2079 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) أبو أيُّوب الواشحي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ بْنُ الحَجَّاجِ، عَنْ قَتَادَةَ) بن دعامة (عَنْ صَالِحٍ) بن أبي مريم (أَبِي الْخَلِيلِ) الضبعيِّ البصريِّ، وفي الرواية التي بعد بابين (( سمعت أبا الخليل يحدِّث ) ) [خ¦2082] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ) بن نوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب، أبي محمد الهاشمي المدني، ولي البصرة وكان أهلها يلقِّبونه بُبَّة _ بفتح الموحدة الأولى وتشديد الثانية _ وهرب من الحجَّاج إلى عمان، ومات بها سنة أربع وثمانين. وهو معدودٌ من التابعين؛ لأنَّه ولد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى به فحنَّكه. وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وحديثٌ آخر عن العبَّاس رضي الله عنه في قصَّة أبي طالبٍ [خ¦3883] .
(رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ) بفتح الحاء المهملة وكسر الكاف
ج 10 ص 80
(ابْنِ حِزَامٍ) بكسر المهملة وتخفيف الزاي، الأسدي، وقد مرَّ في (( الزكاة ) ) [خ¦1436] رضي الله عنه، وإنَّما قال (( رفعه ) )ليشمل سماعه عنه بالواسطة وبدونها.
(قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّعَانِ) هكذا هو في سائر طرق الحديث، وفي بعضها (( المتبايعان ) )، قال الشَّيخ زين الدين ولم أر في شيءٍ من طرقه (( البائعان ) )وإن كان لفظ (( البائع ) )أشهر وأغلب من (( البيِّع ) )، وإنَّما استعملوا ذلك بالقصر والإدغام من الفعل الثَّلاثي المعتل العين في ألفاظ محصورة كطيِّب، وميِّت، وكيِّس، وريِّض، وليِّن، وهيِّن، واستعملوا في باع الأمرين، فقالوا بائع وبيِّع.
(بِالْخِيَارِ) أي خيارِ المجلس (مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ قَالَ حَتَّى يَتَفَرَّقَا) كذلك هو في أكثر الرِّوايات بتقديم المثناة من التفعُّل، وعند مسلم (( ما لم يفترقا ) )بتقديم الفاء، من الافتعال، وقد فرق بينهما بعض أهل اللغة، عن ثعلب أنَّه سئل هل يتفرقان ويفترقان واحدٌ أم لا؟ فقال أخبرنا ابن الأعرابي عن المفضَّل، قال يفترقان بالكلام، ويتفرقان بالأبدان، انتهى.
وقال الشيخ زين الدين العراقي هذا يؤيِّد ما ذهب إليه الجمهور من أنَّ المراد هنا التفرُّق بالأبدان.
وقال ابن العربي والذي نقله المفضل من الفرق بين التفعُّل والافتعال لا يشهد له القرآن ولا يعضده الاشتقاق، قال الله تعالى {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [البينة 4] فذكر التفرُّق فيما ذكر فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم الافتراق في قوله (( افترقت اليهودُ والنَّصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقة ) ).
(فَإِنْ صَدَقَا) أي فإن صدق كلُّ واحدٍ منهما في الإخبار عمَّا يتعلَّقُ به من الثَّمن ووصف المبيع ونحو ذلك، وقال الحافظ العسقلانيُّ أي من جانب البائع في السَّوم، ومن جانب المشتري في الوفاء.
(وَبَيَّنَا) أي وبيَّن كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيبٍ ونحوه في السلعة، أو الثمن (بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا) أي كثر نفع البيع من جهة المثمِّن والثمن (وَإِنْ كَتَمَا) أي كتم البائع عيب السِّلعة، والمشتري عيب الثمن (وَكَذَبَا) أي كذب البائع في وصف سلعته، والمشتري في وصف ثمنه(مُحِقَتْ بَرَكَةُ
ج 10 ص 81
بَيْعِهِمَا)من المحقِ وهو النُّقصان وذهاب البركة. وقيل هو أن يذهبَ الشَّيء كلُّه حتى لا يرى منه أثر. ومنه قوله تعالى {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البقرة 276] أي يستأصله ويذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه، والمراد بمحق بركة البيع عدم حصول ما يقصده التَّاجر من الزِّيادة والنَّماء فيعامل بنقيضِ ما قصده.
وعلَّق الشارع حصول البركة لهما بشرط الصِّدق والبيان منهما، ومحقها بوجود ضدِّهما وهو الكتم والكذب، وهل تحصل البركةُ لأحدهما إذا وجد منه الشرط دون الآخر ظاهر الحديث يقتضيه، ولكن يحتمل أن يعود شؤم أحدهما إلى الآخر بأن ينزعَ البركة من البيع إذا وجد الكذب، أو الكتم من أحدهما وكان الأجر ثابتًا للصَّادق المبين والوزر حاصلٌ للكاذب الكاتم.
وفي الحديث أنَّ الدُّنيا لا يتمُّ حصولها إلا بالعمل الصَّالح، وأنَّ شؤم المعاصي تذهب بخير الدنيا والآخرة، وقد اختلف العلماء في تأويل قوله صلى الله عليه وسلم (( ما لم يتفرَّقا ) )، فقال إبراهيم النخعيُّ والثوري في رواية وربيعة ومالك وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن المراد بالتفرُّقِ فيه هو التفرُّقُ بالأقوال، فإذا قال البائع بعت، وقال المشتري قبلتُ أو اشتريت فقد تفرقا، ولا ينبغي لهما بعد ذلك خيار، ويتم به البيع، ولا يقدر المشتري على ردِّ البيع إلَّا بخيار الرؤية، أو خيار العيب، أو خيار الشرط.
وقال أبو يوسف وعيسى بن أبان وآخرون التفرُّق الذي يقطع الخيار هو الافتراق بالأبدان بعد المخاطبة بالبيع قبل قبول الأجر، وذلك أنَّ الرجل إذا قال لآخر قد بعتك عبدي بألف درهم، فللمخاطب بذلك القول أن يتقبَّل ما لم يفارق صاحبه، فإذا افترقا لم يكن له بعد ذلك أن يقبل.
وقال سعيد بن المسيِّب والزهري وعطاء بن أبي رباح وابن أبي ذئب والشافعيُّ وأحمد وغيرهم إنَّ التفرُّقَ المذكور في الحديث
ج 10 ص 82
هو التفرُّقُ بالأبدان، فلا يتمُّ البيع حتى يوجد التفرُّق بالأبدان، والحاصل من ذلك أنَّ أصحابنا قالوا إنَّ العقد يتمُّ بالإيجاب والقبول ويدخل المبيع في ملك المشتري.
وإثبات خيار المجلس لأحدهما يستلزم إبطال حقِّ الآخر فينتفي بقوله صلى الله عليه وسلم (( لا ضرر ولا ضرار في الإسلام ) )، والحديث محمولٌ على خيار القبول، فإنَّه إذا وجب لأحدهما فلكلٍّ منهما الخيار ما داما في المجلس ولم يأخذا في عملٍ آخر.
وفي لفظه إشارة إليه فإنَّهما متبايعان حالة البيع حقيقةً، وأمَّا بعده أو قبله فمجازًا، وبعد العقد خيار المجلس غير ثابتٍ لقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء 29] ، فأباحَ الأكل بوجود التراضي عن التجارة، والبيع تجارةٌ فدلَّ على نفي الخيار وصحة وقوع البيع بنفس العقد، وجواز تصرُّف المشتري في المبيع، وقد قال تعالى {أوْفُوا بِالْعُقُوْدِ} ، وهذا عقدٌ يلزم الوفاء به بظاهر الآية، وفي إثبات الخيار نفي لزوم الوفاء به.
وفي الحديث ما يدلُّ على أنَّ نصيحة المسلم واجبةٌ، وهذا هو الأصل في هذا الباب، وقد كان سيِّدنا صلى الله عليه وسلم يأخذها في البيعة على الناس كما كان يأخذ عليهم الفرائض، قال جريرٌ (( بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطَّاعة فشرط عليَّ والنصح لكلِّ مسلمٍ ) )، وقد صحَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( لا يؤمن أحدُكُم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ) )، فحُرِّمَ بهذا غشُّ المؤمن وخديعتُه.
ورجالُ إسناد الحديث ما بين بصريٍّ وهو شيخ المؤلِّف وقتادة وصالح، وواسطيٍّ وهو شعبة، ومدنيٍّ هو عبد الله بن الحارث، وقد تحوَّل إلى البصرة. وفيه ثلاثةٌ من التابعين.
وقد أخرج متنه مسلم في (( البيوع ) )أيضًا، وكذا أبو داود، والترمذي، والنسائي.