2024 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن عيينة (عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ) بفتح المثناة
ج 9 ص 625
التحتية وسكون العين المهملة وضم الفاء آخره راء منصرفًا، هو عبد الرَّحمن بن عبيد البكائي الثَّعلبيِّ العامريِّ الكوفيِّ التَّابعي، المعروف بأبي يعفور الأصغر، وفيهم أبو يعفور آخر تابعي كبير اسمه وقدان. وفي رواية أحمد عن سفيان، عن ابن عبيد بن فسطاس وهو أبو يعفور المذكور في هذا السَّند.
(عَنْ أَبِي الضُّحَى) مسلم بن صُبيح، مصغَّر صبح، وقد مرَّ في باب التَّسبيح في السُّجود [خ¦817] (عَنْ مَسْرُوقٍ) هو ابنُ الأجدع (عَنْ عَائِشَةَ) أمِّ المؤمنين (رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ) أي الأخير. وقد صرَّح به في حديث عليٍّ رضي الله عنه عند ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق عاصم بن ضمرة، عنه. والمعنى إذا دخل العشر الأخير من رمضان.
(شَدَّ مِئْزَرَهُ) بكسر الميم وسكون الهمزة ويجوز التخفيف؛ أي إزاره، كقولهم ملحفة ولحاف. وفي رواية مسلم (( جدَّ وشدَّ المئزر ) ). وفي «التَّلويح» المئزرُ والإزارُ ما يأتزرُ به الرَّجل من أسفله، وهو يذكَّر ويؤنَّث، قيل هو كنايةٌ عن شدَّة جدِّه واجتهاده في العبادة زائدًا على ما هو عادته صلى الله عليه وسلم، كما يقال فلان يشدُّ وسطه ويسعى في كذا. وفيه نظرٌ فإنَّها قالت (( جدَّ وشدَّ المئزر ) )فعطفت شدَّ المئزر على الجدِّ، والعطف يقتضي المغايرة، والرِّوايات يفسِّر بعضها بعضًا.
وعن الثَّوري أنَّه من ألطفِ الكنايات عن اعتزال النِّساء، وبذلك فسَّره السَّلف والأئمَّة المتقدِّمون، وجزم به عبد الرَّزَّاق عن الثَّوري، واستشهد بقول الشَّاعر
~قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُم عَنِ النِّساءِ وَلَو بَاتَتْ بِأَطْهَارِ
وذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عيَّاش نحوه.
وقال الخطَّابي يحتمل أن يريد به الجد في العبادة كما يقال شددتُ لهذا الأمر مئزري؛ أي تشمَّرت له، ويحتمل أن يراد التَّشمير والاعتزال معًا، ويحتمل أن يراد الحقيقة والمجاز كمن يقول طويل النِّجاد؛ لطويل القامة، وهو طويل النِّجاد حقيقة، فيكون المراد شدَّ مئزره حقيقة فلم يحلَّه، واعتزل النِّساء وشمَّر للعبادة، وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة (( شدَّ مئزره واعتزل النِّساء ) )، فعطفه بالواو، فافهم.
وقد كان صلى الله عليه وسلم يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثمَّ يعتزل النِّساء، ويتفرَّغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
وعند ابن أبي عاصم بإسنادٍ مقاربٍ عن عائشة رضي الله عنها
ج 9 ص 626
(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدَّ المئزر واجتنب النِّساء ) ).
وفي حديث أنسٍ رضي الله عنه عند الطَّبرانيِّ (( كان صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النِّساء ) ).
وقال القرطبيُّ وقد ذهب بعض أئمَّتنا إلى أنَّه عبارة عن الاعتكاف، قال وفيه بعد لقوله الآتي (( وأيقظ أهله ) ). وهذا يدلُّ على أنَّه صلى الله عليه وسلم كان معهم في البيت، وهو صلى الله عليه وسلم في حال اعتكافه كان في المسجد، وما كان يخرج منه إلَّا لحاجة الإنسان. وفيه نظر؛ لأنَّه قد تقدَّم حديث (( اعتكف مع النَّبي صلى الله عليه وسلم امرأةٌ من أزواجه ) ) [خ¦309] ، وعلى تقدير أنَّه لم يعتكف أحدٌ منهنَّ فيحتمل أن يوقظهنَّ من موضعه من باب الخوخة التي كانت له إلى بيته من المسجد، وأن يوقظهنَّ عندما يدخل البيت لحاجته، والله أعلم.
(وَأَحْيَا لَيْلَهُ) والمراد ليالي العشر الأخير؛ أي اجتهد فيها بالعبادات لئلَّا تفوته ليلة القدر، فإنَّه إذا أحيا ليالي العشر لم يفته شفعٌ ولا وترٌ. وقيل لأنَّ عمل العشر الأخير آخر العمل، فينبغي أن يحرصَ على تجويد الخاتمة.
ونسبة الإحياء إلى اللَّيل مجازٌ، والمعنى أحيا نفسه بسهره فيه، فإنَّ النَّوم أخو الموت، فإذا حيى فيه باليقظة حيى ليله بحياته، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (( لا تجعلوا بيوتكُم قبورًا ) )أي لا تناموا، فتكونوا كالأموات، فتكون بيوتكم كالقبور.
وفي «الصَّحيح» من حديث عائشة رضي الله عنها (( أحيا اللَّيل كلَّه ) ).
قال الشَّيخ زينُ الدِّين العراقي والظَّاهر _ والله أعلم _ معظم اللَّيل، بدليل قولها في الحديث الصَّحيح (( ما علمته قام ليلةً حتَّى الصَّباح ) ).
وقال النَّووي وقولها (( أحيا اللَّيل ) )أي استغرقه بالسَّهر في الصَّلاة وغيرها؛ أي من العبادات. قال وفيه استحباب إحياء لياليه بالعبادات، قال وأمَّا قول أصحابنا يكره قيام اللَّيل فمعناه الدَّوام عليه، ولم يقولوا بكراهة ليلة وليلتين والعشر. وقد اتَّفقوا على استحباب إحياء ليلتي العيد وغير ذلك، والله أعلم.
(وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ) أي للصَّلاة والعبادة، وروى التِّرمذي من حديثِ عليٍّ رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يُوقِظ أهله في العشر الأواخر
ج 9 ص 627
من رمضان )) ، وقال هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروى أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها ) )، وقال هذا حديثٌ حسنٌ غريب. وروى محمَّد بنُ نصر من حديث زينب بنت أمِّ سلمة رضي الله عنهما (( لم يكنِ النَّبي صلى الله عليه وسلم إذا بقي من رمضان عشرة أيَّام يدعُ أحدًا من أهله يُطيق القيام إلَّا أقامه ) ).
وحديث الباب أخرجه مسلمٌ أيضًا في الصَّوم، وأخرجه أبو داود في الصَّلاة، وكذا النَّسائي، وأخرجه ابن ماجه في الصَّوم.
تتميم قد وقع في نسخة الصَّغاني قبل هذا الباب في آخر باب تحرِّي ليلة القدر ما نصُّه
أي البخاري هو ابن يَريم _ بفتح المثناة التحتية _ بوزن عظيم من الإجهاز _ بالجيم والزاي _؛ أي يكمِّل القتل، يعني أنَّه كان أعان المختار بن أبي عبيد الثَّقفي لمَّا غلب على الكوفة في خلافة عبد الله بن الزُّبير، ودعا إلى المطَّلب بدم الحسين بن عليِّ رضي الله عنه، فأطاعه أهل الكوفة ممَّن كان يوالي أهل البيت، فقتل المختار في الحرب وغيرها ممَّن اتُّهم بقتل الحسين رضي الله عنه خلائق كثيرة.
والمراد بهذا الحديث ما أخرجه التِّرمذي من طريق أبي إسحاق السَّبيعي عن هبيرة، عن عليٍّ رضي الله عنه (( أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله في العشر الأخير من رمضان ) ). وقد تقدَّم آنفًا.
وأخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبو يعلى من طرق متعدِّدة عن أبي إسحاق، وكأنَّ من وثَّق هبيرة لم يؤثِّر ذلك فيه عنده قدمًا؛ لأنَّه كان متأوِّلًا، ولذلك صحَّح التِّرمذي حديثه ووثَّق هبيرة.
وهو كوفيٌّ نخعيٌّ، وحديثه ما أخرجه التِّرمذي من رواية عبد الواحد بن زياد، عنه، عن إبراهيم النَّخعي، عن الأسود بن يزيد، عن عائشة رضي الله عنها قالت (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيرها ) ). وقد تقدَّم أيضًا، وأخرجه مسلم، والنَّسائي، وابن ماجه من رواية عبد الواحد أيضًا.
وقد تفرَّد بهذا الحديث عن إبراهيم، وتفرَّد به عبد الواحد بن زياد عن الحسن، ولذلك استغربه التِّرمذي، وقال بعد تخريجه حسن غريب.
ج 9 ص 628
وأمَّا مسلم فصحَّح حديثه لشواهده على عادته، وتجنَّب حديث علي رضي الله عنه للمعنى الذي ذكره البخاري أو لغيره، واستغنى البخاري عن الحديثين بما أخرجه في هذا الباب من طريق مسروق عن عائشة رضي الله عنها [خ¦2024] .
وعلى هذا فمحلُّ الكلام المذكور أن يكون عقب حديث مسروق في هذا الباب لا قبله، وكأنَّ ذلك من بعض النُّسَّاخ.
وفي حديث الباب الحرص على مداومة القيام في العشر الأخير من رمضان إشارة إلى الحثِّ على تحسين الخاتمة، ختم الله لنا بخير آمين.