2051 - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ) هو محمَّد بن أبي عَدِي _ بفتح العين المهملة وكسر الدال المهملة _ واسم أبي عديٍّ إبراهيم البصريُّ، مولى بني سليم.
ج 10 ص 15
(عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هو عبدُ الله بن عَوْن _ بفتح العين المهملة وسكون الواو وبالنون _، ابن أَرْطبان (عَنِ) عامر بن شَراحيل (الشَّعْبِيِّ) بفتح الشين وسكون العين، أنَّه قال (سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وحَدَّثَنَا) وفي نسخة .
(عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ) سفيان (عَنْ أَبِي فَرْوَةَ) بفتح الفاء وسكون الراء، هو عروة بن الحارث الهَمْداني الكوفي، المشهور بأبي فروة الأكبر، ولهم أبو فروة الأصغر الجهني، الكوفي، واسمه مسلم بن سالم، ما له في البخاريِّ سوى حديثٍ واحدٍ في (( أحاديث الأنبياء عليهم السلام ) ) [خ¦3370] .
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) أنَّه قال (سَمِعْتُ النُّعْمَانَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) ضدُّ القليل، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) أي الثوريُّ (عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عن الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرِ) رضي الله عنه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمْ) وفي رواية الأولى ، وقد تقدَّم في (( الإيمان ) )الردُّ على من نفى سماعه من النَّبي صلى الله عليه وسلم [خ¦52] .
(الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُما أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ) أي على بعض النَّاس بدليل قوله في رواية (( لا يعلمها كثيرٌ من النَّاس ) )لا أنَّها مشتبهةٌ في أنفسها غير محرَّمةٍ أو محلَّلة؛ لأنَّ الله تعالى بعث الرسول صلى الله عليه وسلم مبيِّنًا لأمته جميع ما بهم الحاجة إليه من أمر دينهم من الحلال والحرام، قالوا الأشياء ثلاثة أقسام
حلالٌ واضحٌ كأكل الخبز، وحرامٌ واضحٌ كالسَّرقة، والذي ليس بواضحٍ الحلُّ والحرمة، ولا يعرفه إلا العلماء.
وهذا تقسيمٌ صحيحٌ؛ لأنَّ الشيء إمَّا أن ينصَّ على طلبه مع الوعد على فعله أو معه، ومع الوعيد على تركه، أو ينصَّ على تركه مع الوعيد على فعله، أو لا ينصَّ على واحدٍ منهما، فالأوَّل الحلال البيِّن، والثاني الحرام البيِّن، فمعنى قوله (( الحلال بيِّن ) )أي لا يحتاج إلى بيانه، أو يشترك في معرفته كلُّ أحدٍ، وكذا قوله (( الحرام بيِّن ) )، وأمَّا الثالث فهو مشتبهٌ لخفائه، فلا يدري هل هو حرامٌ أو حلال، فإنَّ الأصل في الأشياء مختلفٌ فيه حظرٌ أو إباحة، وقد يردان على شيءٍ واحد جميعًا. فإن علم المتأخِّر منهما وإلَّا فقد اشتبه، وما كان هذا سبيله ينبغي اجتنابه؛ لأنَّه إن كان في نفس الأمر حرامًا فقد برئ من تبعتها، وإن كان حلالًا فقد أجر على تركه بهذا القصد.
ج 10 ص 16
وهذا المراد من قوله صلى الله عليه وسلم (فَمَنْ تَرَكَ مَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ) أي من جهة الإثم، هل فيه إثمٌ أو لا (كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ) أي ظهر تحريمه (أَتْرَكَ وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ) لأنَّ متعاطي الشُّبهات قد يصادف الحرام وإن لم يتعمَّده، أو يقع فيه لاعتياده التَّساهل.
(وَالْمَعَاصِي حِمَى اللَّهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ) قال الخطابي كلُّ شيءٍ يشبه الحلال من وجهٍ والحرام من وجه فهو شبهةٌ، فالحلال البيِّن ما علم ملكه يقينًا لنفسه، والحرام البيِّن ما علم ملكه يقينًا لغيره، والشُّبهة ما لا يدرى أهو له أو لغيره، فالورع اجتنابه. ثمَّ الورع على أقسام واجبٌ كالذي قلنا، ومستحبٌّ كاجتناب معاملة مَن أكثر ماله حرام، ومكروهٌ كالاجتناب عن قبول رُخص الله والهدايا.
ومن جملته أن يدخلَ الخراسانيُّ مثلًا بغداد ويمتنع من التزوُّج بها مع الحاجة إليه بزعم أنَّ أباه كان ببغداد، فربما تزوَّج بها وولدت له بنت فتكون هذه المنكوحة أختًا له، انتهى.
وقد تقدَّم هذا الحديث والكلام عليه في فضل من استبرأَ لدينه وعرضه، في كتاب (( الإيمان ) ) [خ¦52] ، وقد توارد أكثر الأئمة المخرجين على إيراده في كتاب (( البيوع ) )؛ لأنَّ الشبه في المعاملات تقع فيها كثيرًا، أو له تعلُّقٌ أيضًا بالنكاح وبالصِّيد والذَّبائح والأطعمة والأشربة، وغير ذلك ممَّا لا يخفى.
واستنبط منه بعضُهم منع إطلاق الحلال والحرام على ما لا نصَّ فيه؛ لأنَّه من جملة ما لم يستبن، لكنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( لا يعلمها كثيرٌ من النَّاس ) )كما في رواية يشعر بأنَّ منهم من يعلمها، والله أعلم.
فائدة هذا الحديث أخرجه المؤلِّف من أربع طرق للتَّقوية والتَّأكيد، أورده أوَّلًا من طريق عبد الله بن عَون عن الشعبيِّ، ثمَّ من طريق ابن عُيينة، عن أبي فَروة، عن الشعبيِّ من طريقين
طريق عليِّ بن عبد الله بن المدينيِّ، وطريق عبد الله بن محمد المسنَديِّ، صرَّح تارةً بالتحديث لابن عيينة من أبي فرَوة، وثانيًا بالتَّصريح بسماع أبي فَروة من الشعبي.
وقد أخرجه الحميديُّ في «مسنده» عن ابن عُيينة فصرَّح فيه بتحديث أبي فَروة له، وبسماع
ج 10 ص 17
أبي فَروة من الشَّعبيِّ، وبسماع الشَّعبي من النُّعمان رضي الله عنه على المنبر، وبسماع النُّعمان رضي الله عنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثمَّ ساقه المؤلف من طريق سفيان الثوريُّ، عن أبي فروة بلفظه كما صرَّح بذلك أبو نُعيم في «المستخرج» .
وأمَّا لفظ ابن عيينة فقد أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» ، والإسماعيليُّ من طريقه ولفظه (( حلال بيِّن وحرامٌ بيِّن، ومشتبهاتٌ بين ذلك ) )فذكره، وفي آخره (( ولكلِّ ملكٍ حمى وحمى الله في الأرضِ معاصيه ) ).
وأمَّا لفظ ابن عَونٍ فأخرجه أبو داود والنَّسائي وغيرهما بلفظ (( إنَّ الحلال بيِّن وإنَّ الحرام بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات _ وأحيانًا يقول مشتبهة _ وسأضربُ لكم في ذلك مثلًا إنَّ الله تعالى حَمى حِمًى، وإنَّ حمى الله ما حرَّمه، وإنَّه من يرعَ حول الحمى يوشكْ أن يخالطَه، وأنَّ من يخالطْ الريبة يوشكْ أن يخسرَ ) ).