فهرس الكتاب

الصفحة 3105 من 11127

1981 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عَمرو المنقري المُقعد، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) بن سعيد التَّميمي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ) بفتح المثناة الفوقية وتشديد التحتية وفي آخره حاء مهملة، يزيد بن حميد الضَّبعي (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (أَبُو عُثْمَانَ)

ج 9 ص 502

هو عبد الرَّحمن بن ملٍّ النَّهدي، وقد روى عن أبي هريرة رضي الله عنه جماعة كل منهم أبو عثمان، لكن لم يقع في «صحيح البخاري» حديث موصول من رواية أبي عثمان عن أبي هريرة إلَّا من رواية النَّهدي، وليس له في هذا الصَّحيح سوى هذا وآخر في الأطعمة [خ¦5411] [خ¦5441] [خ¦5442] .

ووقع عند مسلم عن سنان، عن عبد الوارث بهذا الإسناد فقال فيه حدَّثني أبو عثمان النَّهدي، وقد تقدَّم هذا الحديث في أبواب التطوُّع في باب صلاة الضُّحى في السَّفر من طريق أخرى عن أبي عثمان النَّهدي [خ¦1178] .

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ أَوْصَانِي خَلِيلِي) رسول الله (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلاَثٍ) أي بثلاث خصال (صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ) بالجر على أنَّه بدل من (( ثلاث ) ) (وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى) عطف على قوله صيام؛ أي وأوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بصلاة ركعتي الضُّحى، وزاد أحمد في كل يوم.

(وَأَنْ أُوتِرَ) أي وأن أصلِّي صلاة الوتر (قَبْلَ أَنْ أَنَامَ) قيل [1] في إفراده بهذه الوصيَّة إشارة إلى أنَّ القدر الموصى به هو اللَّائق بحاله، وفي قوله خليلي، إشارة إلى موافقته له في إيثار الاشتغال بالعبادة على الاشتغال بالدنيا، فإنَّ أبا هريرة رضي الله عنه صبر على الجوع في ملازمته للنَّبي صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في أوائل البيوع من حديثه [خ¦2047] حيث قال أمَّا إخواني فكان يشغلهم الصَّفق بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فشابَهَ حال النَّبي صلى الله عليه وسلم في إيثاره الفقر على الغنى، والعبوديَّة على الملك، ويؤخذ منه الافتخار بصحبة الأكابر إذا كان ذلك على معنى التَّحديث بالنعمة والشُّكر لله تعالى لا على وجه المباهاة. انتهى.

وقيل ليست الوصيَّة بذلك خاصَّة بأبي هريرة رضي الله عنه، فقد وردت وصيَّته صلى الله عليه وسلم بالثَّلاث أيضًا لأبي ذرٍّ رضي الله عنه كما عند النَّسائي، ولأبي الدَّرداء رضي الله عنه كما عند مسلم، وقيل في تخصيص الثَّلاثة بالثَّلاث؛ لكونهم فقراء لا مال لهم، فوصَّاهم بما يليق بهم وهو الصَّوم والصَّلاة، وهما أشرف العبادات البدنيَّة.

هذا؛ واستشكلت المطابقة بين الحديث والتَّرجمة؛ فقال الإسماعيلي وابن بطَّال وغيرهما ليس في الحديث الذي أورده البخاري في هذا الباب ما يطابق التَّرجمة؛ لأنَّ الحديث مطلق في ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر

ج 9 ص 503

والبيض مقيَّدة بما ذكر.

وأجيب بأنَّ البخاري جرى على عادته في الإيماء إلى ما ورد في بعض طرق الحديث، وإن لم يكن على شرطه، فقد روى القاضي يوسف بن إسماعيل في كتاب الصِّيام حدَّثنا عثمان بن أبي شيبة حدَّثنا حسين بن علي، عن زائدة بن قدامة، عن حكيم بن جبير، عن موسى بن طلحة قال قال عمر بن الخطَّاب لأبي ذرٍّ وعمار وأبي الدَّرداء رضي الله عنهم أتذكرون يوم كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكان كذا وكذا، فأتاه رجل بأرنب فقال يا رسول الله! إنِّي رأيت بها دمًا، فأمرنا فأكلنا ولم يأكل؟ قالوا نعم، ثمَّ قال له (( ادنه فأطعم ) )قال إنَّي صائم قال (( أي صوم؟ ) )قال صوم ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر أوله وآخره، وكما تيسَّر عليَّ، فقال عمر رضي الله عنه هل تدرون ما الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالوا نعم، يصوم ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، قال عمر رضي الله عنه هكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحكيم بن جبير ضعَّفه الجمهور، وموسى بن طلحة عن عمر رضي الله عنه مرسل، قاله أبو زرعة، وبينهما ابن الحوتكية.

وأصل الحديث عند النَّسائي في كتاب الصَّيد، وليس فيه ذكر لعمَّار وأبي الدَّرداء رضي الله عنهما رواه من طريق حكيم بن جبير وعمرو بن عثمان ومحمَّد بن عبد الرَّحمن عن موسى بن طلحة، عن ابن الحوتكية قال قال عمر رضي الله عنه من حاضرنا يوم القاحة؟ قال قال أبو الدَّرداء فذكر الحديث، وفيه قال فأين أنت عن البِيض الغرِّ ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.

وابن الحوتكية سمَّاه بعضهم يزيد. وقال ابن أبي حاتم في «الجرح والتَّعديل» وما سمَّاه أحد إلا الحجَّاج بن أرطاة، عن عثمان بن عبد الله بن موهب، عن موسى بن طلحة، عن يزيد بن الحوتكية.

والقاحة _ بالقاف وتخفيف الحاء المهملة _ مكان بالمدينة على ثلاث مراحل.

وقد روى أحمد والنَّسائي وصحَّحه ابن حبَّان من طريق موسى بن طلحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال جاء أعرابي إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم بأرنب قد شواها، فأمرهم أن يأكلوا وأمسك الأعرابي، فقال ما منعك أن تأكل؟ قال إنِّي أصوم ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، قال إن كنت صائمًا فصم الغرَّ؛ أي البيض.

ج 9 ص 504

وهذا الحديث اختلف فيه على موسى بن طلحة اختلافًا كثيرًا بيَّنه الدَّارقطني، وفي بعض طرقه عند النَّسائي إن كنت صائمًا فصم البِيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة.

وروى النَّسائي من رواية زيد بن أبي أنيسة، عن أبي إسحاق، عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( صيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر صيام الدَّهر، وأيَّام البيض صبيحة ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ) )وإسناده صحيح، ويروى أيَّام البِيض، بغير واو، وروى أيَّام البيض صبيحة بالرفع فيهما، وروي بالجر فيهما، حكاه صاحب «المفهم» .

وروى ابن ماجه حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدَّثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا شعبة، عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن المنهال، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه كان يأمر بصيام البِيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ويقول (( هو كصوم يوم الدَّهر أو كهيئة صوم الدَّهر ) ).

وروي أيضًا حدَّثنا إسحاق بن منصور قال حدَّثنا حبَّان بن هلال قال حدَّثنا همام، عن أنس بن سيرين قال حدَّثني عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي، عن أبيه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نحوه.

ورواه النَّسائي أيضًا إلَّا أنَّه قال قدامة بن ملحان قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بالصِّيام أيَّام اللَّيالي الغرِّ البِيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. ورواه أبو داود إلَّا أنَّه قال عن أنس، عن ابن ملحان القيسي، عن أبيه فذكره ولم يسمه.

ولقتادة هذا صحبة فيما ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر أباه في كتابه ولا أبو القاسم البغوي في «معجم الصَّحابة» ، وذكرهما؛ أعني قتادة وملحان أبو عمر بن عبد البر في «الاستيعاب» .

وأخرج الإمام أبو محمَّد عبد الله بن عطاء الإبراهيمي من حديث يونس بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي صادق، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أوصاني خليلي بثلاث الوتر قبل أن أنام، وأصلِّي الضُّحى ركعتين، وصوم ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة وهي البيض.

وأخرج التِّرمذي من حديث موسى بن طلحة قال سمعت أبا ذرٍّ رضي الله عنه يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( يا أبا ذرٍّ إذا صمت من الشَّهر ثلاثة أيَّام فصم ثلاث عشر وأربعة عشر وخمسة عشر ) )وقال حديث أبي ذرٍّ حديث حسنٌ.

ورواه النَّسائي وابن ماجه أيضًا، ففي هذه الأحاديث استحباب صوم الثَّلاثة التي أولها الثَّالث عشر، والمعنى فيه أنَّ الحسنة بعشر أمثالها فصومها كصوم شهر.

فإن قيل قد روى النَّسائي بإسنادٍ صحيح من رواية سعيد بن أبي هند أنَّ مطرفًا حدَّثه أنَّ عثمان بن أبي العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (( صيام حسن ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر ) ). وأخرجه ابن حبَّان أيضًا في «صحيحه» ، وهذا لم يعيِّن فيه

ج 9 ص 505

أيَّامًا معيَّنة.

وروى النَّسائي أيضًا من حديث حفصة رضي الله عنها قالت أربع لم يكن يدعهنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم صيام عاشوراء، وأوَّل العشر، وثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، وركعتين قبل الغداة.

وروى أبو داود من حديث حفصة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيَّام من الشَّهر الإثنين والخميس والإثنين من الجمعة الأخرى، وهذا فيه غير أيَّام البيض.

وروى أبو داود والنَّسائي من رواية الحسن بن عبيد الله، عن هنيدة الخزاعي، عن أمه قالت دخلت على أمِّ سلمة رضي الله عنها فسألتها عن الصِّيام فقالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني أن أصومَ ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر أولها الإثنين والخميس. والخميس لفظ أبي داود.

وقال النَّسائي يأمر بصيام ثلاثة أيَّام أوَّل خميس والإثنين، وقد رواه أبو داود والنَّسائي من رواية الحرِّ بن الصَّباح، عن هنيدة، عن امرأته، عن بعض أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم غير مسماة.

وروى ابن عديٍّ في «الكامل» من حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال أوصاني رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل يوم الجمعة، وركعتي الضُّحى، ونوم على وتر، وصيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر.

وروى يوسف القاضي في كتاب «الصيام» من حديث عليٍّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( صوم شهر الصَّبر، وثلاثة أيَّام من كلِّ شهر صوم الدَّهر، ويذهب بوحَر الصَّدر ) ). والوحَر _ بفتح الحاء المهملة _ الغل.

وروى الطَّبراني في «المعجم الكبير» من حديث النَّمر بن تولب من [حديث] الجريري، عن أبي العلاء قال كنَّا بالمربد فأتانا أعرابي ومعه قطعة أديم فقال انظروا ما فيها، فإذا كِتابٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه (( صوم شهر الصَّبر، وثلاثة أيَّام من الشَّهر يذهبن وغْر الصَّدر ) )فقلت أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم، فسألت عنه فقيل هذا نمر بن تولب.

والوغْر _ بالتسكين _ الضِّغن والعداوة، وبالتحريك المصدر، وأصله من الوغْرة وهي شدَّة الحرِّ.

وروى أبو نُعيم في «الحِلية» من حديث جابر رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال (( ألا أخبركم بغرف الجنَّة ) )الحديثَ. وفيه فقلنا لمن تلك؟ فقال (( لمن أفشى

ج 9 ص 506

السَّلام وأدام الصِّيام )) الحديثَ. وفيه (( من صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة أيَّام فقد أدام الصِّيام ) )فما التَّوفيق بين هذه الأحاديث؟.

فالجواب على ما قاله البيهقي أنَّ كلَّ من رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم فعل نوعًا ذكره، وكانت عائشة رضي الله عنها رأت منه جميع ذلك، فلذلك أطلقت كما رواه مسلم من حديثها أنَّها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم من كلِّ شهر ثلاثة أيَّام، وما يبالي من أيِّ الشَّهر صام، والذي يظهر أنَّ الذي أمر به وحثَّ عليه ووصى به أولى من غيره.

وأمَّا النَّبي صلى الله عليه وسلم فلعلَّه كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكلُّ ذلك في حقِّه أفضل.

قال السُّبكي والحاصل أنَّه يسنُّ صوم ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر، وأن تكون أيَّام البِيض، فإن صامها أتى بالسنتين، ويترجَّح البيض بكونها وسط الشَّهر، ووسط الشَّهر أعدله، ولأن الكسوف غالبًا يقعُ فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة إذا وقع، فإذا اتَّفق الكسوف صادف الذي يعتاد صيام البيض صائمًا، فيتهيَّأ أن يجمعَ بين أنواع العبادات من الصِّيام والصَّلاة والصَّدقة بخلاف من لم يصمها، فإنَّه لا يتأتَّى صيامها ولا عند من يجوز صيام التَّطوُّع من غير نيَّة من اللَّيل إلَّا إن صادف الكسوف أول النَّهار.

وسئل الحسن البصري لم صام النَّاس الأيَّام البيض وأعرابي يسمع؟ فقال الأعرابي لأنَّه لا يكون الكسوف إلَّا فيهنَّ، ويحب الله تعالى أن لا تكون في السَّماء آية إلا كان في الأرض عبادة.

والأحوط أن يصومَ الثَّاني عشر مع أيَّام البيض؛ لأنَّ في التِّرمذي أنها الثَّاني عشر والثَّالث عشر والرَّابع عشر، ورجَّح بعضُهم صيام الثَّلاثة في أوَّل كلِّ شهر؛ لأنَّ المرء لا يدري ما يعرض له من الموانع، وقال بعضُهم يصوم من أوَّل كلِّ عشرة أيَّام يومًا.

وروى التِّرمذي من طريق خيثمة، عن عائشة رضي الله عنها أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يصوم من الشَّهر السبت والأحد والإثنين، ومن الآخر الثُّلاثاء والأربعاء والخميس، وروي موقوفًا وهو أشبه فكأنَّ الغرض به أن يستوعبَ غالب أيَّام الأسبوع بالصِّيام.

واختار إبراهيم النَّخعي أن يصومَ آخر الشَّهر؛ ليكون كفَّارة لما مضى، وسيأتي ما يؤيِّده في الكلام على حديث عمران بن حصين رضي الله عنه

ج 9 ص 507

في الأمر بصيام سرار الشَّهر [خ¦1983] .

وقال الرَّوياني صيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر مستحبٌّ، فإن اتَّفقت أيَّام البيض كان أحب، وفي كلام غير واحد من العلماء أيضًا أنَّ استحباب صيام أيَّام البيض غير استحباب صيام ثلاثة أيَّام من كلِّ شهر.

وما حكاه النَّووي في «شرح مسلم» من الاتِّفاق على استحباب صيام الأيَّام البيض فقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي ففيه نظر؛ لأنَّ المعروف من قول مالك كراهة تعيين أيَّام النَّفل، وأن يجعل لنفسه شهرًا أو يومًا يلتزم صومه.

وقد روى ابن القاسم عن مالك في «المجموعة» أنَّه سئل عن صيام أيَّام الغرِّ ثلاث عشرة، فقال ما هذا ببلدنا؟ وكره تعمُّد صومها.

وقال الإمام كلها لله عزَّ وجلَّ، وروي عنه أنَّه كان يصومها، وأنَّه كتب إلى الرشيد يحضُّه على صومها، قال ابن رشد وإنَّما كرهها لسرعة أخذ النَّاس بمذهبه، فيظنُّ الجاهل وجوبها، والمشهور من مذهبه استحباب ثلاثة أيَّام من كلِّ شهرٍ وكراهة كونها البيض؛ لأنَّه كان يفر من التحديد.

وقال ابن وهب وإنه لعظيم أن يجعل على نفسه شيئًا كالفرض، ولكن يصوم إذا شاء، قال واستحبَّ ابن حبيب صومها، وقال أراها صيام الدَّهر.

وقال ابنُ حبيب كان أبو الدَّرداء رضي الله عنه يصوم من كلِّ شهر ثلاثة أيَّام أوَّل يوم ويوم العاشر ويوم العشرين، ويقول هو صيام الدَّهر كل حسنة بعشر أمثالها.

وقال المارودي ويسنُّ صوم أيَّام السود الثَّامن والعشرين وتاليِيَهْ، وينبغي أن يصامَ معها السَّابع والعشرون احتياطًا.

وخصت أيَّام البيض وأيَّام السُّود بذلك؛ لتعميم ليالي الأولى بالنُّور، والثَّانية بالسَّواد، فناسب صوم الأولى شكرًا، والثَّانية لطلب كشف السَّواد، ولأنَّ الشَّهر ضيف قد أشرف على الرَّحيل، فناسب تزويده بذلك.

وقال الشَّيخ زين الدِّين العراقي وحاصل الخلاف أنَّ في المسألة تسعة أقوال

أحدها استحباب صوم ثلاثة أيَّام من الشَّهر غير معينة، فأمَّا تعيينها فمكروه وهو المعروف من مذهب مالك كما تقدَّم، وقد حكاه القرطبي.

الثَّاني استحباب الثَّالث عشر والرَّابع عشر والخامس عشر، وهو قول

ج 9 ص 508

أكثر أهل العلم وبه قال عمر بن الخطَّاب وعبد الله بن مسعود وأبو ذرٍّ رضي الله عنهم وآخرون من التَّابعين والشَّافعي وأصحابه وابن حبيب من المالكيَّة، وأبو حنيفة وصاحباه وأحمد وإسحاق.

الثَّالث استحباب الثَّاني عشر والثَّالث عشر والرَّابع عشر حكي ذلك عن قوم.

الرَّابع استحباب ثلاثة من أوَّل الشَّهر، وبه قال الحسن البصري.

الخامس استحباب السبت والأحد والإثنين من أوَّل شهر، ثم الثُّلاثاء والأربعاء والخميس من أوَّل الشَّهر الذي بعده، وهو اختيار عائشة رضي الله عنها في آخرين.

السَّادس استحبابها من آخر الشَّهر، وهو قول إبراهيم النَّخعي.

السَّابع استحبابها في الإثنين والخميس، لكن روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أوَّل إثنين من الشَّهر وخميسان بعده. وعن أمِّ سلمة رضي الله عنها أوَّل خميس وإثنينان بعده.

الثَّامن استحباب أوَّل يوم من الشَّهر والعاشر والعشرين، وروي ذلك عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه، وهو صوم مالك بن أنس على قول.

التَّاسع استحباب أوَّل يوم والحادي عشر والعشرين، وهو اختيارُ أبي إسحاق بن شعبان من المالكيَّة.

[1] في هامش الأصل القائل هو أبو محمَّد بن أبي جمرة. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت