183 - (حَدّثَنا إِسْمَاعِيلَ) هو ابن أبي أويس الأصبحي (قالَ حَدَّثنِي) بالإفراد إمام دار الهجرة (مَالِكٌ) وهو خال إسماعيل المذكور (عن مَخْرمَةَ) بفتح الميم وسكون المعجمة وفتح الراء (بنِ سُليمانَ) الوَالِبِي المدني، مات بالحجاز سنة ثلاث ومئة (عن كُريبٍ) بصيغة التصغير (مَوْلَى ابنِ عبَّاسٍ) رضي الله عنهما، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الصلاة في الموضعين أيضًا [خ¦992] [خ¦1198] ، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا، وكذا أخرجه أبو داود، والترمذي في (( الشمائل ) )وابن ماجه في الطهارة أيضًا.
(أنَّ عبدَ اللَّهُ بنَ عباسٍ) رضي الله عنهما (أخبرهُ أنَّه باتَ ليلةً عندَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهِيَ خَالَتُهُ) أي وهو ذو رحم محرم منها (فَاضْطَجَعْتُ) أي وضعت جنبي على الأرض، وكأن مقتضى الظاهر أن يقول اضطجع بصورة الماضي مناسبة لقوله بات، أو يقول بت مناسبة لقوله اضطجعت، لكنه سلك مسلك التفنن وهو نوع من الالتفات، ويمكن أن يُقدَّر قبل قوله (فاضطجعت) لفظ قال؛ أي قال ابن عباس فاضطجعت.
(فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ) بفتح العين وسكون الراء، وهو أقصر الامتدادين والطول بخلافه وهو المشهور، وروي بالضم أيضًا، أنكره أبو الوليد الباجي من جهة النقل، ومن جهة المعنى أيضًا قال لأن العرض بالضم هو الجانب وهو لفظ مشترك، وأجاب عنه الحافظ العسقلاني بأنه لمَّا قال في طولها تعين المراد، وقد صحت به الرواية عن جماعة منهم الداودي، وحاتم الطرابلسي، والأَصيلي، فلا وجه لإنكاره، والوسادة المتكأ، يقال توسده ووسَّده إياه.
وفي (( المجمل ) )الوِسَاد ما يتوسد للمنام والجمع وسائد، وفي (( الصحاح ) )الوِسَاد والوِسادة، والوِسادةُ المِخدَّة، والجمع وسائد ووسد، وزعم ابن التِّين أن الوِساد الفراش الذي ينام عليه، فكأن اضطجاع ابن عباس في عرضها عند رؤوسهما أو أرجلهما على ما قاله أبو الوليد، وقال النووي هذا باطل.
(وَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُهُ) أي زوجته أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها (فِي طُولِهَا) أي طول الوسادة، وفيه استحباب اضطجاع الرجل مع المرأة في فراش واحد (فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ اللَّيْلُ، أَوْ قَبْلَهُ) أي قبل انتصافه قَبْلِية مُلْتَبسة (بِقَلِيلٍ أَوْ بَعْدَهُ) أي بعد انتصافه (بِقَلِيلٍ) أيضًا (اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) فكلِمة (أو) للشك و (قبله) ظرف لقوله «استيقظ» إذا جعلت (إذا) ظرفية؛ أي استيقظ وقت الانتصاف أو قبله أو بعده، أو متعلق بفعل مقدر إذا جعلت شرطية واستيقظ جزاءها، والتقدير حتى إذا انتصف أو كان قبله استيقظ، وفي رواية بدون «إذا» فحينئذ يكون قوله «قبله» [متعلقًا] [1] بفعل مقدر أيضًا، والتقدير كذلك لكن يقول قوله (استيقظ) استئنافًا بيانيًا، فيكون المعنى على هذا فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى انتصاف الليل، أو إلى ما قبله، أو ما بعده فكأنه قيل ثمَّ ماذا فعل؟ فقال استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فَجَلَسَ) حال كونه (يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ) اللطيف (بِيَدِهِ) بالإفراد، وفي نسخة فعلى هذا يكون قوله يمسح خَبَرُ قوله (فجعل) ؛ لأنه من أفعال المقاربة، ومسح النوم مَجازٌ من باب إطلاق اسم الحال على المحل، فإن المسح لا يقع إلا على العين لا على النوم فالمعنى يمسح عينيه، وقيل المراد أثر النوم من باب إطلاق السبب على المسبب، وتُعُقِب بأن أثر النوم من النوم لأنه نفسه، وأجيب عنه بأن المراد من الأثر هنا ارتخاء الجفون ونحوه من النوم، وليس هو نفس النوم كما لا يخفى.
(ثُمَّ قَرَأَ) صلى الله عليه وسلم (الْعَشْرَ الآيَاتِ) بإضافة العشر إلى الآيات، ويجوز دخول اللام على العدد عند الإضافة نحو الثلاثة الأثواب، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف (الْخَوَاتِمَ)
ج 2 ص 182
بالنصب؛ لأنه صفة العشر وهي جمع خاتمة؛ أي الأواخر (مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ) وهي من قوله تعالى {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} [آل عمران 190] إلى آخر السورة.
(ثُمَّ قَامَ إِلَى شَنٍّ [2] ) بفتح الشين المعجمة وتشديد النون، وهو وعاء الماء إذا كان من أَدَم فأخلق، وجمعه شِنان بكسر الشين (مُعَلَّقَةٍ، فَتَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم (مِنْهَا فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) أي أتمَّه بأن أتى بمندوباته، فإن قيل تقدم هذا الحديث في باب التخفيف [خ¦138] هكذا فتوضأ من شن معلق وضوءًا خفيفًا بتذكير وصف الشن، وتوصيف الوضوء بالخفة وهنا أنَّثَ الوصف، ووصف الوضوء بالإحسان وهو الإتيان بجميع مندوباته فما وجه الجمع بينهما؟
فالجواب أنَّ الشن يُذَكَّر ويؤنث، فالتذكير باعتبار لفظه أو باعتبار الأدم أو الجلد، والتأنيث باعتبار القربة، وإتمام الوضوء لا ينافي التخفيف؛ لأنه يجوز أن يكون أتمه بجميع مندوباته مع التخفيف، أو كان هذا في وقت وذاك في وقت آخر.
(ثُمَّ قَامَ) صلى الله عليه وسلم (يُصَلِّي قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ) صلى الله عليه وسلم؛ أي توضأت نحوًا مما توضأ كما صرح به في باب التخفيف، قيل ويحتمل أن يريد به أعم من ذلك فيشمل النوم حتى انتصاف الليل، ومسح العينين عن النوم، وقراءة العشر الآيات، والقيام إلى الشن، والوضوء وإحسانه. هذا، وفيه تأمُّلٌ.
(ثُمَّ ذَهَبْتُ، فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ) أي الأيسر يدل عليه قوله (فَوَضَعَ) صلى الله عليه وسلم (يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى رَأْسِي) أي فأدارني عن يمينه (وَأَخَذَ بِأُذُنِي الْيُمْنَى) حال كونه (يَفْتِلُهَا) أي يدلكها ويعركها تنبيهًا عن الغفلة عن أدب الائتمام، وهو القيام على يُمْنَة الإمام إذا كان وحده أو إظهارًا للمحبة.
وقال محمود العيني لم يكن فَتْلُهُ أُذْنَه إلا لأجل أنه لما وقف بجنبه اليسار أخذ أُذُنَه وعَرَكها وأداره إلى يمينه، انتهى. فافهم.
(فَصَلَّى) صلى الله عليه وسلم (رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ رَكْعَتَيْنِ) ست مرات؛ أي صلى اثنتي عشرة ركعة وهو يقيد المطلق في باب التخفيف حيث قال فيه فصلى ما شاء الله (ثُمَّ أَوْتَرَ) بثلاث ركعات فيكون المجموع خمس عشرة ركعة أو بواحدة ضامًَّا إياها إلى الشفع الأخير فيكون المجموع ثلاث عشرة
ج 2 ص 183
ثلاث منها وتر وذلك عندنا معاشر الحنفية، وذلك لأنه ورد النهي عن البُتَيْراء وهي التنفل بركعة واحدة، وقالت الشافعية أوتر بواحدة فردة (ثُمَّ اضْطَجَعَ) صلى الله عليه وسلم (حَتَّى أَتَاهُ الْمُؤَذِّنُ، فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنة الفجر (ثُمَّ خَرَجَ) من الحُجْرَة المطهرة إلى المسجد الشريف (فَصَلَّى الصُّبْحَ) بأصحابه رضي الله عنهم.
قال ابن بطال ومن تبعه فيه جواز قراءة القرآن للمحدث وردٌّ على من كَرِه ذلك؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآيات بعد قيامه من النوم قبل الوضوء، وتعقبه ابن المُنيِّر وغيره بأن ذلك مُفَرَّع على أن النوم في حقه ناقض، وليس كذلك فإنه قال «تنام عيني ولا ينام قلبي» ، وأما كونه توضأ عقيب ذلك فلعله جدد الوضوء أو أحدث بعد ذلك فتوضأ.
وقال الحافظ العسقلاني وهو تَعقبٌ جيد بالنسبة إلى كلام ابن بطال حيث قال بعد قيامه من النوم؛ لأنه لم يتعين كونه أحدث في النوم، لكن لما عَقَّبَ ذلك بالوضوء كان ظاهرًا في كونه أحدث فيه، ولا يلزم من كون نومه لا ينقض أن لا يقع منه حدث وهو نائم، نعم إن وقع شعر به بخلاف غيره وما ادعوه من التجديد وغيره فالأصل عدمه، وقد سبق الإسماعيلي في معنى ما ذكره ابن المنير.
هذا وما قاله محمود العيني من أنَّ قوله ولا يلزم من كون نومه لا ينقض وضوءه ... إلى آخره غير مُسلَّم بل يلزم من كون نومه لا ينقض أن لا يقع منه حدث في حالة النوم؛ لأن هذا من خصائصه فيلزم على قول هذا القائل أن لا يفرق بين نوم النبي صلى الله عليه وسلم ونوم غيره، ففيه غفلة من قول ذلك القائل، نعم إن وقع شَعَرَ به بخلاف غيره، وما قاله أيضًا من أن قوله وما ادعوه من التجديد وغيره فالأصل عدمه فيه أن ذلك عند عدم قيام الدليل، وهنا قام الدليل على أن وضوءه لم يكن لأجل الحدث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم «تنام عيناي ولا ينام قلبي» فحينئذ يكون تجديد الوضوء لأجل طلب زيادة النور حيث قال «الوضوء على الوضوء نور على نور [3] » ففيه أيضًا أنه لا يتعين ذلك كما لا يخفى.
وقال الحافظ العسقلاني والأظهر أن مناسبة الحديث للترجمة من حيث أن مضاجعة الأهل في الفراش لا تخلوا عن الملامسة.
وتَعَقَّبه محمود العيني بأنا لا نسلم وجودَ ذلك على التحقيق، ولئن سلَّمنا ذلك
ج 2 ص 184
فمراده من الملامسة إما اللمس باليد، وإما الجماع فإن كان الأول فلا نقض للوضوء أصلًا لا سيما في حقه صلى الله عليه وسلم، وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه «كان يُقبِّل بعض أزواجه ثمَّ يصلي ولا يتوضأ» رواه أبو داود والنسائي، كما هو مذهب الحنفية، وإن نازعت فيه الشافعية بأن المذهب هو الجزم بانتقاضه على ما قاله النووي، وإن كان الثاني فيحتاج إلى الاغتسال ولم يوجد هذا أصلًا في هذه القصة، والظاهر أن البخاري وضع هذا الحديث في هذا الباب بناء على ظاهره حيث توضأ بعد قيامه من النوم، وإلا فلا مناسبة في وضع هذا الحديث هاهنا، فافهم.
وفي الحديث أيضًا جواز الاضطجاع عند المحرم، وإن كان زوجها عندها، وفيه أيضًا استحباب صلاة الليل وقراءة الآيات المذكورة بعد الانتباه من النوم، وفيه أيضًا جواز عَرْك أُذُن الصغير لأجل التأديب أو لأجل المحبة، وفيه أيضًا استحباب مجيء المؤذن إلى الإمام وإعلامه بإقامة الصلاة، وفيه أيضًا تخفيف ركعتي سنة الفجر مع مراعاة آدابها، وفيه غير ذلك.
تنبيه روى مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما كراهة ذِكْرِ الله بعد الحَدَث، لكن على غير شرط المؤلِّف.
[1] زيادة توضيحية.
[2] في هامش الأصل أي القربة الخلقة.
[3] (( على نور ) )ليست في (خ) .