2067 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ) واسم أبي يعقوب إسحاق، وكنية محمد أبو عبد الله (الْكِرْمَانِيُّ) بكسر الكاف وبالنون، اسمٌ لتلك الدِّيار التي قصبتها بَرْدَسِير _ بفتح الموحدة وسكون الراء وفتح الدال وكسر السين المهملات، وآخره راء _ وقد غلب على بردسير حين كانت مقصد القوافل والملوك والعساكر، وضبطه النوويُّ بفتح الكاف، وتعقَّبه الكرمانيُّ وقال هو بلدنا وأهل البلد أعلم باسم بلدهم من غيرهم، وهم متَّفقون على كسرها.
وقال الحافظ العسقلانيُّ وسلفُ النَّوويِّ في تلك أبو سعد ابن السمعاني، وهو أعلم الناس بذلك، فلعلَّ الأصل فيها الفتح ثمَّ كثر استعمالها بالكسر تغييرًا من العامَّة. وقد نزل محمد المذكور البصرة ووثقه ابن معين وغيره، ولم يعرف أبو حاتم الرازي حاله، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وآخر في (( تفسير المائدة ) ) [خ¦4624] ، وآخر في أوائل (( الأحكام ) ) [خ¦7160] ، والثلاثة بإسنادٍ واحدٍ إلى الزهريِّ، مات سنة أربع وأربعين ومائتين قال (حَدَّثَنَا حَسَّانُ) بالتشديد، على وزن فعَّال، هو ابنُ إبراهيم أبو هشام العَنَزِي _ بالعين المهملة والنون المفتوحتين وبالزاي _ قاضي كرمان، مات سنة ست وثمانين ومائة، وله مائة سنة قال (حَدَّثَنَا يُونُسُ) هو ابنُ يزيد، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) بن مسلم بن شهاب الزهري، وفي رواية أبي نعيمٍ من وجهٍ آخر عن حسان، عن يونس بن يزيد، عن الزهريِّ.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ويأتي في (( الأدب ) ) [خ¦5986] من وجهٍ آخر عن الزهريِّ أخبرني أنس (قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَرَّهُ) أي من أفرحه (أَنْ يُبْسَطَ) على البناء للمفعول (لَهُ رِزْقُهُ) وكلمة أنْ مصدرية وهو فاعل سرَّه (أَوْ يُنْسَأَ) بضم المثناة التحتية وسكون النون بعدها سين مهملة ثم همزة، من الإِنْساء؛ أي يُؤخَّر (لَهُ فِي أَثَرِهِ) أي في بقيَّة عمره. قال كعب بن زهير
~يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا وَالنَّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالهَمُّ مُنْتَشِرُ [1]
~وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلُ لَا يَنْتَهِي العَيْشُ حَتَّى يَنْتَهِي الأَثَرُ
أي ما بقي له من العمر.
(فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ) جواب (( مَنْ ) )واختلفوا في الرحم فقيل كلُّ ذي رحمٍ محرم، وقيل وارث، وقيل هو القريب سواءٌ كان محرمًا أو غيره، ووصل الرَّحم تشريكُ ذوي القربى في الخيرات، وهو قد يكون بالمال وبالخدمة وبالزيارة ونحوها.
وقال القاضي عياض لا خلاف أنَّ صلة الرحم واجبةٌ في الجملةِ وقطيعتها معصيةٌ كبيرة، والأحاديث تشهد لها
ج 10 ص 50
ولكن الصِّلة درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة منها واجبٌ، ومنها مستحبٌّ.
ولو وصل بعض الصِّلة ولم يصل غايتها لا يسمَّى قاطعًا، ولو قصَّر عمَّا يقدر عليه وينبغي له لا يسمَّى واصلًا، وفي كتاب «الترغيب والترهيب» للحافظ أبي موسى المدينيِّ من حديث عبد الرحمن بن سَمُرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( إنِّي رأيت البارحة عجبًا، رأيت رجلًا من أمَّتي أتاه ملك الموت عليه السلام ليقبض روحه فجاءه برُّ والده فردَّ ملك الموت عنه ) )الحديث، وقال هو حسنٌ جدًّا.
وروي من حديث داود بن المحبِّر، عن عبَّاد، عن سهل، عن أبيه، عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( ابن آدم! اتَّق ربَّك، وبرَّ والديك، وصل رحمك، يمدُّ لك في عمرك، وييسِّر لك يسرك، ويجنِّب عسرك، ويوسِّع لك في رزقك ) )، ومن حديث داود بن عليٍّ عن أبيه، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( إنَّ صلة الرحم تزيد في العمر ) )، ومن حديث عبد الله بن الجعد عن ثوبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا يزيد في العمر إلَّا برُّ الوالدين، ولا يزيد في الرزق إلَّا صلة الرحم ) )، ومن حديث إبراهيم السَّائي عن الأوزاعي، عن محمد بن علي بن حسين أخبرني أبي عن جدِّي، عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه سأل النَّبي صلى الله عليه وسلم عن قوله {يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد 39] ، فقال (( هي الصَّدقة على وجهها، وبرُّ الوالدين، واصطناعُ المعروف، وصلة الرحم تحوِّل الشَّقاء سعادة، وتزيد في العمر، وتقي مصارع السُّوء ) )، ومن حديث محمد بن إسحاق العكاشيِّ، عن الأوزاعيِّ (( يا علي! من كانت فيه خصلةٌ واحدةٌ من هذه الأشياء أعطاه الله تعالى الثَّلاث خصال ) )، وروي عن عمر وابن عباس وابن عمر وجابر بن عبد الله نحوه.
ومن حديث عكرمة بن إبراهيم عن زائدة بن أبي الرقاد، عن موسى بن الصَّباح، عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه
ج 10 ص 51
وسلم أنَّه قال (( إنَّ الإنسان ليصل رحمه وما بقي من عمره إلَّا ثلاثة أيَّامٍ فيزيد الله تعالى في عمره ثلاثين سنة، وإنَّ الرجل ليقطعُ رحمه وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فينقص الله تعالى عمره حتَّى لا يبقى فيه إلَّا ثلاثة أيام ) )، ثمَّ قال هذا حديثٌ حسنٌ ولا أعرفه إلَّا بهذا الإسناد.
ومن حديث إسماعيل بن عيَّاش، عن داود بن عيسى قال مكتوبٌ في التوراة صلة الرحم، وحسن الخلق، وبرُّ القرابة تعمِّر الدِّيار، وتكثر الأموال، وتزيد في الآجال وإن كان القوم كفَّارًا.
قال أبو موسى يروى هذا من طريق أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه مرفوعًا عن التَّوراة. وروى البزار من حديث أنسٍ رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ الصَّدقة، وصلة الرحم يُزَادُ بهما في العمر، ويُدفَع بهما ميتة السُّوء، ويُدفَع بهما المكروه والمحذور ) )، ومن حديث عائشة رضي الله عنها ترفعه (( صلة الرَّحم وحسن الخلق يعمران الدِّيار ويزيدان في الأعمار ) )، ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( مكتوبٌ في التوراة من أحبَّ أن يُزاد في عمره، ويُزاد في رزقه فليصلْ رحمه ) )وأسانيدها حسان.
وروى الطبرانيُّ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعًا (( إنَّ الله ليعمر بالقوم الدِّيار، ويثمرُ لهم الأموال وما نظر إليهم منذ خلقهم بغضًا ) )قيل وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال (( بصلتهم أرحامهم ) )وإسناده حسنٌ.
قال أبو الفرج فإن قيل أليس قد فُرِغَ من الرِّزق والأجل؟ فما معنى بسط الرِّزق وتأخير الأجل؟ فالجواب من وجوه
أحدها أن يكون المراد بالزِّيادة فيهما توسعة الرِّزق بحصول البركة فيه واقتناعه به بحيث لا يحصل له قلقٌ واضطرابٌ في ذلك، وصحة البدن فإنَّ المرض في معنى الموت.
وثانيها أن يكتب أجل العبد مائة سنة ويجعل تركيبه تعمير ثمانين سنة، فإذا وصل رحمه زاد الله في تركيبه فعاش عشرين سنة أخرى، قالهما ابن قتيبة.
وثالثها أنَّ ذلك في الأصل ممَّا فرغ منه لكنَّه علَّق بصلة الرَّحم فكأنَّه كتب أنَّ فلانًا يبقى خمسين سنة، فإن وصل رحمه بقي ستِّين سنة.
ورابعها أنَّه على ضربين محتومٌ
ج 10 ص 52
وغير محتومٍ، ومن الأوَّل قوله تعالى {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [النحل 61] . ومن الثاني قوله تعالى {يَمْحُو اللهُ مَا يَشَاءٌ وَيَثْبُتُ} ، وتأثير صلة الرَّحم في الثاني لا في الأوَّل، وبعبارةٍ أخرى مكتوبٌ ومعلومٌ والمكتوب غير المعلوم، والزيادة تكون في الأول لا في الثاني فما علمه الله تعالى من نهاية العمرِ لا يتغيَّر وما كتب قد يمحى ويثبت، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إن كنت كتبتني شقيًّا فامحني، ولم يقل إن كنت علمتني لأن ما علم وقوعه لا بدَّ أن يقعَ، فإن قيل إذا كان المحتوم واقعًا لا محالة فما الَّذي أفاده زيادة المكتوب ونقصانه؟ فالجواب أنَّ المعاملات على الظَّواهر والمعلوم الباطن خفيٌّ لا يعلَّق عليه حكم، فيجوز أن يكون المكتوب يزيد وينقص، ويمحى ويثبت ليبلغ ذلك على لسان الشَّرع إلى الآدمي فيعلم فضيلة البرِّ وشؤم العقوق.
وخامسها أنَّ المراد من الزِّيادة التَّوفيق على الطَّاعات واستغراق العمر في فعل الخيرات والمبرَّات حتى تكون سنة من مثل ذلك العمر خيرًا من سنة من يستغرقه في الذنوب والمعاصي، فينال في قصير العمر ما يناله غيره في طويله فيكون عمره طويلًا كيفيَّةً لا كمِّيَّةً.
وسادسها ما قاله القاضي عياض إنَّ المراد من الأثر هو بقاء الذِّكر الجميل بعده على الألسنة، فكأنَّه لم يمت يعني أنَّ الله تعالى يبقي أثر واصل الرحم في الدُّنيا زمانًا طويلًا فلا يضمحلُّ سريعًا، كما يضمحلُّ قاطع الرحم.
ويؤيِّده ما رواه الطبرانيُّ من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال ذكروا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرحام، فقلنا من وصل رحمه أنسئ في أجله، قال (( إنَّه ليس بزيادةٍ في العمر، قال الله تعالى {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} ، ولكنَّهُ الرجل له الذريَّة الصَّالحة فيدعون له من بعده فيبلغه ذلك، فذلك الذي ينسأ في أجله ) ).
وذكر الحكيم الترمذيُّ أنَّ المراد بذلك قلَّة المقام في البرزخ، والحديثُ أخرجهُ مسلمٌ في (( الأدب ) )، وأبو داود في (( الزكاة ) )، والنسائيُّ في (( التفسير ) ).
ج 10 ص 53
[1] هذا البيت غير موجود في (خ) .