فهرس الكتاب

الصفحة 323 من 11127

185 - (حَدَّثَنا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ)

ج 2 ص 188

التِّنِّيسيُّ (قالَ أَخْبَرَنَا) وفي رواية (مَالكٌ) إمام الأئمة (عَنْ عَمروٍ بْنِ يَحْيَى) بن عمارة، بضم العين المهملة وتخفيف الميم (المَازِنِيِّ) وقد تقدم ذكرهم [خ¦22] (عَنْ أبِيهِ) يحيى بن عُمَارة بن أبي حسن، واسمه تميم بن عبد عمرو بن قيس، وأبو حسن له صحبة، وكذا لعمارة فيما جزم به ابن عبد البر، وقال أبو نعيم فيه نظر.

وقال الذهبي عمارة بن أبي حسن الأنصاري المازني له صحبة، وقيل أبوه بدريٌّ وعَقَبيٌّ، ورجال هذا الإسناد كلهم مدنيون إلا عبد الله بن يوسف، وقد دخلها أيضًا، وفيه رواية الابن عن الأب، وقد أخرج متنه المؤلِّف في الطهارة في خمسة مواضع [خ¦186] [خ¦191] [خ¦192] ، وأخرجه مسلم والأربعة في الطهارة أيضًا.

(أنَّ رَجُلًا قالَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ) الأنصاري رضي الله عنه (وَهْوَ) أي ذلك الرجل (جَدُّ عَمْرِو بنْ يَحْيَى) المازني المذكور مجازًا لا حقيقة؛ لأنه عم أبيه، وسماه جَدًا لكونه في منزلته، ووهم من زعم أن المراد بقوله وهو عبد الله بن زيد؛ لأنه ليس جَدًا لعمرو بن يحيى لا حقيقة ولا مجازًا.

وأما قول صاحب (( الكمال ) )ومن تبعه في ترجمة عمرو بن يحيى إنَّه ابن بنت عبد الله بن زيد فهو غلط تُوهِّم من هذه الرواية، وقد ذكر محمد بن سعد أن أم عمرو بن يحيى هي حميدة بنت محمد بن إياس بن البكير، وقال غيره هي أم النعمان بنت أبي حية والله أعلم.

وقد اختلف رواة (( الموطأ ) )في تعيين هذا الرجل فأبهمه أكثرهم، وقال معن بن عيسى في روايته عن عمرو، عن أبيه يحيى أنه سمع أبا محمد بن أبي حسن وهو جد عمرو بن يحيى قال لعبد الله بن زيد وكان من الصحابة فذكر الحديث، وقال محمد بن الحسن الشيباني عن مالك حدَّثنا عمرو، عن أبيه يحيى أنه سمع جده أبا حسن يسأل عبد الله بن زيد، وكذا ساقه سُحنون في (( المدونة ) ).

وقال الشافعي في (( الأم ) )عن مالك عن عمرو عن أبيه قال قلت ... إلى آخره، والذي يجمع هذا الاختلاف أن يقال اجتمع عند عبد الله بن زيد أبو حسن الأنصاري، وابنه عمرو، وابن ابنه يحيى بن عمارة بن أبي حسن فسألوه [1] عن صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وتولى السؤال منهم له عمرو بن أبي حسن فحيث نُسب إليه السؤال كان على الحقيقة، ويؤيده رواية سليمان بن بلال عند البخاري في باب الوضوء من التَّورِ [خ¦199] قال حدثني عمرو بن يحيى، عن

ج 2 ص 189

أبيه قال كان عمي يعني عمرو بن أبي حسن يُكثِر الوضوء، فقال لعبد الله بن زيد أخبرني فذكره، وحيث نُسب السؤال إلى أبي حسن فعلى المجاز لكونه كان الأكبر وكان حاضرًا، وحيث نُسب السؤال ليحيى بن عمارة، فعلى المجاز أيضًا لكونه ناقل الحديث، وقد حضر السؤال، ووقع في رواية مسلم، عن محمد بن الصبَّاح، عن خالد الواسطي، عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد قال قيل له توضأ لنا فذكره مبهمًا، وفي رواية الإسماعيلي من طريق وهب بن بَقِية عن خالد المذكور بلفظ قلنا له، وهذا يؤيد الجمع المتقدم من كونهم اتفقوا على سؤاله غير أن متولي السؤال منهم عمرو بن أبي حسن، ويزيد ذلك وضوحًا ما رواه أبو نعيم في (( المستخرج ) )من حديث الدَّراوردي عن عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عمه عمرو بن أبي حسن قال كنتُ كثير الوضوء فقلت لعبد الله زيد، فذكر الحديث.

(أَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُرِيَنِي) من الإراءة (كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَوَضَّأُ؟) فيه ملاطفة الطالب للشيخ، وكأنه أراد أن يُرِيه بالفعل ليكون أبلغ في التعليم، وسبب الاستفهام ما قام عنده من احتمال أن يكون الشيخ نسي ذلك لبعد العهد.

(فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ) رضي الله عنه (نَعَمْ) أستطيع أن أريك (فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَفْرَغَ) أي فصب الماء (عَلَى يَدَيْهِ) بالتثنية، وفي رواية بالإفراد على إرادة الجنس، وفي رواية موسى عن وهيب بهمزتين، وفي رواية سليمان بن حرب في باب مسح الرأس مرة [خ¦192] ، عن وهيب «فكفأ» بفتح الكاف، وهما لغتان بمعنى يقال كفأ الإناء وأكفأه إذا أماله، وقال الكسائي كفأت الإناء كَبَبته وأكفأته أَمَلْته، والمراد في الموضعين إفراغ الماء من الإناء على اليد.

(فَغَسَلَ يده مَرَّتَيْنِ) بإفراد اليد في رواية مالك، فيحمل على الجنس، وتثنية اليد في رواية وهيب وسليمان بن بلال عند المؤلِّف، وكذا الدَّراوردي عند أبي نعيم، وفي رواية سقط لفظ يده، ثمَّ إنه عند مالك مرتين، وعند غيره من الحفَّاظ ثلاثًا فزيادتهم مُقدَّمة على رواية الحافظ الواحد، ولا يحمل على واقعتين؛ لأن المخرج واحد، والأصل عدم التعدد، ثمَّ في غسل اليدين إلى الرسغين خمسة أقوال

الأول إنَّه سُنَّة وهو المشهور عندنا كما في (( المحيط ) (( المبسوط ) )، ويدل عليه أنه عليه السلام لم يتوضأ قط إلا غسل يديه، وفي (( المنافع ) )تقديم غسلهما إلى الرسغين سنة تنوب عن الفرض كالفاتحة تنوب عن الواجب وفرض القراءة.

الثاني إنَّه مستحب للشاك في طهارة يده، كذا روي عن مالك.

الثالث إنَّه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار، قاله أحمد.

الرابع إنَّ من شك هل أصابت يده نجاسة أم لا يجب غسلهما في مشهور مذهب مالك.

الخامس إنَّه واجب على المنتبه من النوم مطلقًا، وبه قال داود وأصحابه.

(ثُمَّ مَضْمَضَ) كلمةُ ثُمَّ في ستة مواضع في هذا الحديث للترتيب؛ لأن (ثمَّ) تُستعمل لثلاثة معان التشريك في الحكم، والترتيب،

ج 2 ص 190

والمهلة، والمراد من الترتيب هنا هو الترتيب في الذِّكر لا في الحكم، ولا حاجة إلى أن يقال إنها في الحديث بمعنى الواو، وليست على معناها الأصلي وهو الإمهال (وَاسْتَنْثَرَ) وفي رواية الكشميهني .

قال الحافظ العسقلاني والاستنثار يستلزم الاستنشاق بلا عكس، وتعقَّبه محمود العيني بأن ابن الأعرابي وابن قتيبة جعلاهما واحدًا، وقد مرَّ في المضمضة والاستنشاق، وقد ذكر في رواية وهيب الثلاثة، وزاد بعد قوله

(ثَلاَثًا) «بثلاث غرفات» [خ¦192] ، وقد مر ما يتعلق بهذا أيضًا فليراجع (ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ) بالتكرار، ولم تختلف الروايات عن عمرو بن يحيى في غسل اليدين مرتين مرتين، لكن في رواية مسلم من طريق حبان بن واسع، عن عبد الله بن زيد أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم توضأ، وفيه «ويده اليمنى ثلاثًا ثمَّ الأخرى ثلاثًا» فيحمل على أنه وضوء آخر لكون مَخْرَجِ الحديثين غير مُتَّحد.

(إِلَى) أي مع (الْمِرْفَقَيْنِ) كذا في رواية الأكثرين، وفي رواية المستملي والحموي بالإفراد على إرادة الجنس وهو بفتح الميم وكسر الفاء، وفي رواية بكسر الميم وفتح الفاء؛ مفصل الذراع والعضد، وسُمِّي به؛ لأنه يُرتفق به في الاتكاء وهما يدخلان في غسل اليدين عند الجمهور، خلافًا لزُفَر ومالك في رواية أشهب عنه.

وقد روى الدارقطني بإسناد حسن من حديث عثمان رضي الله عنه في صفة الوضوء «فغسل يديه إلى المرفقين حتى مَسَّ أطراف العضدين» ، ومن حديث جابر أيضًا «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه» ، لكن إسناده ضعيف، وروى البزار والطبراني من حديث وائل ابن حُجْر في صفة الوضوء «وغسل ذراعيه حتى جاور المرفق» .

وروى الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عَبَّاد العبدي، عن أبيه مرفوعًا «ثمَّ يغسل ذراعيه حتى يسيل الماء على مرفقيه» ، فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، وقد مر ما يتعلق بهذا البحث في أول هذا الكتاب [خ¦166] .

ثمَّ إن غسل اليد هاهنا غسلُها من أول الأصابع أو غسل ذراعيه فقط؟ فيه خلاف؛ ففي الأصل غسل ذراعيه لا غير؛ لتقدم غسل اليدين إلى الرسغ مرة. وفي (( الذخيرة ) )الأصح عندي أنه يعيد غسل اليدين ظاهرهما وباطنهما؛ لأن الأول كان سنة افتتاح الوضوء فلا ينوب عن فرض الوضوء.

(ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ) وزاد ابن الطباع في روايته ،

ج 2 ص 191

وكذا في رواية ابن خزيمة في (( صحيحه ) )، وفي رواية خالد بن عبد الله بزيادة الباء (بِيَدَيْهِ) بالتثنية (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ) بهما، وعند مسلم «مسح رأسه كله وما أقبل وما أدبر وصدغيه» (بَدَأَ بِمُقَدَّمِ) بفتح الدال (رَأْسِهِ) بأن وضع يديه عليه وألصق مُسَبِّحَته بالأخرى وإبهامَيْهِ على صدغيه.

(حَتَّى ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ) ليستوعب الرأس كله، وهذه الجملة الاستئنافية بيان لقوله «فأقبل بهما وأدبر» ومن ثمه لم تدخل الواو على قوله بدأ، والظاهر أنه ليس مدرجًا من كلام مالك، بل هو من الحديث، وقد احتج به مالك، وابن عُلَيَّة، وأحمد في رواية، على أن مسح جميع الرأس فرض، ولكن أصحاب مالك اختلفوا، فقال أشهب يجوز مسح بعض الرأس.

وقال غيره يجوز مسح الثلث فصاعدًا، وعندنا وعند الشافعي الفرض مسح بعض الرأس، فقال أصحابنا ذلك البعض هو ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة؛ لأن الكتاب مُجْمَل في حق المقدار فقط؛ لأن الباء في {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} للإلصاق باعتبار أصل الوضع، فإذا قُرِنت بآلة المسح يتعدى الفعل بها إلى محل المسح فيتناول جميعه كما تقول مسحت الحائط بِيَدِي، ومسحت رأس اليتيم بِيَدِي فيتناول كله، وإذا قرنت بمحل المسح يتعدى الفعل بها إلى الآلة، ولا يقتضي الاستيعاب، وإنما يقتضي إلصاق الآلة بالمحل، وذلك لا يستوعب الكل عادة، بل أكثر الآلة ينزل منزلة الكل فيتناول المسح بإلصاق ثلاثة أصابع بمحل المسح، ومعنى التبعيض إنما يثبت بهذا الطريق لا بمعنى أن الباء للتبعيض كما قاله البعض، وقد أنكر بعض أهل العربية كون الباء للتبعيض.

قال ابن برهان من زعم أن الباء تفيد التبعيض فقد جاء بما لا يعرفه أهل اللغة، وقد جعل الجرجاني معنى الإلصاق في الباء أصلًا، وإن كانت تجيء لمعان كثيرة.

وقال ابن هشام أثبت مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، والتَّيمي، وابن مالك، قيل والكوفيون وجعلوا منه قوله تعالى {يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} [الإنسان 6] وقوله تعالى {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ} [المائدة 6] ، والظاهر أن الباء فيهما للإلصاق، وقيل أي في آية الوضوء للاستعانة، وأن في الكلام حذفًا وقلبًا، فإنَّ (مَسَحَ) يتعدى إلى المُزَال عنه بنفسه وإلى المزيل بالباء، فالأصل {امسحوا رؤوسكم} بالماء، فإن قيل أليس التيمم

ج 2 ص 192

ثبت بقوله تعالى {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ} [النساء 43] والاستيعاب فيه شرط؟

فالجواب أن الاستيعاب فيه عُرِفَ إما بإشارة الكتاب وهو أن الله تعالى أقام التيمم في هذين العضوين مقام الغسل عند تعذره، والاستيعاب فرض بالنص في الغسل، فكذا فيما قام مقامه، ولا يرد كون مسح الخف بدلًا عن غسل الرجل؛ لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع، وأما بالسنة وهو قوله عليه السلام لعمار رضي الله عنه «يكفيك ضربتان ضربة للوجه، وضربة للذراعين» ، وأما على رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه لا يشترط الاستيعاب فلا يرد شيء، فإن قيل المسح فرض، والمفروض مقدار الناصية ومن حُكْم الفرض أن يُكفَّر جاحده، وجاحد المقدار لا يُكفَّر فكيف يكون فرضًا؟.

فالجواب أن الفرض القطعيَّ هو أصل المسح، وأما مسح المقدار المعين ففرض ظني، والذي يُكَفَّرُ جاحدُه هو الفرض القطعي لا الظني.

فإن قيل كيف استدل الحنفية بحديث المغيرة على أن المقدار في المسح هو ربع الناصية، وقد تركوا بقية الحديث وهو المسح على العمامة؟.

فالجواب أنهم لو عملوا بكل الحديث يلزم به الزيادة على النص؛ لأن هذا خبر الواحد والزيادة به على الكتاب نسخ، فلا يجوز، وأما المسح على الرأس فقد ثبت بالكتاب فلا يلزم ذلك، على أن مَسْحَه صلى الله عليه وسلم على العمامة فأَوَّلَه بعضُهم بأن المرادَ به ما تحته من قبيل إطلاق اسم الحال على المحل، وأَوَّله بعضهم بأن الراوي كان بعيدًا عن النبي صلى الله عليه وسلم فمسح على رأسه ولم يضع العمامة من رأسه، فظن الراوي أنه مسح على العمامة.

وقال القاضي عياض وأحسن ما حَمَل عليه أصحابنا حديث المسح على العمامة أنه صلى الله عليه وسلم لعله كان به مرض منعه كشف رأسه، فصارت العمامة كالجبيرة التي يُمسح عليها للضرورة.

وقال الحافظ العسقلاني فإن قيل فلعلَّه اقتصر على مسح الناصية لعذر؛ لأنه كان في سفر وهو مظنة العذر، ولهذا مسح على العمامة بعد مسح الناصية، كما هو ظاهر سياق مُسْلم في حديث المُغِيرة، قلنا قد روي عنه مسح مقدم الرأس من غير مَسْحٍ على العمامة، ولا تَعرَّض فيه لسفر، وهو ما رواه الشافعي من حديث عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فحَسَر العمامة عن رأسه، ومسح مُقدَّم رأسه وهو مُرْسل، لكنه اعتضد من وجه آخر موصولًا، أخرجه أبو داود من حديث أنس، وفي إسناده أبو مَعْقل لا يعرف حاله، فقد اعتضد كلٌّ من المُرْسَل والموصول بالآخر، وحصلت القوة من الصورة

ج 2 ص 193

المجموعة. انتهى.

وقال محمود العيني قول هذا القائل من أعجب العجائب؛ لأنه يدعي أن المرسل غير حجة عند إمامه ثمَّ يدعي أنه اعتضد بحديث موصول ضعيف باعترافه نفسه، ثمَّ يقول وحصلت القوة من الصورة المجموعة، وكيف تحصل القوة من شيء ليس بحجة وشيء ضعيف، وإذا [2] كان المرسل غير حجة يكون في حكم العدم، ولا يبقى إلا الحديث الضعيف وحده. انتهى، وفيه تأمُّلٌ [3] .

ثمَّ المذكور في الحديث البداءة في مسح الرأس بمقدمه، وروي في هذا الباب أحاديث كثيرة، فعند النسائي من حديث عبد الله بن زيد «ثمَّ مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر» بدأ بمقدم رأسه ثمَّ ذهب بهما إلى قفاه، ثمَّ ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، وعند ابن أبي شيبة من حديث الربيع «بدأ بمؤخره ثمَّ رد يديه على ناصيته» ، وعند الطبراني «بدأ بمؤخر رأسه ثمَّ جره إلى قفاه ثمَّ جره إلى مؤخره» ، وعند أبي داود «يبدأ بمؤخره ثمَّ بمقدمه وبأذنيه كليهما» ، وفي لفظ «مسح الرأس كله من قَرْنِ الشَّعر كلِّ ناحيةٍ لمُنْصَبِّ الشَّعر، لا يُحَرِّكُ الشعرَ عن هيئته» ، وفي لفظ «مسح رأسه وما أقبل وما أدبر وصدغيه» ، وعند البزار من حديث أبي بَكْرَة يرفعه «توضأ ثلاثًا ثلاثًا» ، وفيه «ومسح برأسه يُقْبِل بيديه من مُقَدَّمه إلى مُؤَخَّره، ومن مؤخَّره إلى مقدمه» .

وعند ابن قانع من حديث أبي هريرة رضي الله عنه «وضع يديه على النصف من رأسه ثمَّ جرهما إلى مقدم رأسه، ثمَّ أعادهما إلى المكان الذي بدأ منه وجرهما إلى صدغيه» ، وعند أبي داود من حديث أنس «أدخل يده من تحت العمامة فمسح مقدم رأسه» .

وفي كتاب ابن السَّكن «فمسح باطن لحيته وقفاه» ، وفي (( معجم البغوي ) )وكتاب ابن أبي خيثمة «مسح رأسه إلى سَالِفَته» ، وفي كتاب النسائي عن عائشة رضي الله عنها ووصفت وضوءه عليه السلام «وضعت يدها في مقدم رأسها، ثمَّ مسحت إلى مؤخره» ، فهذه أوجه كثيرة يختار المتوضئ أيها شاء، واختار بعض أصحابنا الحنفية رواية عبد الله بن زيد.

وأما ما قاله بعضهم إنَّ في قوله «بدأ بمقدم رأسه ... إلى آخره» حجة على من قال السنة أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى أن ينتهي إلى مُقدَّمه ففيه أنه كيف يكون حجة مع الأوجه التي ذكرت الآن، فافهم.

ثمَّ إن استيعاب الرأس بالمسح سنة عندنا، والمسنون في كيفية المسح

ج 2 ص 194

أن يضع كفيه وأصابعه على مقدم رأسه آخذًا إلى قفاه على وجه يَسْتَوعِب، ثمَّ يمسح أُذُنيه، وأما مُجَافَاة السَّبَّاحتين مطلقًا ليمسح بهما الأذنين والكفين في الإدبار ليرجع بهما على الفَوْدين فلا أصل له في السنة؛ لأن الاستعمال لا يثبت قبل الانفصال والأذنان من الرأس حتى جاز اتحاد بِلَّتِهما، ولأن أحدًا ممن حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يُؤْثر عنه ذلك، فلو كان ذلك من الكيفيات المسنونة وهم شارعون في حكايتها لترتكب وهي غير متبادرة لنَصّوا عليها، كذا قاله ابن الهمام في (( شرح الهداية ) ).

(ثُمَّ غَسَلَ) صلى الله عليه وسلم (رِجْلَيْهِ) أطلق الغسل فيهما ولم يقيده بالتثليث ولا بالتثنية كما في بعض الأعضاء إشعارًا بأن الوضوء الواحد يجوز أن يكون بعضه بمَرَّة، وبعضه بمرَّتين، وبعضه بثلاث، وإن كان الأكمل التثليث في الكل، وإنما فعله بيانًا للجواز، والبيان بالفعل أوقع في النفوس منه بالقول وأبعد من التأويل، والله أعلم.

[1] (( فسألوه ) )ليست في (خ) .

[2] في (خ) (( وإن ) ).

[3] في هامش الأصل وجه التأمل أنه قد ذكر الشافعي رحمه الله أن المرسل قد يعتضد بمرسل آخر أو مسند، وأما ما لا يكون حجة أصلًا فهو مرسل لم يعتضد بشيء، وتحقيقه في الأصول. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت