186 - (حَدَّثَنَا مُوسَى) هو ابن إسماعيل التَّبُوذكي، وقد مرَّ في الوحي [خ¦5] (قَالَ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بالتصغير هو ابن خالد الباهلي المذكور في باب من أجاب الفُتْيا [خ¦84] (عَنْ عَمْرٍو) ابنُ يحيى بن عُمَارة المازنيُّ، شيخ مالك، وقد تقدَّم ذكره [خ¦185] في الحديث السابق (عَنْ أَبِيهِ) يحيى بن عمارة بن أبي حسن أنه قال (شَهِدْتُ) أي حَضَرتُ (عَمْرَو بْنَ أَبِي الحَسَن) بفتح الحاء أخا عمارة وعم يحيى بن عمارة.
وقال محمود العيني قد تقدم أن السائل هو جده، وهذا يدل على أنه أخو جدِّه، ولا منافاة في كونه جدًّا له من جهة الأم عمًَّا لأبيه، وهذا إنما يستقيم إذا كانت أم عمرو بن يحيى بنتًا لعمرو بن أبي الحسن، كما قال الكِرماني تبعًا لصاحب (( الكمال ) )، وفيه نظر.
ج 2 ص 195
(سَأَلَ) أي قد سأل أو سؤاله، فعلى الأول يكون حالًا بتقدير قد، وعلى الثاني يكون بدل اشتمال بطريق التجريد (عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ) الأنصاري رضي الله عنه (عَنْ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِتَوْرٍ) بفتح المثناة الفوقية وسكون الواو وفي آخره راء هو الطَّسْت، وقال الجوهري إناء يشرب منه، وقال الدَّراوردي قدح، وقيل شِبْهُ الطست، وقيل مثل القِدْر من صُفْر أو حجارة، وفي رواية عبد العزيز بن أبي سلمة عند البخاري في باب الغسل في المِخْضَب [خ¦197] .
والصُّفر بضم الصاد المهملة وسكون الفاء صنف من جيِّد النحاس، قيل إنه سُمي بذلك؛ لأنه يُشْبه الذهب، ويسمى أيضًا الشَبَه بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة.
(مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ لَهُمْ) أي لأجل السائل وأصحابه (وُضُوءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي مثل وضوئه وأطلق عليه وضوءه مبالغة (فَأَكْفَأَه) بهمزتين من الإكفاء، وقد مر في الحديث السابق [خ¦185] ؛ أي فأفرغ الماء (عَلَى يَدِهِ مِنَ التَّوْرِ) المذكور (فَغَسَلَ يَدَيْهِ) بالتثنية قبل أن يدخلهما في التور، وفي رواية بالإفراد على إرادة الجنس (ثَلاَثًا) أي ثلاث مرات.
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَاسْتَنْثَرَ) إذا كان الاستنشاق غير الاستنثار فلا شبهة في الكلام، وأما إذا كان معناهما واحدًا كما نُقِلَ عن ابن الأعرابي وابن قتيبة فيكون عطف تغاير، فافهم (ثَلاَثَ) وفي رواية الأَصيلي (غَرَفَاتٍ) بفتح الغين والراء، ويجوز ضمهما، وضم الغين مع إسكان الراء وفتحها، قال الكِرماني يحتمل أنها كانت المضمضة ثلاثًا والاستنشاق ثلاثًا أو كانت الثلاث لهما، وهذا هو الظاهر. انتهى.
وقال محمود العيني بل الظاهر هو الأول؛ لأنه ثبت فيما رواه الترمذي وغيره أنه مضمض ثلاثًا واستنشق ثلاثًا، وقد مر في باب غسل الوجه باليدين من غرفة واحدة تفصيل ذلك البحث، فليراجع [خ¦140] .
(ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) بالإفراد في التَّور (فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا) بيَّن في هذه الرواية تجديد الاغتراف لكل عضو، وأنه اغترف بإحدى يديه، وكذا هو في باقي الروايات، وفي مسلم وغيره، لكن وقع في رواية ابن عساكر، وأبي الوقت من طريق سليمان بن بلال الآتية بالتثنية، وليس ذلك في رواية
ج 2 ص 196
أبي ذر ولا الأَصيلي، ولا في شيء من الروايات خارج الصحيح، قاله النووي.
وقال الحافظ العسقلاني وأظن أن الإناء كان صغيرًا، وإلا فالاغتراف باليدين جميعًا أسهل وأقرب تناولًا، كما قال الشافعي رحمه الله.
(ثمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ) الظاهر أن المراد غسل كل يد مرتين كما تقدم من طريق مالك ، وليس المراد توزيع المرتين على اليدين ليكون كل يد مرة واحدة، وفي رواية (ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ) بالإفراد في الإناء (فَمَسَحَ رَأْسَهُ) كله ندبًا بيديه (فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) أي معهما كما في المرفقين.
وفي الحديثين اللذين في البابين من الفوائد الإفراغ على اليدين معًا في ابتداء الوضوء، وجواز الاستعانة في إحضار الماء من غير كراهة، والتعليم بالفعل، وأن الاغتراف من الماء القليل للمتطهِّر لا يُصيِّر الماءَ مستعملًا؛ لأن في رواية وهيب وغيره .
وأمَّا اشتراط نية الاغتراف فليس في هذا الحديث ما يثبتها ولا ما ينفيها، واستدل به أبو عوانة في (( صحيحه ) )على جواز التطهر بالماء المستعمل، وتوجيهه أن النية لم تذكر فيه وقد أدخل يده للاغتراف.
وقال الغزالي مجرد الاغتراف لا يُصيِّر الماء مستعملًا؛ لأن الاستعمال إنما يقع من المغترف منه، وبهذا قطع البغوي، واستدل به على استيعاب مسح الرأس لكن يدل عليه ندبًا لا فرضًا كما مر، وعلى أنه لا يندب تكراره، وسيأتي في باب مفرد، وعلى الجمع بين المضمضة والاستنشاق من غرفة، وفيه نظر، وعلى جواز التطهر من آنية النحاس وغيره، وفيه أيضًا نظر، والله أعلم.