فهرس الكتاب

الصفحة 3098 من 11127

1977 - (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ) ابن بحر بن كثير الباهلي أبو حفص البصري الصَّيرفي الفلاس الحافظ، قال (أَخْبَرَنَا) وفي رواية ابن عساكر (أَبُو عَاصِمٍ) النَّبيل الضَّحاك بن مخلد، وهو من شيوخ البخاري الذي أكثر عنهم، وربَّما روي عنه بواسطةٍ ما فاته منه كما في هذا الموضع، وكأنَّه اختار النُّزول من طريقه هذه؛ لوقوع التَّصريح فيها بسماع ابن جريج من عطاء.

(عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ) عبد الملك بن عبد العزيز المكِّي، قال (سَمِعْتُ عَطَاءً) هو ابنُ أبي رباح المكِّي (أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ) بالموحدة والسين، اسمه السَّائب بن فروخ الأعمى المكِّي (الشَّاعِرَ) وقد مرَّ في باب مجرَّد عن التَّرجمة عقيب باب ما يكره من ترك قيام اللَّيل [خ¦1153] ، وفيه قطعة من هذا الحديث.

(أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) يقول (بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي من أبيه عمرو بن العاص رضي الله عنه والد عبد الله رضي الله عنه كما سبق [خ¦1975] (أَنِّي أَسْرُدُ الصَّوْمَ) بضم الراء؛ أي أصوم متتابعًا ولا أفطر بالنَّهار (وَأُصَلِّي اللَّيل) أي كلَّه (فَإِمَّا أَرْسَلَ) صلى الله عليه وسلم (إِلَيَّ) يعني لما بلَّغه أبوه قصَّته (وَإِمَّا لَقِيتُهُ) صلى الله عليه وسلم من غير إرسال.

(فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (أَلَمْ أُخْبَرْ) على البناء للمفعول (أَنَّكَ تَصُومُ وَلاَ تُفْطِرُ، وَتُصَلِّي) وفي رواية مسلم من وجه آخر عن ابن جريج (( وتصلِّي اللَّيل فلا تفعل ) ) (فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِعَيْنِكَ) بالإفراد في رواية السَّرخسي والكشميهني، وفي رواية غيرهما بالتثنية (عَلَيْكَ حَظًّا) بالظاء المعجمة؛ أي نصيبًا من النَّوم، كذا هو في الموضعين، وكذا وقع في رواية مسلم، وعند الإسماعيلي (( حقًا ) )بالقاف (وَإِنَّ لِنَفْسِكَ وَأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَظًّا) وحقُّ النَّفس الرِّفق بها، وحقُّ الأهل القيام بنفقتهم وغيرها، فلا يدأب المرء نفسه بحيث يضعف عن القيام بما يجب عليه من الحقوق، وعند مسلم وكذا عند الإسماعيلي من الزِّيادة (( وصم من كلِّ عشرة أيَّام يومًا، ولك أجر التِّسعة ) ).

(قَالَ) أي عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (إِنِّي لأَقْوَى)

ج 9 ص 490

بلفظ المتكلم من المضارع (لِذَلِكَ) أي لسرد الصَّوم دائمًا، وفي رواية ابن عساكر بإسقاط حرف الجر، ويروى وفي رواية مسلم (( إنِّي أجدني أقوى من ذلك يا نبيَّ الله ) ).

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (فَصُمْ صِيَامَ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، قَالَ) عبد الله رضي الله عنه يا رسول الله (وَكَيْفَ؟) أي كيف صام داود عليه السَّلام؟ وفي رواية مسلم قال (( وكيف كان داود يصوم يا نبيَّ الله؟ ) ) (قَالَ) صلى الله عليه وسلم (كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَلاَ يَفِرُّ) أي لا يهرب (إِذَا لاَقَى) العدو، وزاد النَّسائي من طريق محمَّد بن إبراهيم عن أبي سلمة (( وإذا وعد لم يخلف ) )ولهذه الزِّيادة مناسبة بالمقام من حيث إنَّ سبب النَّهي خشية أن يعجزَ عن الذي يلزمه، فيكون كمن وعد فأخلف، كما أنَّ في قوله (( ولا يفرُّ إذا لاقى ) )، إشارة إلى حكمة صوم يوم وإفطار يوم، فإنَّ الصَّوم على هذا الوجه لا ينهك البدن بحيث يضعف عن لقاء العدو، بل يستعان بفطر يوم على صيام يوم فلا يضعف عن الجهاد وغيره من الحقوق.

وقال الخطَّابي محصل قصَّة عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ الله تعالى لم يتعبَّد عبده بالصَّوم خاصَّة، بل تعبده بأنواع من العبادات، فلو استفرغ جهده بالصَّوم لقصر في غيره، فالأَولى الاقتصاد فيه ليستبقي بعض القوَّة لغيره، وقد أشير إلى ذلك بقوله عليه صلى الله عليه وسلم في داود عليه السَّلام (( وكان لا يفر إذا لاقى ) )لأنه كان يتقوَّى بالفطر لأجل الجهاد.

(قَالَ) عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (مَنْ لِي بِهَذِهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ) أي من يتكفَّل لي بهذه الخصلة التي لداود عليه السَّلام لا سيَّما عدم الفرار حتَّى أترك صوم الدَّهر لهذه، (قَالَ عَطَاءٌ) هو ابن أبي رباح بالإسناد المذكور (لاَ أَدْرِي كَيْفَ ذَكَرَ) بفتحات (صِيَامَ الأَبَدِ) أي لا أحفظ كيف جاء ذكر صيام الأبد في هذه القصَّة إلَّا أنِّي أحفظ أنَّ فيها (قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ صَامَ مَنْ صَامَ الأَبَدَ، مَرَّتَيْنِ) يعني قالها مرَّتين.

وقد روى النَّسائي وأحمد هذه الجملة

ج 9 ص 491

وحدها من طرق عن عطاء، وفي رواية مسلم (( قال عطاء فلا أدري كيف ذكر صيام الأبد ) )؟ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد ) ).

قال الكرماني فإن قيل كيف يكون ذلك وقد صام من صامه؟.

فالجواب أنَّه مستلزم لصوم يومي العيد وأيَّام التَّشريق وهو حرام. انتهى.

وقال ابن التِّين استُدلَّ على كراهة صوم الدَّهر من هذه القصَّة من أوجه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الزِّيادة وأمره بأن يصوم ويفطر، وقولِه صلى الله عليه وسلم (( لا أفضل من ذلك ) )ودعائه صلى الله عليم وسلم على من صام الأبد.

وقيل معنى قوله لا صام، النَّفي؛ أي ما صام، كقوله تعالى {فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى} [القيامة 31] وقوله في حديث أبي قتادة عند مسلم وقد سئل عن صوم الدَّهر مطلقًا (( لا صام ولا أفطر أو ما صام وما أفطر ) ). وفي رواية التِّرمذي (( لم يصم ولم يفطر ) )وهو شكٌّ من أحد رواته، ومقتضاه أنَّهما بمعنىً واحد، ومعنى النفي أنَّه لم يحصل أجر الصَّوم لمخالفته، ولم يفطر؛ لأنه أمسك، وإلى كراهة صوم الدَّهر مطلقًا ذهب إسحاق وأهل الظَّاهر؛ لظاهر أحاديث النَّهي عن ذلك، وهي رواية عن أحمد، وشذَّ ابن حزم فقال يحرم.

وروى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح عن أبي عمرو الشَّيباني قال بلغ عمر رضي الله عنه أنَّ رجلًا يصوم الدَّهر، فأتاه فعلاه بالدِّرة وجعل يقول كل يا دهر.

ومن طريق أبي إسحاق أنَّ عبد الرَّحمن بن أبي نُعيم كان يصوم الدَّهر، فقال عَمرو بن ميمون لو رأى هذا أصحابُ محمَّد صلى الله عليه وسلم لرجموه، واحتجُّوا أيضًا بحديث أبي موسى رفعه (( من صام الدَّهر ضيقت عليه جهنم، وعقد بيده ) )أخرجه أحمد والنَّسائي وابن خزيمة وابن حبَّان والبيهقي، وظاهره أنَّها تضيق عليه حصرًا له فيها لتشديده على نفسه، وحمله عليها، ورغبته عن سنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، واعتقاده أنَّ غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشَّديد فيكون حرامًا.

وإلى كراهته مطلقًا أيضًا ذهب ابن العربي من المالكيَّة فقال قوله (( لا صام من صام الأبد ) )، إن كان معناه الدُّعاء فيا ويح من أصابه دعاء النَّبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان معناه الخبر فيا ويح من أخبر عنه النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه لم يصم، وإذا لم يصم شرعًا لم يكتب له ثواب؛ لوجوب الصِّدق

ج 9 ص 492

في خبره صلى الله عليه وسلم حيث نفى الصَّوم عنه، وقد نفى الفضل عنه، فكيف يطلب الفضل فيما نفاه صلى الله عليه وسلم؟!

وذهب جمهور العلماء إلى جواز صيام الدَّهر إذا لم يصم الأيَّامَ المنهيَّ عنها؛ كالعيدين وأيَّام التَّشريق، وهو مذهب الشَّافعي أيضًا من غير كراهة، بل هو مستحبٌّ، وحملوا أخبار النَّهي على من صامه حقيقة، فإنَّه يدخل فيه ما حرم صومه كالعيدين، وهذا اختيار ابن المنذر وطائفة. وروي عن عائشة رضي الله عنها نحوه.

وقال التِّرمذي إنَّما يكون صام الدَّهر إذا لم يفطر يوم الفطر ويوم النَّحر وأيَّام التشريق، فمن أفطر في هذه الأيَّام فقد خرج من حيِّز الكراهة، ولا يكون قد صام الدَّهر كله، ثمَّ قال هكذا روي عن مالك وهو قول الشَّافعي. انتهى.

قال الحافظُ العسقلاني وفيه _ أي في هذا الوجه _ نظر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد قال جوابًا لمن سأله عن صوم الدَّهر (( لا صام ولا أفطر ) )وهو مؤذن بأنه ما أجر ولا أثم، ومن صام الأيَّام المحرمة لا يقال فيه ذلك لأنَّه عند من أجاز صوم الدَّهر إلا الأيَّام المحرمة يكون قد فعل مستحبًّا وحرامًا.

وأيضًا فإن أيَّام التحريم مستثناة بالشَّرع غير قابلة للصَّوم شرعًا، فهي بمنزلة اللَّيل وأيَّام الحيض فلم تدخل في السُّؤال عند من علم تحريمها، ولا يصلح الجواب بقوله لا صام ولا أفطر، لمن لم يعلم تحريمها.

وأجابوا أيضًا بأنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( لا صام من صام الأبد ) )محمول على من تضرَّر به أو فوَّت به حقًّا، ويؤيِّده أنَّ النهي كان خطابًا لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.

وقد ذكر مسلم عنه أنَّه عجز في آخر عمره وندم على كونه لم يقبل الرُّخصة، وقد تقدَّم عن البخاري أيضًا [خ¦1975] ، وأجابوا أيضًا بأنَّ معناه الإخبار عن كونه لم يجد مشقَّة ممَّا يجد غيره؛ لأنه إذا اعتاد ذلك لم يجد في صومه مشقَّة.

وتعقَّبه الطِّيبي بأنَّه مخالف لسياق الحديث، ألا تراه كيف نهاه أولًا عن صيام الدَّهر كله، ثمَّ حثَّه على صوم داود عليه السَّلام، والأولى أن يكون خبرًا عن أنَّه لم يمتثل أمر الشَّرع، فافهم.

ثمَّ ذهب بعضهم إلى استحباب صيام الدَّهر لمن قوي عليه ولم يفوِّت فيه حقًّا. وقال السبكي أطلق أصحابنا كراهة صوم الدَّهر لمن فوَّت حقًّا، ولم يوضِّحوا هل المراد الحق الواجب أو المندوب؟ والذي يتَّجه أن يقال إن علم أنَّه يفوِّت حقًّا واجبًا حرم، وإن علم أنَّه يفوِّت حقًّا مندوبًا أولى من الصِّيام كره، وإن كان يقوم مقامه فلا، وإلى ذلك أشار ابن خزيمة فترجم ذكر العلَّة التي بها زجر النَّبي صلى الله عليه وسلم عن صوم الدَّهر، وساق الحديث الذي فيه (( إذا فعلت ذلك هجمت عينك ونفهت نفسك ) ).

ومن حجَّتهم أيضًا حديث حمزة بن عمرو عند مسلم أنَّه قال يا رسول الله! إنِّي أسرد الصَّوم، فحملوا قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما (( لا أفضل من ذلك ) )أي في حقِّك فيلتحق به من في معناه ممَّن يدخل فيه على نفسه مشقَّة أو يفوت حقًا، ولذلك لم ينه حمزة بن عمرو عن السَّرد،

ج 9 ص 493

فلو كان السَّرد ممتنعًا لبيَّنه له؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، قاله النَّووي.

وتعقِّب بأنَّ سؤال حمزة إنَّما كان عن الصَّوم في السَّفر لا عن صوم الدَّهر، ولا يلزم من سرد الصِّيام صيام الدَّهر، فقد قال أسامة بن زيد رضي الله عنه أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يصوم الدَّهر؛ أي ومع هذا كان يسرد الصَّوم، كما في «الصَّحيح» .

وأجابوا عن حديث أبي موسى المتقدِّم ذكره، بأنَّ معناه ضيِّقت عليه فلا يدخلها، فعلى هذا تكون (( على ) )بمعنى (( عن ) )؛ أي ضيِّقت عنه، وهذا التَّأويل حكاه الأثرم عن مسدَّد، وحكي ردُّه عن أحمد.

وقال ابن خزيمة سألت المزني عن هذا الحديث فقال يشبه أن يكون معناه ضيِّقت عليه فلا يدخلها، ولا يشبه أن يكون على ظاهره؛ لأنَّ من ازداد لله تعالى عملًا وطاعةً زاد عند الله رفعة وكرامة.

ورجَّح هذا التَّأويل جماعة منهم الغزالي فقالوا له مناسبة من جهة أنَّ الصَّائم لمَّا ضيق على نفسه مسالك الشَّهوات بالصَّوم ضيَّق الله عليه النار فلا يبقى له فيها مكان؛ لأنه ضيَّق طرقها بالعبادة.

وتعقِّب بأنَّه ليس كل عمل صالح إذا ازداد العبد منه ازداد بعدًا من النَّار؛ كالصَّلاة في الأوقات المكروهة، والأولى إجراء الحديث على ظاهره، وحمله على من فوَّت حقًا واجبًا بذلك، فإنَّه يتوجَّه إليه الوعيد، ولا يخالف القاعدة التي أشار إليها المزني، وفي هذا التعقُّب نظر لا يخفى، فافهم.

ومن حجَّتهم أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم في بعض طرق حديث الباب (( فإنَّ الحسنة بعشرة أمثالها، وذلك مثل صيام الدَّهر ) )وقوله فيما رواه مسلم (( من صام رمضان وأتبعه ستًا من شوال، فكأنَّما صام الدَّهر ) )قالوا فدلَّ ذلك على أنَّ صوم الدَّهر أفضل ممَّا شبه به، وأنَّه أمر مطلوب.

وتعقِّب بأنَّ التَّشبيه في الأمر المقدَّر لا يقتضي جوازه فضلًا عن استحبابه، وإنَّما المراد حصول الثَّواب على تقدير مشروعيَّة صيام ثلاثمائة وستِّين يومًا.

ومن المعلوم أنَّ المكلَّف لا يجوز له صيام جميع السنة، فلا يدلُّ التَّشبيه على أفضليَّة المشبه به من كلِّ وجه، وقد روى ابن ماجه بسند فيه ابن لهيعة عن ابن عمرو قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( صام نوح عليه السَّلام الدَّهر إلا يومين الأضحى والفطر ) ).

وكان جماعة من الصَّحابة يسردون الصَّوم منهم عمر بن الخطَّاب وابنه عبد الله وعائشة وأبو طلحة وأبو أمامة رضي الله عنهم.

ثمَّ إنَّه قد اختلف المجيزون لصوم الدَّهر بالشَّرط المتقدِّم هل هو أفضل أو صيام يوم وإفطار يوم؟

فقد فصرَّح جماعة من العلماء أنَّ صوم الدهر أفضل؛ لأنه أكثر عملًا فيكون أكثر أجرًا، وما كان أكثر أجرًا فلا شكَّ أنه أفضل،

ج 9 ص 494

وبذلك جزم الغزالي أولًا، وقيَّده بشرط أن لا يصوم الأيَّام المنهي عنها، وأن لا يرغب عن السنة بأن يجعل الصَّوم حجرًا على نفسه، فإذا أمن ذلك فالصَّوم من أفضل الأعمال فالاستكثار منه زيادة في الفضل.

وقوله في الحديث (( لا أفضل من ذلك ) ) [خ¦1976] ؛ أي لك وذلك لما علم من حاله ومنتهى قوَّته، وأنَّ ما هو أكثر من ذلك يضعفه عن الفرائض ويقعد به عن الحقوق والمصالح، ويلتحق به من في معناه، كذا في «فتاوى ابن عبد السَّلام» .

لكن تعقَّبه ابن دقيق العيد بأنَّ الأعمال متعارضة المصالح والمفاسد، ومقدار كل منها في الحثِّ والمنع غير متحقَّق، فزيادة الأجر بزيادة العمل في شيء يعارضه اقتضاء العادة التقصيرَ في حقوقٍ أخرى يعارضها العمل المذكور، ومقدار الفائت من ذلك مع مقدار الحاصل من ذاك غير معلوم، فالأولى التَّفويض إلى صاحب الشَّرع، والجري على ما دلَّ عليه ظاهر الشَّرع مع قوة الظَّاهر هاهنا. هذا؛ ولِمَا دل عليه ظاهر قوله (( لا أفضل من ذلك ) )، وقوله (( إنَّ أحبَّ الصِّيام إلى الله تعالى صيام داود عليه السَّلام ) ).

وذهب جماعة منهم المتولي من الشَّافعية إلى أن صيام داود عليه السَّلام أفضل وهو ظاهر الحديث، بل صريحه ويترجَّح من حيث المعنى بأنَّ صيام الدَّهر قد يفوِّت بعض الحقوق كما تقدَّم، وبأن من اعتاده فإنَّه لا يكاد يشق عليه، بل يضعف شهوته عن الأكل، وتقلُّ حاجته إلى الطَّعام والشَّراب نهارًا، ويألف تناوله في اللَّيل بحيث يتجدَّد له طبع زائد، بخلاف من يصوم يومًا ويفطر يومًا، فإنه ينتقل من فطر إلى صوم ومن صوم إلى فطر.

وقد نقل التِّرمذي عن بعض أهل العلم أنَّه أشق الصَّوم، ويأمن مع ذلك غالبًا من تفويت الحق كما أشير إليه فيما تقدَّم قريبًا [خ¦1977] في حقِّ داود عليه السَّلام (( ولا يفر إذا لاقى ) )؛ لأن من أسباب الفرار ضعف الجسد، ولا شكَّ أنَّ سرد الصَّوم ينهكه.

وعلى ذلك يحمل قول ابن مسعود رضي الله عنه فيما رواه سعيد بن منصور بإسنادٍ صحيح عنه أنَّه قيل له إنَّك لَتُقِلُّ الصِّيام، فقال إني أخاف أن يضعفني عن القراءة، والقراءة أحبُّ إليَّ من الصِّيام.

نعم؛ إن فُرِضَ أن شخصًا لا يفوته شيء من الأعمال الصَّالحة بالصِّيام أصلًا،

ج 9 ص 495

ولا يفوِّت حقًّا من الحقوق التي خوطب بها لم يبعد أن يكون في حقِّه أرجح.

وإلى ذلك أشار ابن خُزيمة؛ فترجم الدَّليلُ على أنَّ صيام داود عليه السَّلام إنَّما كان أعدل الصِّيام وأحبَّه إلى الله تعالى؛ لأن فاعله يؤدِّي حقَّ نفسه وأهله وزائريه أيَّام فطره بخلاف من يتابع الصَّوم، وهذا يشعر بأنَّ من لا يتضرَّر في نفسه ولا يفوت حقًّا يكون له أرجح.

وعلى هذا فيختلف ذلك باختلاف الأشخاص والأحوال، فمن يقتضي حاله الإكثار من الفطر أكثر منه، ومن يقتضي حاله المزجَ فَعَلَهُ، حتَّى إنَّ الشَّخص الواحد قد تختلف عليه الأحوال في ذلك، وإلى ذلك أشار الغزالي، والله أعلم بالصَّواب.

فائدة والفرق بين صيام الوصال وصيام الدَّهر ظاهر، فإنَّهما حقيقتان مختلفتان، فإنَّ من صام يومين أو أكثر ولم يفطر في اللَّيل فهو مواصل، وليس هذا صوم الدَّهر، ومن صام عمره وأفطر جميع لياليه فهو صائم الدَّهر وليس بمواصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت