فهرس الكتاب

الصفحة 3147 من 11127

2016 - (حَدَّثَنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بواو العطف والإفراد (مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) بفتح الفاء وتخفيف الضاد المعجمة، الزَّهراني الطَّفاوي البصري، قال (حَدَّثَنَا هِشَامٌ) هو الدَّستوائي (عَنْ يَحْيَى) أي [1] ابن أبي كثير (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هو ابن عبد الرَّحمن بن عوف. وفي الاعتكاف من طريق علي بن المبارك عن يحيى [خ¦2036] سمعت أبا سلمة (قَالَ سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ) سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه (وَكَانَ لِي صَدِيقًا، فَقَالَ اعْتَكَفْنَا) لم يذكر المسؤول عنه في هذه الطَّريق، وفي رواية علي بن المبارك المذكورة سألت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قلت هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر ليلة القدر؟ فقال نعم اعتكفنا، [خ¦2036] الحديث. وفي رواية مسلم من طريق معمر عن يحيى تذاكرنا ليلة القدر في نفر من قريش، فأتيت أبا سعيد رضي الله عنه فذكره. وفي رواية همَّام عن يحيى في باب السُّجود في الماء والطِّين من صفة الصَّلاة [خ¦813] انطلقت إلى أبي سعيد رضي الله عنه فقلت ألا تخرج بنا إلى النَّخل نتحدَّث فخرج فقلت حدِّثني ما سمعت من النَّبي صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر. فأفاد بيان سبب السُّؤال. وفيه أيضًا تأنيس

ج 9 ص 600

الطَّالب للشَّيخ في طلب الاختلاء به ليتمكَّن ممَّا يريد من سؤاله.

(مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ) هكذا وقع في أكثر الرِّوايات، والمرادُ بالعشر اللَّيالي، وكان من حقِّها أن توصف بلفظ التأنيث، ويقال الوسطى، لكن وصفت بالمذكَّر على إرادة الوقت أو الزَّمان، أو بتقدير الثُّلث كأنَّه قيل اللَّيالي العشر التي هي الثُّلث الأوسط من الشَّهر.

ووقع في «الموطَّأ» العشر الوُسُط _ بضم الواو والسين _ جمع وسطى، ويروى _ بفتح السين _ مثل كبر وكبرى، ورواه الباجي في «الموطَّأ» _ بإسكان السين _ على أنَّه جمع واسط، كنازل ونزل. وهذا يوافق رواية «الأوسط» .ووقع في رواية محمَّد بن إبراهيم في الباب الذي يليه كان يجاور العشر التي في وسط الشَّهر [خ¦2018] . وفي رواية مالك الآتية في أوَّل (( الاعتكاف ) ) [خ¦2027] (( كان يعتكف ) )والاعتكاف مجاورة مخصوصة.

وفي رواية لمسلم من طريق أبي نضرة، عن سعيد رضي الله عنه اعتكف العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر قبل أن يبان له، فلمَّا انقضت أمر بالبناء فقوِّض، ثمَّ أبينت له أنَّها في العشر الأواخر فأمر بالبناء فأعيد. وزاد في رواية عمارة بن غزيَّة عن محمَّد بن إبراهيم أنَّه اعتكف العشر الأوَّل، ثمَّ اعتكف العشر الأوسط، ثمَّ اعتكف العشر الأواخر.

ومثله في رواية همَّام المذكورة وزاد فيها (( أنَّ جبرائيل عليه السَّلام أتاه في الطَّريق فقال له إنَّ الذي تطلب أمامك ) ) [خ¦813] ، وهو _ بفتح الهمزة والميم _؛ أي قدامك.

قال الطِّيبي وصف الأوَّل والأوسط بالمفرد والأخير بالجمع إشارة إلى تصور ليلة القدر في كلِّ ليلة من ليالي العشر الأخير دون الأولين.

(فَخَرَجَ) صلى الله عليه وسلم (صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا) بفاء التعقيب، وفي رواية مالك الآتية إن شاء الله تعالى في باب الاعتكاف (( حتَّى إذا كان ليلة إحدى وعشرين وهي اللَّيلة التي يخرج من صبيحتها من اعتكافه ) ) [خ¦2027] وظاهره يخالف رواية الباب؛ إذ مقتضاه أنَّ خطبته وقعت في أوَّل اليوم الحادي والعشرين.

وعلى هذا يكون أوَّل اعتكافه الأخير ليلة اثنين وعشرين

ج 9 ص 601

وهو مغاير لقوله في آخر الحديث فبصرت عيناي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى جبهته أثر الماء والطِّين من صبح إحدى وعشرين. فإنَّه ظاهر في أنَّ الخطبة كانت في صبح اليوم العشرين، ووقوع المطر في ليلة إحدى وعشرين وهو الموافق لبقيَّة الطُّرق، وعلى هذا فكأنَّ قوله في رواية مالك وهي اللَّيلة التي يخرج من صبيحتها؛ أي من الصُّبح الذي قبلها، فيكون في إضافة الصُّبح إليها تجوز.

ويوضِّحه أنَّ في رواية الباب الذي يليه فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة يمضي ويستقبل إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه [خ¦2018] .

وقد أطال ابن دحية في تقرير أنَّ اللَّيلة تضاف لليوم الذي قبلها، وردَّ على من منع ذلك، ولكن لم يوافق على ذلك. وقال ابن حزم رواية ابن أبي حازم والدَّراوردي؛ يعني رواية حديث الباب، مستقيمةُ، ورواية مالك مشكلة، وأشار إلى تأويلها بنحو ما سبق، والله أعلم.

(وَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (إِنِّي أُرِيتُ) بضم الهمزة على البناء للمفعول، من الرُّؤيا؛ أي أعلمت بها؛ أو من الرُّؤية؛ أي أبصرتها، وإنَّما أرى علامتها وهو السُّجود في الماء والطِّين، كما وقع في رواية همَّام عن يحيى في باب السُّجود على الأنف والطِّين من صفة الصَّلاة، بلفظ حتَّى رأيتُ أثر الماء والطِّين على جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم تصديق رؤياه [خ¦813] .

(لَيْلَةَ الْقَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا) بضم الهمزة على البناء للمفعول، من الإنساء (أَوْ نَسِيتُهَا) بفتح النون شكٌّ من الرَّاوي هل أنساه غيره إيَّاها أو نسيها هو من غير واسطة؟ ومنهم من ضبط (( نُسِّيتُها ) )_ بضم النون وتشديد السين على البناء للمفعول _ من التفعيل، فهو بمعنى أنسيتها، والمراد أنَّه أنسى علم تعيينها في تلك السَّنة لا رفع وجودها، وإلَّا لما أمر صلى الله عليه وسلم بالتماسها. وسيأتي سبب النِّسيان من حديث عبادة بن الصَّامت رضي الله عنه بعد باب إن شاء الله تعالى [خ¦2023] .

قال الكرماني فإن قلت إذا جاز النِّسيان في هذه المسألة جاز في غيرها أيضًا، فيفوت منه مصلحة التَّبليغ إلى الأمَّة. قلت نسيان الأحكام التي يجب عليه التَّبليغ لها لا يجوز، ولو جاز ووقع لذكره الله تعالى. انتهى.

(فَالْتَمِسُوهَا) أي ليلة القدر(فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي

ج 9 ص 602

الْوَتْرِ)أي في أوتار تلك اللَّيالي، وأولها ليلة الحادي والعشرين إلى آخر ليلة التَّاسع والعشرين لا في أشفاعها، وهذا لا ينافي قوله التمسوها في السَّبع الأواخر؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لم يحدِّث بميقاتها جازمًا به (وَإِنِّي رَأَيْتُ) أي في منامي (أَنِّي أَسْجُدُ) وفي رواية الكشميهني (فِي مَاءٍ وَطِينٍ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في العشر الأوسط، لأنَّهم كانوا معتكفين في العشر الأوسط المتقدِّم على العشر الأخير، وفيه التفات إذ الأصل أن يقول اعتكف معي، ويروى (( فمن اعتكف معي ) ).

(فَلْيَرْجِعْ) إلى معتكفه فليلتمس (فَرَجَعْنَا) إلى معتكفنا (وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، هي القطعة الرَّقيقة من السَّحاب (فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ) بالفتحات، وفي الباب الذي يليه من وجهٍ آخر (( فاستهلت السَّماء فأمطرت ) ) [خ¦2018] (حَتَّى سَالَ سَقْفُ الْمَسْجِدِ) من قبيل ذكر المحلِّ وإرادة الحال كما يقال سال الوادي، وفي رواية مالك (( فوكف المسجد ) ) [خ¦2027] ؛ أي قطر الماء من سقفه (وَكَانَ) السَّقف (مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ) أي سعف النَّخل الذي جرِّد عنه خوصه، وفي رواية مالك (( وكان على عريش ) ) [خ¦2027] ؛ أي مثل العريش، وإلَّا فالعريش هو نفسُ سقفه، والمراد أنَّه كان مظلَّلًا بالجريدِ والخوص، ولم يكن محكم البناء بحيث يكن من المطر الكثير.

(وَأُقِيمَتِ الصَّلاَةُ) صلاة الفجر (فَرَأَيْتُ) ويروى (( فبَصُرت عيناي ) )بفتح الموحدة وضم المهملة، وذكر العين بعد البصر للتَّأكيد كما في قوله أخذت بيدي وإنَّما يقال ذلك في أمر مستغرب إظهارًا للتعجُّب من حصوله (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْجُدُ فِي الْمَاءِ وَالطِّينِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ) الشَّريفة صلى الله عليه وسلم وشرفه وكرم. وفي رواية مالك (( على جبهته أثر الماء والطِّين ) ) [خ¦2027] . وفي رواية ابن أبي حازم في الباب الذي يليه (( انصرف من الصُّبح، ووجهه ممتلئ طينًا وماء ) ) [خ¦2018] . وهذا يشعر بأنَّ قوله (( أثر الماء والطِّين ) )لم يرد به محض الأثر، وهو ما بقي بعد

ج 9 ص 603

إزالة العين. وحمله الجمهور على الأثر الخفيف، لكن يعكِّر عليه ما ذكر آنفًا من قوله (( ووجهه ممتلئ ماء وطينًا ) ). وأجاب النَّووي بأنَّ الامتلاء لا يستلزم ستر جميع الجبهة، والله أعلم.

وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه من الفوائد تركُ مسح جبهة المصلِّي والسُّجود على الحائل. وفيه جواز السُّجود في الطِّين، وقد تقدم الكلام عليه في أبواب الصلاة، في باب السُّجود على الأنف في الطِّين [خ¦813] . وفيه الأمر بطلب الأَولى، والإرشاد إلى تحصيل الأفضل.

وفيه أنَّ النِّسيان جائز على النَّبي صلى الله عليه وسلم لكن لا في الأحكام التي يجب تبليغها كما مرَّ.

ولا نقص عليه في ذلك لا سيَّما فيما لم يؤذن له في تبليغه، وقد يكون في ذلك مصلحة تتعلَّق بالتَّشريع كما في السَّهو في الصَّلاة أو بالاجتهاد في العبادة كما في هذه القصَّة، فإنَّ ليلة القدر لو عيِّنت في ليلة بعينها حصل الاقتصار عليها ففاتت العبادة في غيرها، فكأنَّ هذا هو المراد بقوله (( عسى أن يكون خيرًا لكم ) )كما سيأتي في حديث عبادة رضي الله عنه [خ¦2023] .

وفيه جواز استعمال لفظ رمضان بدون ذكر شهر. وفيه استحباب الاعتكاف فيه، وترجيحه في العشر الأخير. وفيه أنَّ من الرُّؤيا ما يقع تعبيره مطابقًا. وفيه ترتُّب الأحكام على رؤيا الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام. وفي أوَّل قصَّة أبي سلمة مع أبي سعيد رضي الله عنه المشي في طلب العلم. وإيثار المواضع الخالية للسُّؤال. وإجابة السَّائل لذلك. وارتكاب المشقَّة في الاستفادة. وابتداء الطَّالب بالسُّؤال.

وفي الحديث أيضًا تقديم الخطبة على التَّعليم، وتقريب البعيد في الطَّاعة، وتسهيل المشقَّة فيها بحسن التلطُّف والتَّدريج إليها. قيل ويستنبط منه جواز تغيير مادة البناء من الأوقاف بما هو أقوى منها وأنفع، والله أعلم.

[1] في (خ) (( هو ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت