2081 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) قال (حَدَّثَنَا أَبِي) قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران، قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (شَقِيقٌ) هو ابنُ سلمة أبو وائل (عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ) هو عقبة بن عمرو الأنصاريِّ البدريِّ، أنَّه (قَالَ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، يُكْنَى) من الكُنية (أَبَا شُعَيْبٍ) بضم المعجمة (فَقَالَ لِغُلاَمٍ لَهُ قَصَّابٍ) بالجرِّ صفة غلام، وسيأتي في (( المظالم ) )من وجهٍ آخر عن الأعمش بلفظ [خ¦2456] (( كان له غلام لحَّام ) ).
(اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَامِسَ خَمْسَةٍ) أي أحد خمسةٍ. قال الداوديُّ يجوز أن يقال خامس خمسةٍ وخامس أربعةٍ، وعن المهلب إنَّما صنع طعام خمسةٍ لعلمه بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم سيتبعه من أصحابه غيره.
(فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْجُوعَ، فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ) أي سادسهم (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا) بكسر الموحدة وفتح العين؛ لأنَّه فعل ماض، والضمير الذي
ج 10 ص 85
فيه لهذا الرجل.
(فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ، فَقَالَ لاَ، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ) .
وفي الحديث جواز الاكتساب بصنعة الجزارة، وأنَّه لا بأس بذلك، وقال ابن بطَّال وإن كان في الجزارة شيءٌ من الضعة؛ لأنَّه يمتهن فيها نفسه، وأنَّ ذلك لا ينقصه ولا يسقط شهادته إذا كان عدلًا.
وفيه أيضًا جواز استعمال السيِّد غلامه في الصَّنائع التي يطيقها، وأَخْذِ كسبه منها.
وفيه أيضًا بيان ما كانوا فيه من شظفِ العيشِ وقلة الشيء، وأنَّهم كانوا يؤثرون بما عندهم.
وفيه أيضًا تأكيد إطعام الطَّعام والضيافة خصوصًا لمن حاجته إلى ذلك.
وفيه أيضًا أنَّ من صنع طعامًا لغيره فلا بأس أن يدعوه إلى منزله ليأكل معه، ولكن هل الأولى أن يدعوه إلى الطَّعام أو يرسله إليه؟ اختار مالك إرساله إليه ليأكل مع أهله إن كان له أهل، فقال في الرجل يدعو الرجل يلزمه إذا أراد فليبعث مثل ذلك إليه ليأكله مع أهله، فإنَّه قبيحٌ بالرجل أن يذهبَ يأكل الطَّيبات ويترك أهله.
وفيه أيضًا أنَّه ينبغي لمن دعا مَن له منزلةٌ إلى طعامه أن يدعو معه أصحابه الذين هم أهل مجالسته كما فعل أبو شعيبٍ رضي الله عنه.
وفيه أيضًا أنَّه ينبغي لمن أراد أن يدعو جماعةً أن يصنع لهم من الطعام كفايتهم ولا يضيق عليهم محتجًّا بأنَّ طعامَ الواحد يكفي الاثنين، وطعامَ الاثنين يكفي الأربعة، وطعامَ الأربعة يكفي الثمانية؛ لأنَّه لا ينبغي التَّضييق على الضيف وربما جاء مَن لم يدعُه كما وقع في قصَّة أبي شعيب، وفيه أيضًا إجابة المدعوِّ للدَّاعي وإن لم ينصَّ على اسمه، بل ذكر تبعًا لغيره كجلساء فلان وأصحابه؛ إذ لم يُنْقَل أنه سمَّى معه جلساءه، لكن يحتمل أنَّ أبا شعيب حين رأى النَّبي صلى الله عليه وسلم وعرف في وجهه الجوع أنَّه رأى معه أربعة جالسين فكان ذلك تخصيصًا لهم، وفيه أيضًا أنَّه لو دعا رجلًا إلى وليمةٍ أو طعام، وقلنا بالوجوب أو بالاستحباب وكان
ج 10 ص 86
مع المدعوِّ حالة الدعوة غيره، وليس كالهدية عند قوم يشركونه فيها للحديث الذي يوردونه فيها وهو (( من أهدى له هديَّةً عند قوم يشركونه فيها ) )، وهذا الحديث غير صحيحٍ.
وفيه أيضًا أنَّه لا بأس لمن وجد جماعةً يذهبون إلى مكان أن يتبعهم؛ لأنَّه لو كان هذا ممتنعًا لنهاه النَّبي صلى الله عليه وسلم ولردَّه، وإنَّما الممتنع دخوله معهم بغير إذن صاحب الدعوة ورضاه.
وفيه أيضًا أنَّه لا ينبغي للمدعوِّ أن يردَّ من تبعه إلى الدعوة، بل استأذن عليه لجواز أن يأذن له، وفيه أيضًا أنَّه ينبغي للمدعوِّ أن يستأذن صاحب المنزل فيمن تبعه إلى الدعوة لئلا ينكسر خاطره ما لم يكن ثمَّة مقتضٍ لعدم دخوله.
وفيه أيضًا أنَّه ينبغي للمدعوِّ إذا استأذن لمن تبعه أن يتلطَّف في الاستئذان، ولا يتحكَّم على صاحب المنزل بقوله ائذن لهذا أو نحو ذلك، وفيه أيضًا أنَّه ينبغي للمدعوِّ إذا استأذن لمن تبعه أن يُعلِم صاحب الدعوة أن الأمر إليه في الإذن له، وأنَّه ليس للمدعوِّ أن يحتكم عليه ويدعو من أراد لقوله صلى الله عليه وسلم (( وإن شئت رجع ) )، هذا مع كونه صلى الله عليه وسلم له أن يتصرَّف في مال كل من الأمَّة بغير حضوره وبغير رضاه، ولكنَّه لم يفعل ذلك إلَّا بالإذن تطييبًا لقلوبهم، وفيه أيضًا أنَّه ينبغي للداعي إذا استأذنه المدعو فيمن تبعه أن يأذن له كما فعل أبو شعيبٍ رضي الله عنه، وهذا من مكارم الأخلاق.
وفيه أيضًا أنَّ في قوله (( إنَّ هذا قد تبعنا ) )دليلًا على أنَّه لو كان معهم حالة الدعوة لدخل فيها، ولم يحتج إلى استئذان.
وفيه أيضًا ما قاله القاضي عياض وهو تحريمُ طعام الطفيليين. وقال أصحاب الشافعيِّ لا يجوز التَّطفل إلَّا إذا كان بينه وبين صاحب الدَّار انبساط.
وروى أبو داود الطَّيالِسيُّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من مشى إلى طعامٍ لم يُدْعَ إليه مشى فاسقًا، وأكل حرامًا، ودخل سارقًا، وخرج مُغِيرًا ) ).
وروى
ج 10 ص 87
البيهقيُّ في «سننه» من حديث عائشة رضي الله عنها، قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( من دخل على قومٍ لطعام لم يُدْعَ إليه فأكل دخل فاسقًا، وأكل ما لا يحلُّ له ) )وفي إسناده يحيى بن خالد وهو مجهول.
وحديثُ الباب أخرجه المؤلِّف في (( المظالم ) )أيضًا [خ¦2456] ، وأخرجه مسلمٌ في (( الأطعمة ) )، والترمذي في (( النكاح ) )، والنسائي في (( الوليمة ) ).