1975 - (حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ) وفي رواية أبي الوقت أي المروزي المجاور بمكَّة، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن المبارك المروزي، قال (أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ) بالزاي، عبد الرَّحمن بن عمرو (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد أيضًا (سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد كذلك (أَبُو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَبْدَ اللَّهِ! أَلَمْ أُخْبَرْ) بضم الهمزة وسكون المعجمة وفتح الموحدة على البناء للمفعول والهمزة في (( ألم ) )للاستفهام (أَنَّكَ تَصُومُ النَّهار وَتَقُومُ اللَّيل؟! فَقُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ) زاد مسلم من رواية عكرمة بن عمَّار عن يحيى (( فقلت بلى يا نبيَّ الله، ولم أرد بذلك إلَّا الخير ) ).
وفي الباب الذي يليه أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنِّي أقول والله لأصومنَّ النَّهار، ولأقومنَّ اللَّيل ما عشت [خ¦1976] . وفي رواية النَّسائي من طريق محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة قال لي عبد الله بن عمرو يا ابن أخي! إنِّي قد كنت أجمعت على أن أجتهدَ اجتهادًا شديدًا حتَّى قلت لأصومنَّ الدَّهر، ولأقرأنَّ القرآن في كلِّ ليلةٍ.
ويأتي في فضائل القرآن [خ¦5052] من طريق
ج 9 ص 483
مجاهد، عن عبد الله بن عمرو قال أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهدها فيسألها عن بعلها، فقالت نعم الرَّجل من رجلٍ لم يطأْ لنا فراشًا، ولم يفتِّش لنا كنفًا منذ أتيناه، فذكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال لي القَنِي، فلقيته بعد، فذكر الحديث.
وزاد النَّسائي وابن خزيمة وسعيد بن منصور من طريق أخرى عن مجاهد فوقع عليَّ أبي، فقال زوَّجتُكَ امرأة فعضلتها، وفعلت وفعلت قال فلم ألتفت إلى ذلك لما كانت لي من القوَّة، فذكر ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال لي (( القَني به، فأتيتُه معه ) ).
ولأحمد من هذا الوجه (( ثمَّ انطلق إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فشكاني ) )، وسيأتي بعد أبواب [خ¦1980] من طريق أبي المليح عن عبد الله بن عمرو قال ذكر للنَّبي صلى الله عليه وسلم صومي فدخل عليَّ فألقيت له وسادة. ويأتي بعد أبواب [خ¦1977] من طريق أبي العبَّاس عن عبد الله بن عمرو بلغ النَّبي صلى الله عليه وسلم أنِّي أسرد الصَّوم، وأصلِّي اللَّيل فإما أرسل إلي وإما لقيته.
ويجمع بينهما بأن يكون عمرو توجه بابنه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فكلَّمه من غير أن يستوعب ما يريد من ذلك، ثمَّ أتاه إلى بيته زيادة في التأكيد.
(قَالَ فَلا) وفي رواية ابن عساكر (تَفْعَلْ) زاد البخاري بعد بابين [خ¦1979] (( فإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ) ).
وقد تقدَّم تفسيره في كتاب التهجد [خ¦1153] ، وسيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى [خ¦1979] ، وزاد في رواية ابن خزيمة من طريق حصين عن مجاهد (( إنَّ لكلِّ عامل شِرَّة _ بكسر المعجمة وتشديد الراء_، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سُنَّتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك ) ).
(صُمْ وَأَفْطِرْ) بهمزة قطع (وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) بأن ترعاه وترفق به، ولا تضرُّه حتَّى تقعد عن القيام بالفرائض ونحوها، وقد ذمَّ الله تعالى قومًا أكثروا من العبادة، ثمَّ تركوها في قوله تعالى {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} إلى قوله {فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد 27]
(وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) هكذا في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره بالتثنية (وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا) في الوطء (وَإِنَّ لِزَوْرِكَ) أي ضيفك (عَلَيْكَ حَقًّا) أي في البسط والمؤانسة وغيرهما، زاد مسلم من طريق حسين المعلم عن يحيى (( وإن لولدك عليك حقًّا ) ). وزاد النَّسائي من طريق إسماعيل عن يحيى
ج 9 ص 484
(( وإنَّه عسى أن يطولَ بك عمر ) )وفيه إشارة إلى ما وقع لعبد الله بن عمرو بعد ذلك من الكبر والضَّعف كما سيأتي.
(وَإِنَّ بِحَسْبِكَ) بسكون السين المهملة، وفي اليونينية بفتحها. قال البرماوي كالزَّركشي بفتح السين وحكي إسكانها والباء زائدة، ويأتي في الأدب من طريق حسين المعلم عن يحيى بلفظ [خ¦6134] (( وإن من حسبك ) )أي كافيك (أَنْ تَصُومَ كُلَّ شَهْرٍ) وفي رواية الكشميهني (ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ) وقوله (( أن تصوم ) )في محلِّ رفع خبر أن.
قال في «المصابيح» وينبغي أن يكون هذا الإعراب متعينًا، ويؤخذ منه صحَّة ما ذهب إليه ابن مالك في قولك (( بحسبك زيد ) )أنَّ (( حسبك ) )مبتدأ و (( زيد ) )خبر، وأنَّه من باب الإخبار بالمعرفة عن النَّكرة؛ لأنَّ (( حسبك ) )لا يتعرَّف بالإضافة.
(فَإِنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أَمْثَالِهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ) وفي رواية أبي ذرٍّ وأبي الوقت وابن عساكر بالنون في الفرع وأصله، وفي غيرهما بالألف منونة وعليه الجمهور ورسم المصحف، وقال بالأوَّل المازني والمبرِّد. وقال الفرَّاء إن أُعملَت كتبت بالألف وإلَّا كتبت بالنون للفرق بينها وبين إذا، وتبعه ابن خروف. قال في «القاموس» ويحذفون الهمزة فيقولون ذن، والأكثر أن يكون جوابًا لـ (( أنْ ) )أو (( لو ) )ظاهرتين أو مقدَّرتين، والمقدر هنا إن؛ أي إن صمتها فإذن ذلك صوم الدَّهر.
وقال الحافظ العسقلاني وروي بغير تنوين بلفظ إذا، للمفاجأة وفي توجيهها هنا تكلُّف. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه لا تكلُّف أصلًا، فإن عاملها فعل مقدَّر مشتق من المفاجأة تقديره إن صمت ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر فاجأت صيام الدَّهر كله كما في قوله تعالى {ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ} [الروم 25] الآيةَ، تقديره ثمَّ إذا دعاكم فاجأتم الخروج في ذلك الوقت.
قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (فَشَدَّدْتُ) أي على نفسي (فَشُدِّدَ عَلَيَّ) على البناء للمفعول (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ) بيان لقوله شددت (إِنِّي أَجِدُ قُوَّةً) أي على أكثر من ذلك (قَالَ) صلى الله عليه وسلم إن كنت تجد قوَّة (فَصُمْ صِيَامَ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَلاَ تَزِدْ عَلَيْهِ، قُلْتُ وَمَا كَانَ صِيَامُ نَبِيِّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ؟ قَالَ) صلى الله عليه وسلم كان صيام (نِصْفَ) صوم (الدَّهْرِ) وهو أن يصوم
ج 9 ص 485
يومًا ويفطر يومًا، زاد أحمد وغيره في رواية مجاهد قلت قد قبلت.
(وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) بن عَمرو بن العاص (يَقُولُ بَعْدَ مَا كَبِرَ) بكسر الموحدة، من باب علم يعلمُ من جهة السنِّ، وأمَّا كبُر بالضم من باب حسُن، فهو بمعنى عظم (يَا لَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال النَّووي معناه أنَّه كبر وعجزَ عن المحافظة على ما التزمه ووظَّفه على نفسه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشقَّ عليه فعله لعجزه، ولم يعجبْه أن يتركه؛ لالتزامه له، فتمنَّى أن لو قبل الرُّخصة فأخذ بالأخف.
قال الحافظ العسقلاني ومع عجزه وتمنِّيه الأخذ بالرُّخصة لم يترك العمل بما التزمه، بل صار يتعاطى فيه نوع تخفيف، كما في رواية حصين، فكان عبد الله حين صغر وكبر يصوم تلك الأيَّام يصل بعضها إلى بعض، ثمَّ يفطر بعد ذلك الأيَّام فيقوى بذلك وكان يقول لأن أكون قبلت الرُّخصة أحبُّ إلي ممَّا عدل به، لكنِّي فارقته على أمر أكره أن أخالفَه إلى غيره رضي الله عنه.
تكميل واعلم أنَّ في هذه الرِّواية اختصارًا، فإنَّ في رواية حسين المعلم عند مسلم (( فصم من كلِّ جمعة ثلاثة أيَّام ) )، ويأتي في الباب بعده (( فصم يومًا وأفطر يومين ) ) [خ¦1976] . وفي رواية أبي المليح [خ¦1980] (( يكفيك من كلِّ شهر ثلاثة أيَّام، قلت يا رسول الله، قال خمسًا، قلت يا رسول الله، قال سبعًا، قلت يا رسول الله، قال تسعًا، قلت يا رسول الله، قال إحدى عشرة ) ).
واستدلَّ به القاضي عياض على تقديم الوتر في جميع الأمور.
وتعقِّب بما في رواية مسلم من طريق أبي عياض، عن عبد الله بن عمرو (( صم يومًا _ يعني من كلِّ عشرة أيَّام _ ولك أجر ما بقي، قال إنِّي أطيق أكثر من ذلك، قال صم ثلاثة أيَّام ولك أجر ما بقي، قال إنِّي أطيق أكثر من ذلك قال صم أربعة أيَّام ولك أجر ما بقي، قال إنِّي أطيقُ أكثر من ذلك، قال صُم صوم داود عليه السَّلام ) ).
وهذا يقتضي أنَّه أمره بصيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر ثمَّ بستة ثمَّ بتسعة ثمَّ باثني عشر ثمَّ بخمسة عشر، فالظَّاهر أنَّه أمره بالاقتصار على ثلاثة أيَّام من كل شهر، فلمَّا قال إنَّه يطيق أكثر من ذلك زاده بالتَّدريج إلى أن وصل إلى خمسة عشر يومًا، فذكر بعض من رواه عنه ما لم يذكره الآخر، ويدل على ذلك رواية عطاء بن السَّائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عند أبي داود فلم يزل يناقصني وأناقصه.
ج 9 ص 486
ووقع للنَّسائي في رواية محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة (( صُم الإثنين والخميس من كلِّ جمعة ) )وهو فرد من أفراد ما تقدَّم ذكره.
وقد استُشكل قوله (( صم من كلِّ عشرة أيَّام يومًا ولك أجر ما بقي ) )مع قوله (( صم من كلِّ عشرة أيَّام يومين [1] ولك أجر ما بقي ) )... إلى آخره؛ لأنه يقتضي الزِّيادة في العمل والنَّقص من الأجر، وبذلك ترجم له النَّسائي.
وأجيب بأنَّ المراد لك أجر ما بقي بالنِّسبة إلى التَّضعيف.
قال القاضي عياض قال بعضُهم معنى (( صم يومًا ولك أجر ما بقي ) )؛ أي من العشرين وفي الثَّلاثة ما بقي من الشَّهر، وحمله على ذلك استبعاد كثرة العمل وقلَّة الأجر.
وتعقَّبه القاضي عياض بأنَّ الأجر إنَّما اتَّحد في كلِّ ذلك؛ لأنه كان نيَّته أن يصوم جميع الشَّهر، فلمَّا منعه صلى الله عليه وسلم من ذلك إبقاء عليه لما ذكر بقي أجر نيَّته على حاله سواء صام منه قليلًا أو كثيرًا، كما تأوَّله في حديث (( نيَّة المؤمن خير من عمله ) )أي أنَّ أجره في نيَّته أكثر من أجر عمله؛ لامتداد نيَّته بما لا يقدر على عمله. انتهى.
والحديث المذكور [2] ضعيفٌ، وهو في «مسند الشهاب» والتَّأويل المذكور لا بأس به. ويحتمل أيضًا إجراء الحديث على ظاهره، والسَّبب فيه أنَّه كلَّما ازداد من الصَّوم ازداد من المشقَّة الحاصلة من العبادات التي قد يفوتها مشقَّة الصَّوم، فينقص الأجر باعتبار ذلك.
على أنَّ قوله في نفس الخبر (( صم أربعة أيَّام ولك أجر ما بقي ) )يردُّ الحمل الأوَّل، فإنَّه يلزم منه على سياق التَّأويل المذكور أن يكون التَّقدير ولك أجر أربعين، وقد قيَّده في نفس الحديث بالشَّهر، والشَّهر لا يكون أربعين.
وكذلك قوله في رواية أخرى للنَّسائي من طريق ابن أبي ربيعة، عن عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما بلفظ (( صم من كلِّ عشرة أيَّام ولك أجر تلك التسعة ) )ثمَّ قال فيه (( من كلِّ تسعة أيَّام يومًا ولك أجر تلك الثَّمانية ) )ثمَّ قال (( من كلِّ ثمانية أيَّام يومًا ولك أجر السَّبعة ) )قال فلم يزل حتَّى قال (( صم يومًا وأفطر يومًا ) ).
وله من طريق شعيب بن محمَّد بن عبد الله بن عَمرو عن جدِّه بلفظ (( صم يومًا ولك أجر غيره ) )قلت زدني، قال (( صم يومين ولك أجر تسعة ) )قلت زدني، قال (( صم ثلاثة ولك أجر ثمانية ) )، فهذا يدفع في صدر ذلك التَّأويل الأول، والله أعلم.
ج 9 ص 487
[1] سبق ذكرها ثلاثة أيام.
[2] في هامش الأصل قوله والحديث المذكور؛ يعني نية المؤمن خير من عمله. منه.