنَى، وقد سمَّى ابن إسحاق جماعة منهم أبو ذرٍّ والمنذر بن عَمرو، فأبو ذرٍّ مهاجري، والمنذر أنصاري رضي الله عنهما.
وأنكره الواقدي؛ لأنَّ أبا ذر رضي الله عنه ما كان قدم المدينة بَعْدُ، وإنَّما قدمها بعد سنة ثلاث. وذكر ابن إسحاق أيضًا الأخوَّة بين سلمان وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما كالذي هنا.
وتعقَّبه الواقدي أيضًا فيما حكاهُ ابن سعد بأنَّ سلمان رضي الله عنه إنَّما أسلم بعد وقعة أُحد، وأوَّل مشاهده الخندق.
والجواب عن ذلك كله أنَّ التَّاريخ المذكور للهجرة الثَّانية هو ابتداء الأخوة، ثمَّ كان صلى الله عليه وسلم يؤاخي بين من يأتي بعد ذلك وهلمَّ جرَّا، وليس بلازم أن تكون المؤاخاة دفعة واحدة حتَّى يرد هذا التعقُّب فصحَّ ما قاله ابن إسحاق، وأيَّده هذا الخبر الذي في الصَّحيح، وارتفع الإشكال بهذا التَّقرير، قاله الحافظ العسقلاني.
فإن قيل روى الواقدي عن الزُّهري أنَّه كان ينكر كل مؤاخاة وقعت بعد بدر، ويقول قطعت بدر المواريث، وسلمان رضي الله عنه إنَّما أسلم بعد وقعة أحد، وأوَّل مشاهده الخندق، كما مرَّ.
فالجواب أنَّ هذا لا يدفع المؤاخاة من أصلها، وإنَّما يدفع المؤاخاة المخصوصة التي كانت عقدت بينهم ليتوارثوا بها، فلمَّا نسخ التَّوارث المذكور لم تبق تلك المؤاخاة، ولا يلزم من ذلك أن لا تقع المؤاخاة بعد ذلك على المواساة، ومؤاخاة سلمان وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما إنَّما كانت على المواساة لا على التَّوارث.
وقد جاء ذكر المؤاخاة بينهما من طرق صحيحة غير هذه؛ فذكر البغوي في «معجم الصَّحابة» من طريق جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه قال آخى النَّبي صلى الله عليه وسلم بين أبي الدَّرداء وسلمان رضي الله عنهما، فذكر قصَّة لهما غير المذكورة هنا.
وروى ابن سعد من طريق حميد بن هلال قال أُوخي بين سلمان وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما، فنزل سلمان الكوفة، ونزل أبو الدَّرداء الشَّام. ورجاله ثقات.
(فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ) يعني في عهده صلى الله عليه
ج 9 ص 456
وسلم، وكان أبو الدَّرداء غائبًا (فَرَأَى) سلمان رضي الله عنه (أُمَّ الدَّرْدَاءِ) هي خَيرة _ بفتح الخاء المعجمة _ بنت أبي حدرد الأسلميَّة الصَّحابية بنت الصَّحابي، وحديثها عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في «مسند أحمد» وغيره، وماتت أمُّ الدَّرداء هذه قبل أبي الدَّرداء. ولأبي الدَّرداء أيضًا امرأة أخرى يقال لها أم الدَّرداء تابعيَّة اسمها هجيمة عاشت بعده دهرًا، وروت عنه، ويقال لها الصُّغرى، وللأولى الكبرى.
(مُتَبَذِّلَةً) بضم الميم وفتح المثناة الفوقية والموحدة وكسر المعجمة المشددة؛ أي لابسة ثياب البِذْلة _ بكسر الموحدة وسكون الذال المعجمة _ وهي المهنةُ وزنًا ومعنىً، والمراد أنَّها تاركة للبس ثياب الزِّينة. وفي رواية الكُشميهني بتقديم الموحدة والتخفيف، من الابتذال، ومعناهما واحدٌ.
ووقع في «الحلية» لأبي نُعيم في ترجمة سلمان رضي الله عنه بإسناد آخر إلى أمِّ الدَّرداء عن أبي الدَّرداء أنَّ سلمان دخل عليه فرأى امرأته رثَّة الهيئة، فذكر القصَّة مختصرة.
(فَقَالَ) سلمان رضي الله عنه (لَهَا مَا شَأْنُكِ) يا أمَّ الدَّرداء متبذلة؟ كما في رواية التِّرمذي في روايته عن محمَّد بن بشَّار (قَالَتْ أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا) وفي رواية الدَّارقطني من وجه آخر عن محمَّد بن عون (( في نساء الدُّنيا ) )، وزاد فيه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، عن جعفر بن عون (( يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل ) ).
(فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) رضي الله عنه، وزاد التِّرمذي (( فرحَّب بسلمان رضي الله عنه، وقرَّب إليه طعامًا ) ) (فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا) أي وقرَّبه إليه ليأكله (فَقَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء رضي الله عنهما (كُلْ، قَالَ) أي أبو الدَّرداء (إِنِّي صَائِمٌ) وفي رواية التِّرمذي (( فقال كل فإنِّي صائم ) )فعلى هذه الرِّواية فالقائل أبو الدَّرداء، والمقول له سلمان.
(قَالَ) سلمان لأبي الدَّرداء رضي الله عنهما (مَا أَنَا بِآكِلٍ) من طعامك (حَتَّى تَأْكُلَ) والحاصل أنَّ سلمان رضي الله عنه أبى أن يأكلَ من طعام أبي الدَّرداء حتَّى يأكل معه، وغرضه أن يصرفه عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة، وغير ذلك ممَّا شكته إليه امرأته (فَأَكَلَ) أبو الدَّرداء رضي الله عنه معه، ويروى يعني سلمان وأبا الدَّرداء رضي الله عنهما.
فإن قيل لم يذكر في هذا الحديث القسم من سلمان رضي الله عنه حتَّى تقع المطابقة بينه وبين التَّرجمة حيث قال من أقسم على أخيه.
فالجواب أنَّ في رواية البزَّار عن محمَّد بن بشار
ج 9 ص 457
شيخ البخاري فقال أقسمتُ عليك لتفطرنَّ، وكذا رواه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى، والدَّارقطني من طريق علي بن مسلم وغيره، والطَّبراني من طريق أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة، والعبَّاس بن عبد العظيم، وابن حبَّان من طريق أبي خيثمة كلهم عن جعفر بن عون به، فكأنَّ شيخ البخاري محمَّد بن بشار لمَّا حدث البخاري بهذا الحديث لم يذكر هذه الجملة، وبلغ البخاري ذلك من غيره فاستعمل هذه الزِّيادة في التَّرجمة مشيرًا إلى صحَّتها وإن لم تقع في روايته.
وقد ذكره البخاري في كتاب الأدب أيضًا [خ¦6139] عن محمَّد بن بشار بهذا الإسناد ولم يذكرها أيضًا، وأغنى ذلك عن قول ابن المنيَّر إنَّ القسم في هذا السِّياق مقدر قبل لفظ ما أنا بآكل، كما قدر في قوله تعالى {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم 71] .
وقد تعقَّبه صاحب «المصابيح» بأنَّه تقدير ما لا دليل عليه فلا يصار إليه، وأمَّا القضاء فلا تعرُّض له فيه، والأصل عدمه على تقدير عدم التعرُّض له، وقد أقرَّه الشَّارع، ولو كان القضاء واجبًا لبيَّنه مع حاجته إلى البيان، وبهذا يطابق الحديث التَّرجمة في قوله ولم ير عليه قضاء، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
(فَلَمَّا كَانَ اللَّيل) أي أوَّله، وفي رواية ابن خزيمة وغيره (( ثمَّ بات عنده فلمَّا كان اللَّيل ) ) (ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ) رضي الله عنه حال كونه (يَقُومُ) يعني يصلِّي، وقد روى الطَّبراني هذا الحديث من وجه آخر عن محمَّد بن سيرين مرسلًا فعيَّن اللَّيلة التي بات سلمان فيها عند أبي الدَّرداء ولفظه كان أبو الدَّرداء يحيي ليلة الجمعة ويصوم يومها.
(قَالَ) سلمان له (نَمْ) وفي رواية التِّرمذي وغيره (( فقال له سلمان نم ) )، وزاد ابن سعد من وجه آخر مرسلًا (( فقال أبو الدَّرداء تمنعني أن أصوم لربِّي وأصلِّي لربِّي ) ).
(فَنَامَ) أبو الدَّرداء (ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقَالَ) له سلمان (نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيل) أي عند السَّحر، وكذا هو في رواية ابن خزيمة، وعند التِّرمذي (( فلمَّا كان عند الصُّبح ) )، وفي رواية الدَّارقطني (( فلمَّا كان في وجه الصُّبح ) ).
(قَالَ) له (سَلْمَانُ قُمِ الآنَ) يعني وقت السَّحر، فقام أبو الدَّرداء وسلمان رضي الله عنهما فتوضَّآ (فَصَلَّيَا) وفي رواية الطَّبراني (( فقاما فتوضَّآ، ثمَّ ركعا، ثمَّ خرجا إلى الصَّلاة ) ).
(فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ
ج 9 ص 458
عَلَيْكَ حَقًّا، وَلأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) زاد التِّرمذي وابن خزيمة (( ولضيفك عليك حقًّا ) ) (فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ) بقطع همزة (( أعط ) )، وفي رواية الدَّارقطني (( فصم وأفطر، وصل ونم، وائت أهلك ) ).
(فَأَتَى) أبو الدَّرداء رضي الله عنه (النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي رواية التِّرمذي (( فأتيا ) )بالتثنية (فَذَكَرَ ذَلِكَ) أي ما ذكر من الأمور (لَهُ) أي للنَّبي صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ سَلْمَانُ) وفي رواية الدَّارقطني (( ثمَّ خرجا إلى الصَّلاة، فدنا أبو الدَّرداء ليخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بالذي قال له سلمان، فقال له يا أبا ذرٍّ! إنَّ لجسدك عليك حقًّا مثل ما قال سلمان ) )ففي هذه الرِّواية أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما بأنَّه علم بطريق الوحي ما دار بينهما.
وليس ذلك في رواية البخاري فيحتمل الجمع بين الأمرين بأنَّه كاشفهما بذلك أولًا، ثمَّ أطلعه أبو الدَّرداء على صورة الحال فقال له (( صدق سلمان ) ).
وزاد الطَّبراني في روايته عن محمَّد بن سيرين مرسلًا في آخر الحديث فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم لعويمر (( سلمان أفقه منك ) )انتهى.
وعويمر تصغير عامر اسم لأبي الدَّرداء رضي الله عنه، وفي رواية أبي نُعيم في «الحلية» فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لقد أوتي سلمان من العلم ) )، وفي رواية ابن سعد (( لقد أشبع سلمان علمًا رضي الله عنه ) ).
وفي الحديث فوائد
منها مشروعيَّة المؤاخاة في الله. ومنها زيارة الإخوان والمبيت عندهم. ومنها جواز مخاطبة الأجنبيَّة للحاجة. ومنها السُّؤال عمَّا يترتب عليه المصلحة وإن كان في الظَّاهر لا يتعلَّق بالسَّائل. ومنها النُّصح للمسلم وتنبيه من كان غافلًا. ومنها فضل قيام آخر اللَّيل. ومنها مشروعيَّة تزيين المرأة لزوجها. ومنها ثبوت حقِّ المرأة على الزَّوج في حسن العشرة، وقد يؤخذ منه ثبوت حقِّها في الوطء؛ لقوله (( ولأهلك عليك حقًّا ) ).
ومنها جواز النَّهي عن المستحبَّات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السَّآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الرَّاجح فعلها على فعل المستحب. ومنها أنَّ الوعيد الوارد على من نهى مصليًا عن الصَّلاة مخصوص بمن نهاه ظلمًا وعدوانًا.
ومنها كراهية الحمل على النَّفس في العبادة. ومنها النَّوم للتقوِّي على العبادة.
ج 9 ص 459
ومنها النَّهي عن الغلو في الدِّين. ومنها جواز الفطر من التطوُّع، كما ترجم له المؤلِّف رحمه الله.
ثمَّ إنَّ القضاء هل يجب عليه أم لا؟ اختلفوا فيه
فقال مجاهد وطاوس وعطاء والثَّوري والشَّافعي وأحمد وإسحاق إنَّ المتطوِّع بالصَّوم إذا أفطر بعذرٍ أو بغير عذرٍ لا قضاء عليه إلا أن يحبَّ هو أن يقضيه.
وروي ذلك عن سلمان وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما، لكن الأولى أن لا يفطر؛ لظاهر قوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] وللخروج من خلاف من أوجب إتمامه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، إلا بعذر كمساعدة ضيف في الأكل إذا عزَّ عليه امتناع مضيفه من الأكل أو عكسه فلا يكره الخروج منه، بل يستحبُّ؛ لحديث الباب مع زيادة التِّرمذي (( وإن لضيفك عليك حقًا ) )، أما إذا لم يعز على أحدهما امتناع الآخر من ذلك، فالأفضل عدم خروجه منه. ذكره في «المجموع» .
وإذا خرج منه لا يثاب على ما مضى؛ لأنَّ العبادة لم تتم، وحكي عن الشَّافعي أنَّه يثاب عليه وهو الوجه إن خرج منه بعذر، ويستحبُّ قضاؤه سواء خرج بعذر أم بغيره، ولا يجب.
وروى عبد الرَّزَّاق عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه ضرب لذلك مثلًا كمن ذهب بمال ليتصدَّق به، ثم رجع ولم يتصدَّق به أو تصدَّق ببعضه وأمسك بعضه، واحتجُّوا في عدم القضاء بحديث أمِّ هانئ رضي الله عنها أخرجه أحمد والتِّرمذي والنَّسائي عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب شرابًا. ويروى أنَّها دخلت على النَّبي صلى الله عليه وسلم وهي صائمة فدعا بشرابٍ فشرب، ثمَّ ناولها لتشرب فقالت إنِّي صائمة، ولكنِّي كرهت أن أردَّ سؤرك فقال (( إن كان من قضاء رمضان فاقضي يومًا مكانه، وإن كان تطوُّعًا فإن شئت فاقضي وإن شئت فلا تقضي ) )، ويروى ثمَّ ناولها فشربت، ثمَّ سألته عن ذلك فقال (( أكنت تقضين يومًا من رمضان؟ ) )قالت لا، قال (( فلا بأس ) )، وفي رواية (( إن كان من قضاء فصومي مكانه، وإن كان تطوعًا فإن شئت فاقضيه وإن شئت فلا تقضيه ) ).
وأخرجه الطَّحاوي من ثلاث طرق، وأخرج التِّرمذي قال ثنا محمود بن غيلان قال نا أبو داود قال أنا شعبة كنت أسمع سماك بن حرب يقول حدَّثني أحد بني أمِّ هانئ فلقيت أفضلهم، وكان اسمه جعدة فحدَّثني عن جدَّته أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بشرابٍ فشرب، ثمَّ ناولها فشربت، فقالت يا رسول الله! أما إنِّي كنت صائمة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( الصَّائم المتطوِّع أمير نفسه إن شاء صام، وإن شاء
ج 9 ص 460
أفطر )) . قال شعبة فقلتُ له أنت سمعتَ هذا من أمِّ هانئ؟ قال لا، أخبرني أبو صالح وأهلنا عن أمِّ هانئ. وروى حمَّاد بن سلمة هذا الحديث عن سماك فقال عن هارون ابن بنت أمِّ هانئ، ورواية شعبة أحسن. وقال التِّرمذي حديث أم هانئ في إسناده مقالٌ.
وقال العيني فيه اضطراب متنًا وإسنادًا. أمَّا الأوَّل فظاهر، وقد ذكر فيه أنَّه كان يوم الفتح وهي أسلمت عام الفتح، وكان الفتح في رمضان فكيف لا يلزمها قضاؤه.
وقال الذَّهبي في «مختصر سنن البيهقي» ولا أراه يصحُّ، فإنَّ يوم الفتح كان صومها فرضًا؛ لأنه من رمضان. وقال غيره وممَّا يوهن هذا الخبر أنَّها يوم الفتح فلا يجوز لها أن تكون متطوِّعة؛ لأنَّها كانت في شهر رمضان قطعًا.
وأمَّا اضطراب إسناده فإنَّه قد اختلف فيه على سماك فيه فتارة رواه عن أبي صالح، وتارةً عن جعدة، وتارةً عن هارون، وأمَّا أبو صالح فهو باذان، ويقال باذام ضعَّفوه. قال البيهقي ضعيفٌ لا يحتج بخبره، وقال في باب أصل القسامة أبو صالح عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ضعيف. وعن الكلبي قال لي أبو صالح كل ما حدَّثتك به كذب.
وفي «السُّنن الكبرى» للنَّسائي هو ضعيف الحديث، وعن حبيب بن أبي ثابت كنَّا نسمِّيه الدرويد وهو باللغة الفارسية الكذَّاب. وقال النَّسائي وقد روي أنَّه قال في مرضه كلُّ شيء حدَّثتكم به فهو كذب. وأمَّا جعدة فمجهول.
وقال النَّسائي لم يسمعه جعدة عن أمِّ هانئ، وأمَّا هارون فمجهول الحال، قاله ابن القطان، واختلف في نسبه فقيل ابن أم هانئ، وقيل ابن ابن هانئ، وقيل ابن ابنة أم هانئ، وقيل هذا وهم فإنَّه لا يعرف لها بنت.
وقال النَّسائي اختلف فيه على سمَّاك، وسمَّاك لا يعتمد عليه إذا انفرد بالحديث، وقد رواه النَّسائي وغيره من غير طريق سماك وليس فيه قوله (( فإن شئت فاقضيه، وإن شئت فلا تقضيه ) )، ولم يرو هذا اللَّفظ عن سمَّاك غير حمَّاد بن سلمة.
وأخرجه البيهقي من رواية حاتم بن أبي صعيرة وأبي عَوانة كلاهما عن سماك، وليس فيه هذا اللَّفظ.
وقالت المالكيَّة يجب القضاء في صوم النَّفل بالفطر إذا كان عمدًا حرامًا، فلا قضاء على من أفطر ناسيًا، ولا على من أفطر لعذر من مرض أو غيره، ولو شرع في صوم
ج 9 ص 461
نفل وجب إتمامه وحرم عليه الفطر من غير عذر، وقد نقل ابن التِّين عن مذهب مالك أنَّه لا يفطر لضيف نزل به، ولا لمن حلف عليه بالطَّلاق والعتاق، فإنَّه يحنثه ولا يفطر.
وكذا لو حلف هو بالله ليفطرنَّ، كفَّر عن يمينه ولا يفطر، فإن أفطر وجب عليه القضاء، إلا فيما فيه عقوق الوالدين أو الأستاذ وإن لم يحلفْ كلٌّ منها.
وفي حكايات أهل الطَّريق أنَّ بعض الشُّيوخ حضر دعوة فعرض الطَّعام على تلميذه فقال إنِّي على نذر، وأبى أن يأكلَ، فقال له الشَّيخ كل وأنا أضمن لك أجر سنة فأبى، فقال الشَّيخ دعوه فإنَّه سقط من عين الله نسأل الله العافية. وسيأتي من حديث أنس رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يفطر لمَّا زاد أم سليم وكان صائمًا تطوُّعًا [خ¦1982] .
وقال أبو حنيفة وصاحباه يجب عليه القضاء مطلقًا أفطر بعذر أو بغير عذرٍ، وهو قول الحسن البصري وسعيد بن جبير في قول. وروي ذلك أيضًا عن أبي بكر وعمر وعلي وابن عبَّاس وجابر بن عبد الله وعائشة وأمِّ سلمة رضي الله عنهم.
وقد صحَّ عن عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يفطر من صوم التطوُّع، وزاد بعضهم فيه فأكل، ثم قال لكن أصوم يومًا مكانه.
وفي «المبسوط» بعد الشُّروع في الصَّوم لا يباح له الإفطار بغير عذر عندنا فيكون بالإفطار جانيًا، فيلزمه القضاء، ولا خلاف أنه يباح له الإفطار بعذر.
واختلفت الرِّوايات في الضِّيافة، فروى هشام عن محمَّد أنَّه يبيح الفطر، وروى الحسن عن أبي حنيفة أنَّه لا يكون عذرًا.
وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف، عن أبي حنيفة أنَّه عذر وهو الأظهر، ويجب القضاء في الإفطار بعذر كان أو بغير عذر، وكان الإفطار بصنعه أو بغير صنعه كالصَّائمة تطوُّعًا إذا حاضت عليها القضاء في أصحِّ الرِّوايتين.
وفي «الفتاوى» دعي إلى طعام وهو صائم في النَّفل إن صنع لأجله فلا بأس بأن يفطر. وعن محمَّد إن دخل على أخ له فدعاه أفطر، وقيل إن تأذَّى بامتناعه أفطر. وعن الحسن أنَّه لا يفطر إلَّا بعذر.
وفي «المنتقى» له أن يفطر، قيل تأويله بعذر، وقيل قبل الزَّوال له أن يفطر وبعده لا يفطر، وفي القضاء وصوم الفرض لا يفطر، وعن محمَّد لا بأس به. وإن حلف غيره بطلاق امرأته أن يفطرَ قال نصير وخلف بن أيُّوب لا تفطر ودعه يحنث، وعن محمَّد لا بأس بأن يفطرَ وإن كان في قضاء.
وفي «المحيط» إن حلف بطلاق امرأته؛ يفطر في التطوُّع دون القضاء، وهو قول أبي اللَّيث. وفي المرغيناني الصَّحيح من المذهب أنَّ صاحب الدَّعوة إذا كان رضي بمجرَّد حضوره
ج 9 ص 462
لا يفطر. وقال الحلواني أحسن ما قيل فيه إن كان يثقُ من نفسه بالقضاء يفطرُ، وإلَّا فلا يفطر، وإن كان فيه أذىً لمسلم.
وفي «المأمونية» للحسن بن زياد إذا دعي إلى وليمة فليجب ولا يفطر في التطوُّع، فإن أقسم عليه أهل الوليمة فأفطر فلا بأس به، وإن كان يتأذَّى يفطر ويقضي، وبعد الزَّوال لا يفطر إلا إذا كان في تركه عقوق الوالدين أو أحدهما.
ومن حججهم في وجوب القضاء ما رواه التِّرمذي قال ثنا أحمد بن منيع ثنا كثير بن هشام ثنا جعفر بن برقان، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت أنا وحفصة صائمتين فعرض لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فبدرتني إليه حفصة وكانت ابنة أبيها، فقالت يا رسول الله! إنَّا كنَّا صائمتين، فعرض لنا طعام اشتهيناه فأكلنا منه فقال (( اقضيا يومًا مكانه ) ).
ورواه أبو داود والنَّسائي أيضًا من رواية يزيد بن الهاد عن زميل مولى عروة، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت أهديت لنا هدية فاشتهيناها فأفطرنا فقال (( لا عليكما، صوما مكانه يومًا آخر ) ).
وأخرجه النَّسائي أيضًا من رواية جعفر بن برقان، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها. وأخرجه أيضًا من رواية يحيى بن أيُّوب عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها.
قال يحيى بن أيُّوب وحدَّثني صالح بن كيسان ويحيى بن سعيد عن الزُّهري مثله. قال التِّرمذي ورواه ابن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر عن الزُّهري مثله. وأخرجه مالك وبيَّن في روايته أن صيامهما كان تطوُّعًا.
فإن قيل قال التِّرمذي ورواه مالك ومعمر وعبيد الله بن عمر وزياد بن سعد وغير واحد من الحفَّاظ عن الزُّهري عن عائشة رضي الله عنها مرسلًا.
وقال التِّرمذي في «العلل» سألت محمَّدًا _ يعني البخاري _ عن هذا الحديث فقال لا يصحُّ حديث الزُّهري عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها في هذا. وذكر ابن جريج أنَّه سأل الزُّهري عنه فقال لم أسمع من عروة في هذا شيئًا، ولكن سمعتُ من ناس غيره من بعض من سأل عائشة رضي الله عنها فذكره، ثمَّ أسنده كذلك.
وقال التِّرمذي وجعفر بن برقان ثقةٌ وربما يخطئ
ج 9 ص 463
في الشَّيء، وكذا قال محمَّد بن يحيى الذُّهلي لا يصح عن عروة.
وقال النَّسائي في «سننه» بعد أن رواه هذا خطأ. وقال ابن عيينة في «تهذيبه» سئل الزُّهري عنه أهو عن عروة؟ فقال لا.
وقال أبو عمر في «التمهيد» بعد ذكره هذا الحديث مدار حديث صالح بن كيسان ويحيى بن سعيد على يحيى بن أيُّوب وهو صالح، وإسماعيل بن إبراهيم وهو متروكُ الحديث، وجعفر بن برقان في الزُّهري ليس بشيءٍ، وسفيان بن حسين وصالح بن أبي الأخضر في حديثيهما خطأٌ كثير.
وقال الخلَّال اتَّفق الثِّقات على إرساله، وشذَّ من وصله، وقد رواه من لا يوثق به عن مالك موصولًا. ذكره الدَّارقطني في «غرائب مالك» .
فالجواب كما قاله العيني أنَّه قد وصله [آخرون فجعلوه] عن الزُّهري، عن عروة، عن عائشة وهم جعفر بن برقان وسفيان بن حسين ومحمَّد بن أبي حفصة وصالح بن أبي الأخضر وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وصالح بن كيسان ويحيى بن سعيد وحجَّاج بن أرطاة، وإذا دار الحديث بين الانقطاع والاتِّصال فطريق الاتِّصال أولى، وهو قول الأكثرين من المحدِّثين، وذلك لأن طريق الانقطاع ساكت عن الرَّاوي وحاله أصلًا، وفي طريق الاتِّصال بيان له، ولا معارضة بين السَّاكت والنَّاطق.
ولئن سلَّمنا أنه مرسل وأنَّ كونه مرسلًا أصح، فقد وافقه حديث متَّصل وهو حديث عائشة بنت طلحة رواه الطَّحاوي قال حدَّثنا المزني قال ثنا الشَّافعي قال ثنا سفيان، عن طلحة بن يحيى، عن عمَّته عائشة بنت طلحة، عن عائشة رضي الله عنها زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم قالت دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له يا رسول الله! إنَّا قد خبَّأنا لك حيسًا فقال (( أما إنِّي كنت أريد الصَّوم، ولكن قربيه سأصوم يومًا مكان ذلك ) ).
قال محمَّد هو ابن إدريس سمعت سفيان عامَّة مجالستي إيَّاه لا يذكر فيه (( سأصوم يومًا مكان ذلك ) )قال ثمَّ إنَّي عرضت عليه الحديث قبل أن يموت بسنة فأجاب فيه سأصوم يومًا مكان ذلك.
ورواه البيهقي في «سننه الكبرى» من طريق الطَّحاوي، وفي كتابه «المعرفة» أيضًا، ففي هذا الحديث ذكر وجوب القضاء، وفي حديث عائشة رضي الله عنها ما قد وافق ذلك.
ج 9 ص 464
قال العيني ثمَّ انظر إلى ذلك من العجب العجاب وهو أن أحمد قال هذا حديث قد رواه جماعة عن سفيان دون هذه اللَّفظة، ورواه جماعة عن طلحة بن يحيى دون اللَّفظة، منهم سفيان الثَّوري وشعبة بن الحجَّاج وعبد الواحد بن زياد ووكيع بن الجراح ويحيى بن سعيد القطَّان ويعلى بن عبيد وغيرهم. وأخرجه مسلم في «صحيحه» من حديث عبد الواحد وغيره دون هذه اللَّفظة.
وقال البيهقي في «السُّنن الكبير» رواية هؤلاء تدلُّ على خطأ هذه اللَّفظة، وهذا العجب العجاب منه أن يخطِّئ هاهنا إمامه الشَّافعي، ويخطِّئ مثل سفيان بن عيينة، والشَّافعيُّ إمام ثقة، روى هذه اللَّفظة من مثل سفيان الذي هو من أكبر مشايخه، ثمَّ لم يذكر خلافه عنه كيف يتلفَّظ بمثل هذا الكلام البشيع لأجل تضعيف ما احتجَّت به الحنفيَّة، وغمض عينيه من جهة الشَّافعي ومن جهة شيخه، وليس هذا من دأب العلماء الرَّاسخين فضلًا عن العلماء المقلِّدين.
وأمَّا قول البخاري والذُّهلي إنَّه لا يصح؛ فهو نفي، والإثبات مقدَّم عليه، وقول النَّسائي هذا خطأ؛ دعوى بلا إقامة برهان؛ لأنَّ كونه مرسلًا على زعمهم لا يستلزم كونه خطأ.
وقول أبي عمر فيه وهمان
أحدهما أنَّ قوله إنَّ مدار حديث يحيى بن سعيد على يحيى بن أيُّوب غفلة منه، فإنَّه هو بعد هذا بأسطر، رواه من رواية أبي خالد الأحمر عن يحيى بن سعيد وغيره عن الزُّهري عن عروة عن عائشة.
والثَّاني أنَّ قوله وإسماعيل بن إبراهيم متروك الحديث، قد انقلب عليه هذا الاسم، فظنَّ إسماعيل بن إبراهيم هو ابن أبي حبيبة، قال فيه أبو حاتم متروك الحديث، وليس هو الرَّاوي لهذا الحديث، بل الراوي هو إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة ابن أخي موسى بن عقبة، احتجَّ به البخاري. ووثَّقه ابن معين وأبو حاتم والنَّسائي.
لا يقال إنَّ في رواية أبي داود التي تقدَّمت زميل مولى عروة عن عروة. قال البخاري لا يصحُّ لزميل سماع من عروة، ولا ليزيد من زميل فلا تقوم به الحجَّة، لأنَّا نقول في «سنن النَّسائي» التَّصريح بسماع يزيد منه، وبسماع زميل من عروة، وقول البخاري لا يصح لزميل سماع من عروة نفي فيقدم عليه الإثبات.
وزميل هو ابن عيَّاش
ج 9 ص 465
أو ابن عبَّاس مولى عروة، قيل بضم الزاي وفتح الميم، وقيل بفتح الزاي وكسر الميم.
ولحديث عائشة رضي الله عنها طريق أخرى رواه النَّسائي عن أحمد بن عيسى، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة، عن عائشة رضي الله عنها الحديث، وفي آخره قال (( صوما يومًا مكانه ) ).
وأخرجه ابن حبَّان في «صحيحه» عن ابن قتيبة، عن حرملة، عن ابن وهب. وقال ابن عبد البرِّ في «التَّمهيد» وأحسن حديث في هذا الباب حديث ابن الهاد عن زميل عن عروة، وحديث جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة.
ومن حججهم في ذلك أيضًا ما أخرجه النَّسائي من رواية خطَّاب بن القاسم، عن خصيف، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم دخل على حفصة وعائشة رضي الله عنهما وهما صائمتان، ثمَّ خرج فرجع وهما تأكلان فقال (( ألم تكونا صائمتين؟ ) )قالتا بلى ولكن أهدي لنا هذا الطعام فأعجبنا فأكلنا منه، فقال (( صوما يومًا مكانه ) ).
فإن قيل قال النَّسائي وابن عبد البر هذا الحديث منكر؟.
فالجواب أنَّهما إنَّما قالا ذلك بسبب خطاب بن القاسم عن خصيف؛ لأنَّ فيهما مقالًا فيما قاله عبد الحق. وقال ابن القطَّان خطاب ثقةٌ، قاله ابن معين وأبو زرعة ولا أحفظ لغيرهما فيه ما يناقض ذلك، وقال أبو داود ويحيى بن معين وأبو زرعة والعجلي خصيف ثقة، وعن ابن معين صالح، وعنه ليس به بأس، وعن أحمد ليس بحجَّة.
ومن حججهم أيضًا ما رواه العقيلي في «تاريخ الضُّعفاء» من حديث محمَّد بن أبي سلمة، عن محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أهديت لعائشة وحفصة رضي الله عنهما هدية وهما صائمتان، فأكلتا منها، فذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( اقضيا يومًا مكانه ولا تعودوا ) )أورده في ترجمة محمَّد بن أبي سلمة المكِّي [وقال لا يتابع على حديثه] [1] .
ومنها ما رواه الدَّارقطني في «الأفراد» من رواية محمَّد بن حميد، عن الضَّحَّاك بن حمرة، عن منصور بن أبان، عن الحسن، عن أبيه، عن أمِّ سلمة رضي الله عنها أنَّها صامت يومًا تطوُّعًا فأفطرت فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقضيَ يومًا مكانه. فإن قيل قال الدَّارقطني تفرَّد به الضَّحاك عن منصور، والضَّحاك ليس بشيءٍ، قاله ابنُ معين ومحمَّد بن حميد
ج 9 ص 466
كذَّاب، قاله أبو زرعة.
فالجواب أنَّ الضَّحاك بن حُمرة _ بضم الحاء المهملة وبعد الميم راء _ الأملوكي الواسطي، ذكره ابن حبَّان في «الثِّقات» وإذا كان الضَّحاك ثقة؛ لا يروي عن كذَّاب.
ومنها ما رواه الدَّارقطني من حديث محمَّد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال صنع رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم طعامًا، فدعا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وأصحابًا له، فلمَّا أتى بالطَّعام تنحَّى أحدهم فقال له صلى الله عليه وسلم (( ما لك؟ ) )فقال إنِّي صائم، فقال صلى الله عليه وسلم (( تكلَّف لك أخوك وصنع طعامًا، ثمَّ تقول إنِّي صائم، كل وصم يومًا مكانه ) ).
وروى الطَّحاوي من حديث سعيدِ بن أبي الحسن، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه أخبر أصحابه أنَّه صام، ثمَّ خرج عليهم ورأسه تقطر فقالوا ألم تك صائمًا؟ قال بلى، ولكن مرَّت بي جارية لي فأعجبتني فأصبتها، وكانت حسنة فهممت بها وأنا قاضيها يومًا آخر.
وأخرج ابن حزم في «المحلَّى» من طريق وكيع، عن سيف بن سليمان المكِّي قال خرج عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه يومًا على الصَّحابة فقال إنِّي أصبحت صائمًا، فمرَّت بي جارية فوقعت عليها فما ترون؟ فقال له علي رضي الله عنه أصبت حلالًا وتقضي يومًا مكانه، قال له عمر رضي الله عنه أنت أحسنهم فتيا.
وروى ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن عثمان التَّيمي عن أنس بن سيرين أنَّه صام يوم عرفة فعطش عطشًا شديدًا فأفطر، فسأل عدَّة من أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فأمروه أن يقضيَ يومًا مكانه.
وقد احتجُّوا أيضًا بقوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] وبقوله تعالى {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد 27] فالآية سيقت في معرض ذمِّهم على عدم رعاية ما التزموه من القرب التي لم تكتب عليهم، فوجب صيانة ما شرع فيه عن الإبطال، فإذا أفطر وجب قضاؤه تفاديًا عن الإبطال.
وقال ابن عبد البر ومن احتجَّ في هذه المسألة بقوله {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] فهو جاهل بأقوال أهل العلم، فإنَّ الأكثر على أنَّ المراد بذلك النَّهي عن الرِّياء كأنَّه قال لا تبطلوا أعمالكم بالرِّياء، بل أخلصوها لله.
وقال آخرون
ج 9 ص 467
لا تبطلوا أعمالكم بارتكاب الكبائر، ولو كان المراد بذلك النَّهي عن إبطال ما لم يفرضه الله تعالى عليه، ولا أوجب على نفسه بنذر أو غيره لامتنع عليه الإفطار إلَّا بما يبيح الفطر من الصَّوم الواجب وهم يقولون بذلك. انتهى.
وقال العيني من أين لأبي عمر _ يعني ابن عبد البرِّ _ هذا الحصر، وقد اختلفوا في معناه فقيل لا تبطلوا الطَّاعات بالكبائر، وقيل لا تبطلوا أعمالكم بمعصيةِ الله ومعصية رسوله. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما لا تبطلوها بالرِّياء والسُّمعة، وعنه بالشَّك والنِّفاق. وقيل بالعجب، فإنَّ العجب يأكل الحسنات كما تأكل النَّار الحطب، وقيل لا تبطلوا صدقاتكم بالمنِّ والأذى.
على أنَّ قوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] عامٌّ يتناول كلَّ من يبطل عمله سواء كان في صوم أو في صلاة أو نحوهما من الأعمال المشروعة، فإذا نهى عن إبطاله يجب عليه قضاؤه ليخرج عن عهدةِ ما شرع فيه وأبطله.
هذا؛ وقد شبَّهه بعض الحنفيَّة بمن أفسد حجَّ التطوُّع فإنَّ عليه قضاءَه اتِّفاقًا، وتعقِّب بأنَّ الحج امتاز بأحكام لا يقاس غيره عليه فيها، فمن ذلك أنَّ الحج يؤمر مفسده بالمضيِّ في فاسده، والصَّائم لا يؤمر مفسده بالمضيِّ فيه فافترقا، ولأنَّه قياس في مقابلة النَّص فلا يعتبر به.
هذا؛ وأنت خبير بضعف هذا التعقُّب، فإنَّ في وجوب القضاء أيضًا نصًّا كما عرفت، فافهم.
وقال ابن المنيِّر من المالكيَّة في «الحاشية» ليس في تحريم الأكل في صورة النَّفل من غير عذر إلَّا الأدلَّة العامَّة كقوله تعالى {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} [محمد 33] إلَّا أنَّ الخاص يقدم على العامِّ كحديث سلمان رضي الله عنه ونحوه، وقول المهلب إنَّ أبا الدَّرداء رضي الله عنه أفطر متأوِّلًا ومجتهدًا فيكون معذورًا فلا قضاء عليه لا ينطبق على مذهب مالك، كما نقل ابن التِّين عنه، وقد مرَّ، فلو أفطر أحد بمثل عذر أبي الدَّرداء عنده لوجب عليه القضاء، والله أعلم.
والحديث أخرجه المؤلِّف في الأدب أيضًا [خ¦6139] ، وكذا التِّرمذي.
[1] ما بين معقوفين من العمدة.